الحراس القيم ......الإسراف الإعلامي
2012/04/14 الساعة 14:57:58
رائد محمد سيف
كثرت المقالات والآراء السياسية في ايامنا هذه وتسابق الكتاب والمفكرين بوضع مقالاتهم والتفنن بها ، وتناسينا اننا بحاجة الى مقالات اخلاقية واجتماعية تعيد لنا الاخلاق التى تربينا ونشنا عليها ، وهنا حبيت ان اكتب مقالتي هذه لما نعاني من تدنى اخلاقي في ايامنا المعاصرة .
حيث بين ابن خلدون في مقدمته ان الانسان بطبعه اجتماعي وبحاجة للآخرين ولا يستطيع ان يعيش بمعزل عنهم لكن تحكمه علاقات تربطه بهم. وقد كان حلم افلاطون من قبله بان يعيش في المدينة الفاضلة لكنه مات دون ان يراها. وقد توالت الحضارات تترا على وجه هذه البسيطة منها من اندثر وباد ومنها من هو باق حتى يومنا هذا. وكل حضارة كانت تحكمها منظومة من القيم الانسانية التي تنظم العلاقات البشرية بين افرادها، وقد تميزت حضارتنا الاسلامية بقيم منها العفو والتسامح وحب الاخرين، لكن يوم بعد يوم نلاحظ ان هذه العلاقات تتغير وتتبدل حتى صارت الكراهية والأنانية وصار الانتقام هو السائد ولو لأتفه الاسباب. وبدلا من الحب النقي الصافي من كل مصلحة للغير نرى ان التملق والتزلف لتحقيق مكاسب او مصالح ذاتيه هو المبدأ الذي يطغى على علاقات الكثيرين. وبدلا من البذل والعطاء ومساعدة الاخرين بات الهدف الاول هو جمع اكبر مايمكن جمعه بغض النظر عن مصدره حلالا كان ام حراما، وصارت الانانية وحب التملك هي الغاية الكبرى حتى ولو كان في ذلك عذاب الاخرين او حتى هلاكهم. كما صار التباهي بامتلاك الغالي والنفيس من ملبس وماكل ومسكن أمام من لا يملكون القليل من ذلك دون مراعاة لمشاعرهم وأحاسيسهم متعة للبعض ولذة لهم في عذاب الاخرين.
ألم نسمع او نقرا عن جيران لا يعرفون بعض أو عن ابناء حي يسكن فيه الكثيرين ويرحلون دون ان يتعارفوا او يتزاوروا، لا في فرح ولا ترح. لقد كنا نقرا ان بعض الناس في الغرب يموتون وحيدين في بيوتهم ولا يعلم ذلك الا من خلال الروائح المنبعثة بعد اسابيع. فهل يمكن ان تصبح قلوبنا قاسية الى هذه الدرجة؟ وهل يمكن ان تتجمد علاقاتنا حتى تصل ادناها؟ نعم لقد باتت العلاقات الانسانية تنحدر وبشكل خطير وتتبدل القيم وتذوب المشاعر النبيلة نحو الاخرين وتتلاشى ليحل مكانها شيء بغيض اسمه المصلحه أو الانا ومن بعدي الطوفان ...!!
ان هذا التبدل في العلاقات هو السبب الرئيس لما نراه اليوم في مجتمعاتنا من ظواهر دخيلة لم يكن أجدادنا ولا حتى آباءنا يعرفونها. فظاهرة العنف المجتمعي على مستوى العشيرة والجامعة والشارع وحتى الافراد سببه تغير اسلوب حياة الناس ونمط تفكيرهم الذي يكاد يكون ماديا بحت لدى الكثيرين ممن يحبون الظهور والسيادة وتحقيق المكاسب دون اعتبار لما سينتج من خسائر على المستوى المادي والمعنوي للآخرين. وللأسف ظهر الكثيرون من المطبلين والمزمرين من أصحاب الاقلام الذين باتوا يغذون هذه الانماط من العلاقات والسلوكيات المأزومة لدى الناس، فلم يعد هناك غير قلة قليلة ممن يكتبون عن القيم والمبادئ والأخلاق الحميدة وأثرها على المجتمع، بينما ينبري الكثيرون لكتابة التقارير الصحفية والأخبار المثيرة عن أصحاب الملايين وعما يملكونه من قصور فخمة وسيارات فارهة وعما ينفقونه على الملابس المرصعة بالجواهر وعما يقيمونه من حفلات في مشارق الارض ومغاربها وما تكلفهم من اموال طائلة.
اليس هذا اسرافاً اعلاميا ؟ يجرح مشاعر الناس وأحاسيسهم وهم يرون ان هناك من يموت جوعا لأنه لا يجد ما يأكل او مرضا لأنه لا يجد العلاج او يعيش صراعا داخليا مرا يتحول الى خارجيا لان قطار الحياة قد فأته ولم يحقق ولو بعضا من مبتغاة، فليس لديه عمل او بيت او زوجه او ..... الخ. لماذا لا يركز الاعلام على فعل الخير وعلى توطيد العلاقات وتغذية مشاعر المحبة وإبراز المبدعين في صروف العلم والأدب ومجالاته المختلفة.
اليس اسرافاً اعلاميا ما نراه على بعض المواقع الالكترونية من اخبار عن بعض الشخصيات ؟ تتم صياغتها من خلال الترصد لهم وتتبعهم ومن ثم تركيز الخبر على جوانب معينة بحيث تشوه صورهم امام الناس بينما يصنع من البعض الاخر ابطالا خارقين سواء كانوا يستحقون ذلك او لا يستحقون.
ثم اليس اسرافاً اعلاميا ما ينشر من تهويل للأمور؟ ومن تعليقات جارحة عن افراد ومؤسسات يكتبها كل من هب ودب وأحيانا بأسماء وهمية ودون أدنى تحمل للمسؤولية.
ان التوسع في هذه المواقع وما تبثه من أخبار وترك الحبل لها على الغارب قد بات فيه اساءة بالغة لعقول الناس وتفكيك للعلاقات الطيبه فيما بينهم وتشويه للصورة الناصعة النقية لإنساننا الطيب ولمجتمعنا اليمني المتماسك. ولم يعد ذلك حرية فكر وتعبير انما عنف وتدمير. فما العلاج؟
مع خالص دعائي للوطن وأبناءه وقيادته ان يديم الله علينا نعمة الحب والمودة وحسن الخلق.
|