إرهاب يعاد إنتاجه بالحرب على الإرهاب
2010/02/08 الساعة 19:57:54
عبد الاله بلقزيز
أطلقت الحرب العالمية ضد الإرهاب وهي توشك أن تطوي عشراً من السنين عفريتاً كان يتحين فرصة فض قمقمه ليخرج إلى الدنيا الفسيحة . بؤرة ذلك الإرهاب كانت أفغانستان قبل غزوها . وكان في وسعه، مع ذلك، أن يضرب هنا وهناك على نحو جزئي كلما أمكنه ذلك . لكن حدود ضرباته ظلت متواضعة وقابلة للردع والاستيعاب . وحينما كان يحتد في ضرباته أكثر مثلما حصل في عمليات “الخُبر” و”نيروبي” و”دار السلام” و”نيويورك” لم تكن نجاحاته في إصابة أهدافه أكثر من تقصير أمني في الأمكنة التي طالتها يده .
ما كان ثمة من شك في أنه كان يتطور، ويطوّر أدواته وأساليبه قبل بداية الحرب العالمية عليه، وآي ذلك أنه أنجز اختراقاً أمنياً مذهلاً للولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر/أيلول 2001 . لكن وصوله إلى أهداف أمريكية، في ذلك الحين، اقتضى منه الكثير . أما بعد أن شنت عليه الحرب، فباتت أمريكا هدفاً قريباً له: في أفغانستان وفي كل مكان في العالم . فجنودها منتشرون أمام ناظري مئات مسلحيه في المنطقة بعد أن غزت أمريكا بجيوشها المنطقة . ومسرح عملياته القتالية الذي كان محدوداً اتسع نطاقاً باتساع مساحة الانتشار العسكري الأمريكي، وأصبحت جغرافيته تسع أفغانستان والعراق والصومال واليمن والصحراء الكبرى عند مثلث الحدود بين مالي والجزائر والنيجر . أما خلاياه الصغيرة - وهي غير جيوشه التي ذكرنا فانتشرت في عشرات البلدان: في أوروبا وآسيا وإفريقيا .
نقلته الحرب العالمية عليه من قوة قتالية صغيرة وموضعية إلى شبكة عسكرية وأمنية عالمية . حتى إن عشرات الجماعات الإسلامية المسلحة المنتشرة في بقاع مختلفة من العالم باتت جزءاً من تلك الشبكة التي تحمل اسم “القاعدة” . وإذا ما أخذنا جانبه العسكري، دون خلاياه الأمنية الصغيرة المتعددة، فإن معلومات الاستخبارات الأمريكية تفيدنا بوجود عشرين ساحة عمل عسكرية ل “القاعدة” في العالم . عولمت أمريكا الحرب عليه، فبادلها العولمة القتالية إياها . الفارق أن أمريكا كانت تعرف مكان عدوها قبل شنها الحرب عليه في أفغانستان، أما اليوم فلا تكاد تعرف أين هو؟ أين يختبئ؟ متى يتحرك فيضرب ضربته حين أمريكا لا تتوقع؟ فلقد أصبح يمكنه أن يوجد في أي مكان: في مطار أو طائرة، قرب قاعدة عسكرية أو حاجز تفتيش، داخل بنك أو سوق مركزي، في محيط سفارة أو قنصلية .
والأدهى من الحرب العالمية على “القاعدة” والإرهاب أن نتائجها هزيلة . فهي ما أحرزت نجاحات تذكر في نطاق المعلن عنه من أهداف ولا حصّنت أمن من أطلقوها وخاضوا فيها: مازال المقاتلون لأمريكا يتكاثرون، والخلايا تتكاثر في كل مكان . ومازال قادة “القاعدة” أحياء يرزقون ويطلون بوجوههم أو أصواتهم على العالم من خلال الإعلام فيرفعون في النفوس معدل الخوف . ومازال هاجس الأمن مستفحلاً في أمريكا وأوروبا والعالم، فيأخذ إجراءات الاحتياط والتحسب إلى حدود المساس بالحريات وانتهاك الخصوصيات وتقييد السفر والتنقل والتواصل بين الشعوب .
في الغضون، تدفع أمريكا من حربها هذه أثماناً فادحة النتائج عليها: قتلى وجرحى من جنودها الغزاة أو المتعقبين للإرهاب خارج حدودها بآلاف الأميال، وأزمة مالية عنيفة تهز أركان استقرارها وتودي بمئات المصارف والشركات الصناعية فيها، وتقذف بمئات الآلاف من عامليها إلى البطالة، ثم عداوات جديدة مع شعوب عديدة في العالم، وفي العالم الإسلامي على نحو خاص، تزيد من مشاعر الكراهية ضدها، وتغذي ما كانت تخشاه: التطرف .
في حربها الكونية على الإرهاب، جربت أمريكا اختبار ثلاث فرضيات: أمنية، وثقافية دينية، واقتصادية اجتماعية انتهت جميعها إلى إخفاق أو قل إلى تحصيل نتائج متواضعة .
قادها الخيار الأمني إلى ما وصفناه أعلاه من تورط في الحروب وإرهاق اقتصادي وسياسي يزيدان معدلاً بتزايد الإمعان فيه . وبدا لها أن تجفيف ينابيع الإرهاب لا يكفيه ضرب موارده المالية والاقتصادية ومحاصرة ملاذاته، وإنما يحتاج إلى تجفيف ينابيعه الثقافية والدينية من طريق إجبار الدول العربية والإسلامية على تعديل برامجها التعليمية والدينية ومحو أي أثر لأفكار أو تعاليم تدعو إلى الجهاد أو إلى ممانعة العدوان الخارجي، والسيطرة الرسمية على المجال الديني ومؤسساته .
وما زادها ذلك إلا اعتراضاً من مجتمعات بدأت تستشعر أن الحملة على الإرهاب تحولت إلى حملة على الإسلام . ثم انتبهت متأخرة إلى أن للإرهاب أسباباً اجتماعية تنتجه مثل الفقر والحرمان والتهميش وما ينجم عن هذا كله من انسداد للآفاق وفقدان للأمل واستعداد للموت السريع . . . غير البطيء . وهي اليوم وحليفاتها الغربيات تحاول أن تقرأ ما يجري في اليمن على هذا النحو .
لكن الفرضية الغائبة في هذا كله، التي لم تعتمدها أمريكا تفكيراً أو ممارسة، ولا يبدو أنها ستعتمدها خياراً لكيّ العنف المسلح ضدها، هي (الفرضية) القائمة على صلة هذا العنف بالاحتلال الصهيوني لفلسطين والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان . حين تبدأ في إنهاء هذه الاحتلالات، ستبدأ في إضعاف من يقاتلونها .
المصدر: الخليج
|