السبت 2013/05/25 ( آخر تحديث ) السبت 2013/05/25 الساعة 00:11 ( صنعاء ) 21:11 ( جرينتش )
المزيد

ظواهر يمانية.. (1)القــــات!!

2012/03/10 الساعة 18:03:14
عبدالواسع السقاف عبدالواسع السقاف

 عندما نتحدث عن القات فإننا نتحدث عن:

·        عادة إجتماعية يتفاخر اليمنيون بها.

·        مُحفز إيجابي لتجمع الناس في جلسات نقاش يتم من خلالها حل المشاكل والنزاعات وأتخاذ القرارات وإعداد الخطط.

·        منشط حيوي يساعد بعض الموظفين على السهر لأداء مهام معينة تتطلب ذلك.

وبالمقابل، فالقات أيضاً يعني:

·        أنشطة ضارة باقتصاد البلد، حيث أن القات لا يساهم في نمو الناتج القومي كالزراعات المفيدة التي يتم استيرادها وكان يمكن أن يتم زراعتها، فارتفاع الدخل والناتج القومي ينعكس على رفاهية المواطنين، وانخفاضه يؤدي إلى انتشار الفقر والبطالة والجرايمة.

·        إستنزاف للمياه الجوفية بمعدل 60% في دولة هي إحدى دول العالم التي تعاني من ندرة المياه بشكل كبير جداً.

·        فساد إداري ومالي بسبب عدم مقدرة الموظف على شراء القات من راتبه فقط، مما يضطره إلى قبول الرشوة أو حتى المطالبة بها تحت مُسمى "حق القات".

·        أنعدام التماسك العائلي بسبب قلة الموارد المالية للعائلة والتي يتم إهدارها على القات، مما يسبب عدم رغبة المتعاطي في العمل أو الاهتمام بأسرته وتوفير أحتياجاتهم.

·        أنخفاض ساعات العمل الفعلية في الدوائر الحكومية إلى ساعتين (10-12) وفي القطاع الخاص أيضاً.

·        تلوث صحي وبيئي نتيجة لنسبة السُّموم العالية وغير المدروسة والتي تسبب سرطان اللثة وأمراض الجهاز الهضمي والأسنان، ناهيك عن المخلفات البلاستيكية لأكياس القات.

·        أهدار الوقت الثمين في مجرد الجلوس دون عمل للقيل والقال أو إعداد خُطط لا تمس للواقع بشيء.

والقات بحد ذاته لا عيب فيه كنبته من النباتات، ولكن الظواهر المصاحبة له والتي سنُسلط الضوء عليها في هذه السلسلة من "ظواهر يمانية" هي العيب بكل ما تحمله الكلمة من معاني، والتي أصبحت عاراً على اليمنيين، وشوهت سمعتهم بالداخل والخارج وهو شيء لا أعتقد أن تجد من يُنكره ما لم يكن مُتعصباً لإدمانه الأعمى، ومن هذه الظواهر ما يلي:

(1)  عندما نقوم بالتخزين في مجالس مخصصة لذلك وفي أجواء مناسبة بعيداً عن العشوائية فهذا هو الشيء المطلوب والحضاري، ولكن أن تجد المخزنين على أسطح العمارات وتحت الجسور وفي الطرقات وعلى قارعة الطريق وفوق الأشياء التي لا يمكن أن تفكر حتى بالجلوس عليها في الأوقات العادية كنوافير الماء بالمدن والأسيجة الحديدية، فهو قمة اللا مبالاة واللا حضارة والإمتهان لكرامة المواطن وهيبة وحضارة البلد! لماذا لا نُحدد أماكن معينة، وهل نحن بنفس الكيفية في نومنا وفي جلوسنا مع أسرنا، فكيف نقبل أن يشاهدنا الأخرون ونحن على هذه الحالة "كالقرود"، ناهيك عن مظاهر رمي وأفراغ القات بطريقة بدائية في الشوارع وأمام المارة وكأننا لا نعي ما نفعل!! "نذبل" القات وكأننا أغنام تلقي فضلاتها في الشارع وهي لا تعلم ولا تعي أنَّ ما تفعله منظر مخزي، أما نحن فنعلم ونحن نرميه ونشرب الماء ونتمضمض بعده في وسط الشارع بأن ما نفعله قمة الحضارة!!!! وهناك من يخزن بجهة واحدة وهناك من يُخزن بجهتين ولا يترك مجال للتنفس، وتجده أكثر الناس حديثاً والقات يتساقط من فمه بشكل حضاري لا تشاهد مثيله إلا في حديقة الـ......!! وما الداعي لكل هذا!! لماذا نحن متطرفون حتى في عاداتنا التي نعلم علم اليقين أنها بعيدة كل البعد عن الحضارة والذوق!!

 (2) أما عن الأوقات، فلا مانع من التخزين في الصباح وفي العصر وفي المساء وفي كل أوقات النهار والليل!! كانت الحُجة في الماضي أن القات منشط يساعدنا من أجل القدرة على السهر، فأصبحنا الآن نتناوله في الصباح الباكر وأثناء الدوام في العمل، وقبل وبعد الوجبات!! لا تركب مع صاحب باص أو تكسي إلا ووجدته منتفخ الأوداج في كل أوقات النهار بحجة النشاط، وهو يشقي ويتعب لأجل القات فقط!! والأغرب أن موظفي الدولة وبعض موظفي القطاع الخاص أصبحوا أيضاً على نفس هذه الشاكلة!! وماذا سيحدث لو نظمنا أوقاتنا وخصصنا وقتاً محدداً للتخزين، ستخرب البلد وسينام الناس بالطرقات!! أهذا صحيح!! كيف لا وأنت تشاهد المواطن في حلقة القات يلعب شوطين رئيسيين وبعد المغرب تبدأ مرحلة الأشواط الإضافية للأسف وكله على حساب قوته وقوت أولاده وأطفاله!!

 (3) والطامة الكبرى أن تجد الذين وصل بهم الحال من الإدمان إلى بيع أثاث البيت وحُلي الزوجة لأجل شراء ومضغ القات.. وقد راعني أن أشاهد في حضرموت بائعَ قاتٍ يلبس الحُلي على يديه، وعندما سألته عن السبب، أجابني بأنها رهونات للزبائن الذين لم يجدوا حق القات، فقاموا برهن حُلي زجاتهم لديه!! يا لها من مأساة أن لا تفكر إلا في نفسك وترمي أسرة كاملة في أحضان الجوع والفاقة لأجل أن تشعر أنت بالنشوة والكيف!! ومع أن بعض الموظفين لديهم دخل مادي كبير إلا أنهم لا يجدون في بيوتهم اللقمة بسبب غلاء أنواع القات، فكلما زادت مرتباتهم زادت جودة القات الذي يتناولونه!! حدثني أحد الزملا أنه لم يستطع الزواج منذ خمس سنوات بسبب الفقر، وعندما جلسنا معاً وحسبنا قيمة القات الذي خزن به في تلك الفترة تجاوز المبلغ 800 ألف ريال، كان يمكنه من خلاله الزواج بكل يُسر وسهوله!! فماذا سيحدث لو أقتصرت التخزينة على يوم أو يومين بالأسبوع وبمبلغ محدد لا نتجاوزه طالما وأننا لم نعد قادرين على ترك هذه العادة، ألا نعتقد أن الله جل في عُلاه سيحاسبنا على أسرنا التي تركناها لرحمتة بسبب هذه الأفاعيل!!

(4) عندما يسألني معارفي الجدد هل تخزن، فأجيب : لا! تجدهم يتنهدون وهم يقولون "خير ما فعلت!"، ولا أدري لماذا يشعرون بالحسرة طالما وهم مقتنعون بأن ما يفعلوه شيئاً صحيحاً! أما أكثر ما يُحيرني أن تجدهم يشجعون أطفالهم من صغرهم على التخزين، ويحضرونهم إلى مجالس القات ليتفاخروا بأنهم قد أصبحوا مدمنين "موالعة" وما زالوا في سنٍ غضٍ صغير!!! أليس هذا التناقض شيء مُحير، فأنت عندما تعرف أنك قد وقعت في مشكلة فستكون أحرص الناس على أن لا يقع فيها أبناؤك، فماذا يحصل هنا!! أتذكر عندما كُنت صغيراً أن جدي كان يمنع أبي من التخزين وهو رجلٌ متزوج ولديه أطفال، أما الآن فالمعادلة تبدلت 180 درجة، وأصبح الأب هو من يسعى لأن يعلم أبنه وبنته! ولم أكن أشاهد النساء في أسواق القات منذ خمسة عشرة عاماً (لأنه عيبٌ كما قيل لي)، أما الآن فحدّث ولا حرج!! ولن أقول أن هذا خطأ حتى لا تغضب المرأة التي تبحث "بالسراج" عن مساواتها بأخيها الرجل، ولكن لماذا إذاً نقول لمن لا يُخزن "أحسنت"!! لابد أنها سخرية إذاً!!!

 (5) من مشاهداتي الحية أن تجد من يخزن لا يحلو له رمي بقايا أغصان القات إلا في كل مكان في الغرفة "المجلس\الديوان" الذي هو ضيفٌ فيه (حتى لو أحضروا له سلة المخلفات)!! يبدوا لي أنها نوعٌ من إظهار الترحيب بالمُضيف (كأن تأكل كل ما يُقدم إليك من طعام لتظهر أنه أعجبك)!! وللأسف لا نفكر أغلبنا بزوجة هذا المُضيف عندما تدخل للمجلس لغرض التنظيف، فتجدها تندب وتلعن خاصة عندما ينسى البعض وعاء البصق "المتفل" كما هو في صدر المجلس! وليس من المعقول هنا أن نلوم الضيف عما فعله، ولا أن نتسائل ما الذي سيحدث لو رمينا مخلفاتنا داخل الأكياس التي جئنا بها وتركنا المنزل نظيفاً كما دخلناه، لأننا عندها سنكون قد خالفنا المذهب التخزيني العظيم!!

وأخيراً لا أجد ما أختم به الحديث عن هذه الظاهرة إلا الأبيات المتواضعة المرفقة والتي عنونتها "عبدالحميد" وهو نموذج لمتعاطي القات الذي تنطبق عليه الظواهر أعلاه:

عبدالحميد!!

عبدالحميدْ،

كم عاش، دون الناس

الأيام في أعرافه أيــام عيدْ؟!!

لا مال يكفيه، ولا أوضاع تُرضيه،

ومهما زدتَـه، يبغى المزيدْ!

للقات يبذلـهُ، فلا عقلٌ، ولا عملٌ

ولا وجلٌ من المولى أكيدْ!

في شُغله متأخرٌ، متجهمٌ

يترقب العُملاء أيهُمُ يصيدْ

ليلمَّ "حق القات" من هذا وذاك

مات الحياء بوجهه، وغدى فقيدْ

القوتُ أخر همهِ

والقات مبلغ علمهِ

قبل الغداء، تراه في سوق العبيدْ

يتأمل الأغصان كالأنثى

يشم أريجها في لوعة الصَبِّ العميدْ

أطفاله يتضورون، ما همُهُ!

فلهم إله إسمه العاطي المجيدْ!

ما همه!

جيرانه بديونه يتخبَّطون

مهما تسلَّـف لا يُعيدْ

ما همه!

ما دامت الأغصان ملك يمينه

بوصالها يبدوا سعيدْ

في غُرفةٍ موصودةٍ، ومداعةٍ منصوبةٍ

خديه كالورم الحميدْ!!

يتأمل الدنيا، ويفصل شحنه

عن أهله، عن ناسه يمضي بعيدْ

أقرانه من حوله يتناقشون

ويصلحون كل المأسي في الوجودْ

وإذا بصاحبنا يعود

وتعود تغطيةُ الثقافة فيه والوعي الرشـيدْ

يضع الحلول

وحديثه الزاهي يطووووول

نظريةٌ يبني وإعجازٌ جديدْ

الأقتصاد يُشيده، والأكتفاء يُعيده

ويُعيد مجد الأمس، واليمنَ السعيدْ

ووراءه خلفَ الجدار

أطفاله يتقاتلون على البلاط،

على "العصيدْ"!

وتمر ساعات النضال

ما بينها (قيلٌ وقال)

ويعود صاحبنا وحيدْ

أخلاقه مسعورةٌ، أفكاره موتورةٌ

البيت يملئها وعيدْ

لا شيء في كفيه مما لَـمَّـه طول النهار

يا سادتي: فقَدَ الرصيدْ!!

*عضو المجلس العالمي للصحافة   


  إختيارات المحررين


الأسم*

البريد الإلكتروني
شروط النشر:
- عدم الإساءة للأشخاص أو المقدسات أو الأديان
- عدم التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الألفاظ النابية
الموافقة على الشروط أعلاه
العنوان*

نص التعليق *

خريطة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لموقع التغيير نت2004-2013 ©