أبعد نظرا من الدولة
2010/09/04 الساعة 02:13:44
احمد صالح الفقيه
عندما اعود الى مقالاتي القديمة ومقالات غيري من الكتاب، اجد اننا كثيرا ما كنا ابعد نظرا من السلطة ، ولم نأل جهدا في التحذير والتبصير، ولكن ذلك كله كان يقع على آذان صماء، اما لأنها لا تقرأ، اولانها مغترة بتفسها ورأيها الى درجة عدم الرغبة في الاستماع الى الرأي الآخر، وهذا هو الارجح. وفي هذه المقالة المتعلقة بالمجالس المحلية ما يثبت ذلك. ولا تزال السلطة مداومة على اعتبار موضوع المجالس المحلية اداة دعاية سياسية لصالحها، لا شأنا مصيريا يجب التعامل معه بجدية المعايير العلمية، وليس (بفهلوة) السياسة التي دأبت السلطة على اتباعها.
وقد قدرت ان من المفيد اعادة نشر بعض تلك الكتابات للعبرة واقامة الحجة.
على هامش التعديلات الدستورية وانتخابات المجالس المحلية: المجالس المحلية نعمة أم نقمة؟
(صحيفة الشورى المغيبة عدد 11/12/2001)
اعتبرت الأدبيات السياسية والاجتماعية في العالم الاتجاه نحو تعميم نمط الادارة الذاتية، بنقل سلطات الدولة المركزية الى نظم مصغرة داخل الدولة، أمرا يجعل الدولة جزءا من نسيج المجتمع لا كيانا فوقيا متعاليا عليه، وان المجالس المحلية تؤدي الى تقوية الدولة، ولحمة المجمتع، بتشجيعها أعدادا متزايدة من المواطنين على الاضطلاع بالشأن العام، وهي الى ذلك تعمق وتجذر النظام الديمقراطي. فهل يمكن قول الشيئ نفسه عن خطوة تكوين المجالس المحلية في اليمن عبر الانتخابات الوشيكة؟ والاجابة هي (لا) كبيرة وجازمة وعلى طول الخط، وذلك لسبب جوهري اضافة إلى جملة أخرى من الأسباب.
السب الجوهري:
لقد تمت إقامة نظام الانتخابات في اليمن بحيث يتطابق مع التقسيم القلبي للشعب بحيث غدت نتائج الانتخابات تعبيرا عن هيمنة الشيوخ القبليين علىالشعب. وقد اصمت الدولة اذنيها عن الدعوات إلى اعتماد نظام الانتخابات النسبية ونظام القوائم التي ترشجها الأحزاب السياسية، والتي تكفل حصول كل حزب سياسي على نسبة من المقاعد في المجالس المنتخبة،تتناسب مع نسبة الاصوات التي حصل عليها في الوطن كله، الأمر الذي كان سيؤدي إلى تقوية دور الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الحديث على حساب دور القبيلة وشيوخها. هذا هو السب الرئيسي أما الأسباب الاخرى فهي:
أولا: عدم حرية الناخب اليمني:
في بلادنا التي يعيش 70% من سكانها في الريف يهمين المشائخ على الشعب إلى حد كبير بحيث تعكس الانتخابات رغباتهم. وقد عملت السلطة في العهد الحالي على تعميق هذه الهيمنة عن طريق أعطاء المشائخ دورا في الشأن العام يفوق وزنهم الفعلي، خاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية والشرقية، حيث تقلص نفوذ المشايخ خلال العقود الأربعة الماضية نتيجة لحكم الحزب الإشتراكي، والنضالات الشعبية. والكن السلطة ومنذ حرب 1994 عمدت إلى اصطناع المشائخ اصطناعا، واصطنعت لهم نفوذا وهيمنة تهدد بتحويل المجالس المحلية إلى مجالس مغلقة مقتصرة على هؤلاء المتنفذين، فلا تكون لها علاقة باحتياجات المواطنين ومتطلباتهم.
وهي ستؤدي إلى تمكين هذه الشريحة من المال العام- وهي في الأساس شريحة غير منتجة تعودت على التطفل – بحيث يتضاعف الفساد المالي والإداري بسبب حلف غير مقدس سينشأ بين متنفذي المجالس المحلية والموظفين الفاسدين في أجهزة الدولة المركزية الموبوءة بالفساد من أجل نهب المال العام على المستويات المحلية.
ثانيا: عدم نزاهة الانتخابات:
اتضح من خلال الطعون التي اجازتها محاكم الجمهورية عقب الانتخابات النيابية أن قوائم الناخبين تحوي أسماء مكررة ووهمية بمئات الآلاف، ولم يتم تصحيح تلك القوائم. ومن جهة أخرى شهدت الانتخابات النيابية مخالفات واضحة ترقى إلى درجة التزوير، تناقلتها الصحف ووكالات الانباء إلى درجة وصول المخالفات باصحابها إلى حشو صناديق الانتخابات، والسماح بالانتخاب بالبطاقة الشخصية وبشهادة شاهدين إلخ.. وسيؤدي تكرار هذه الممارسات إلى:
- تمزيق السلم في البنية القبلية لجميع المناطق – ماعدا قبيلة حاشد المتحدة إلى حد كبير خلف شيخها نظرا للتنافس الشديد بين المشايخ الكثير في بقية القبائل والمناطق المقبللة – وتعتبر حادثة ذيبين في محافظة عمران مؤشرا في هذا الاتجاه وسيزداد الصراع بعد الانتخابات بين المشائخ المهيمنين على المجالس المحلية المرضى عنهم من قبل لجان الانتخابات والسلطة وغير المرضي عنهم نتيجة للأحقاد التي تنشأ وتتعمق من خلال التأثير المنتظر للميهمنين على المجالس على مصالح منافسيهم وهكذا سيتم وضع الإدارة وقوى القمع السلطوية ضمن التنافس القبلي الأمر الذي سيهدد السلام الأهلي في مجمنع قبلي مسلح كمجتمعنا يحوز فيه المواطنون عشرات الملايين من اسلحة متنوعة ذات عيارات مختلفة إلا اذا كان المشائخ على درجة من الوعي تمكنهم من التفاهم على المستوى الوطني وعلى المستويات المحلية، وتجميع صفوفهم، وتحديد كيفية تقاسم المقاعد والمغانم في المجالس المحلية.. وفي هذه الحالة ستكون هذه الخطوة قد ادت إلى قيام الدولة بتعظيم دور المشائخ في الشأن العام إلى درجة قد تؤدي إلى سيطرتهم التامة على الدولة كما هو حاصل في الجزيرة والخليج.
- أو قد تؤدي خطوة تكوين الماس المحلية وماينجم عنها من تعميق الخلافات في كل قبيلة أخرى ماعدا قبيلة واحدة، إلى بلورة نظام تسيطر عليها قبيلة واحدة بسبب من وحدتها الداخلية، ومن الوزن الذي تتمتع به حاليا في الدولة والشأن العام، بسبب تحالفها مع مؤسستي الرئاسة والحزب الحاكم، وهذا ايضا سيهدد السلام اللأهلي مالم تتوصل هذه القبيلة إلى تسوية مع القبائل الأخرى تعترف لها فيه بدورها القيادي.
ثالثا : إغلاق الباب أمام التنمية:
سيؤدي ماذكرنا بالنتيجة إلى أغلاق الباب أمام فرص تنمية البلاد نتيجة تعميم الفساد وتوسيع قاعدته بالمجالس المحلية، وهذا يناسب النظام الذي شرع منذ حرب العام 1994 في التحلل من التزاماته تجاه المواطنين عبر تقليص مخصصات التعليم والصحة والخدمات بالقياس إلى مخصصات اجهزة القمع، وتحميل المواطنين الذين تم إفقارهم بتخفيض قيمة الريال بنسبة 80% مزيدا من الأعباء المرهقة علاوة على الجبايات والضرائب التي تتزايد كل عام، ورفع الدعم حتى عن النفط المنتج محليا بحيث اصبحت أسعاره اليوم أعلى بكثير منها يوم كان يستورد من الخارج.
تشاؤم له أسبابه:
كانت التجربة التي وضع أسسها عهد الشهيد الرئيس ابراهيم الحمدي في هيئات التعاون الأهلي للتطوير تجربة ايجابية أدت إلى كثير من المكاسب للمواطنين وخاصة في الريف ولم يكن ذلك ممكنا إلا لأن العهد كان وطنيا تمتع القائمون عليه بقد كبير من النزاهة ونظافة اليد، وتوفر لديهم الإصرار علىتطوير البلاد، وإعلاء شأن الدولة، وجعلها دولة قانون يسري على جميع المواطنين، وذلك شرط رئيسي للنجاح في العالم النامي.
اما النظام الحالي الذي زكم فساده الانوف فقد خلق حالة لخصها (سبونفيل) بأنها (الاخذ من دون خشية، انتهاك البيوت، القتل حسب الهوى، والارتباط حسب الرغبة، فلا توجد حتى نقاط فاصلة فكل شيء مباح لأن الرغبة تسلك طريق المتعة فيما يخص الأهداف وطريق الواقعية فيما يخص الوسائل).
لقد تحول النفط على ايديهم إلى نقمة ، فعانى الموطنون منذ ظهوره التدهور المعيشي والفقر والأمراض والأوبئة فاصبحت الأحوال أسوأ بكثير من فترة ماقبل النفط.
وتحول سد مأرب إلى نقمة وانضمت مياهه إلى مياه السيول فخربت مزارع المواطنين لأن النظام عجز عن بناء القنوات، بعد انقطاع تمويل الامارات عقب حرب الخليج، على الرغم وجود مصنع كامل لإنتاج القنوات ظل ملقى في العراء في الصناديق حتى صدأت اجزاؤه ونهب بعضها كما جاء في تقرير لأحدى لجان مجلس النواب السابق. وتحولت الوحدة إلى حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، وعمقت الفساد، وفرقت المواطنين، ولازالت الحرب مستمرة باشكال كثيرة.
فلا عجب أن يتشاءم المرء من تجربة المجالس المحلية في ظل هذا العهد الذي يتمتع بكفاءة عالية في تخريب كل منجز، وهي كفاءة ولا شك يحسده عليها إبليس نفسه.
|