المشهد اليمني بين المواطنة المتساوية والفيدرالية!!!
2012/04/19 الساعة 03:05:59
د.عبد الملك أحمد الضرعي
المشهد اليمني بين المواطنة المتساوية والفيدرالية!!! تمر الجمهورية اليمنية في هذه الآونة بمنعطف حرج ، تتجاذبها عدد من القوى الداخلية والخارجية ، وهذا المشهد ليس وليد المتغيرات الأخيرة التي أعقبت ثورة التغيير اليمنية ، بل نتاج تراكمات تعود لعقود مضت ، فعلى الرغم من قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمر وثورة الربع عشر من أكتوبر فإن مجموعة من التغييرات البنيوية التي كانت تجسدها أهداف الثورتين لم تتحقق ، ففي شمال الوطن تكرست نماذج جديدة من الإستبداد والحكم الفردي الشمولي ، والحال كذلك في جنوب الوطن الذي تعرض لصورة أخرى من الولاء الخارجي والحكم الشمولي ، وكانت الوحدة اليمنية هي نافذة الأمل لبناء يمن جديد قوي وموحد ومزدهر، ولكن الشمولية والإستبداد مرة أخرى أفقدت الوحدة وهجها وفاعليتها ، وكانت حرب صيف 1994م وتبعاتها نقطة التحول المفصلية التي أثرت بشكل سلبي في الصورة التي رسمها اليمني عام 1990م، حيث كانت تصرفات بعض مراكز القوى والنفوذ السياسي والقبلي وخاصة ماتعلق منها بالسطو على الأراضي والعقارات والتفرد بالقوة والسلطة والثروة أهم الأخطاء التي أفسدت حلم يوم 22مايو، ومن ثم تصاعدت مظاهر الرفض لذلك السلوك التسلطي بداية بتشكيل نواة للمعارضة في الخارج ثم تبلورت معارضة داخلية في المحافظات الجنوبية يجسدها الحراك الجنوبي السلمي ، ومعارضة مسلحة في المحافظات الشمالية مثلتها الحركة الحوثية وفصيلها(أنصار الله)، وحركة أبناء المناطق الوسطى ثم ما عرف بالحراك التهامي غرب اليمن ، يضاف إلى ذلك حراك أبناء إقليم الصحراء في شرق اليمن ، ونتيجة الهيمنة المناطقية وغياب مبدأ المواطنة المتساوية بدأت تتبلور بعض المواقف المشتركة لأبناء ريمة وعتمة ووصابين والتي يمكن تحولها مستقبلاً إلى تكتل إقليمي جديد، وهناك توجه آخر يدعو إليه بعض أبناء محافظة حضرموت لتكوين تكتل جنوب شرق اليمن يشمل محافظات حضرموت وشبوة والمهرة ،يضاف إلى ذلك التكتلات الشبابية في ساحات الحرية والتغيير على مستوى محافظات الجمهورية ، كما يعاني التكتل الحاكم المتمثل في حكومة الوفاق الوطني من حالة عدم إنسجام ويبدو ذلك من خلال الحملات الإعلامية التي تشن على حكومة الوفاق الوطني من أطراف شريكة بها!!! ومع كل هذا الوضع المأزوم يظهر تشكيل مسلح أسمي (أنصار الشريعة) في بعض المحافظات الجنوبية ويتمكن من بسط سيطرته منذ أشهر على أجزاء من بعض محافظات جنوب غرب اليمن. إن ذلك المشهد ترجع بذرته في الأصل إلى شعور فئة من أبناء الوطن الواحد بالإقصاء والتهميش والهيمنة المناطقية ، وتلك المشاعر نتيجة غياب مبادئ المواطنة المتساوية ، وبفعل تلك الحالة بدأت تطرح على الساحة السياسية والاجتماعية في اليمن عدد من وجهات النظر تستدعي من الجميع طرحها بشفافية ، أولى وجهات النظر تلك كيف نحقق المواطنة المتساوية ،وهنا يمكن القول إن استحقاق المواطنة المتساوية يتطلب خضوع كل المواطنيين للنظام والقانون ، لتحقيق ذلك يحتاج الأمر إلى جيش وأمن موحد وحكم رشيد وشراكة فعلية في السلطة والقوة والثروة . إن مفهوم المواطنة المتساوية يعني عدم فرز الأفراد عند الحصول على منافع الدولة الوظيفية أو المالية مثلاً حسب مكان المولد أو الإقامة أو المذهب ..إلخ ، كما أن المواطنة المتساوية لاتسمح ل(س أوص) من المواطنين بنهب أرض عامة أو خاصة في محافظة أخرى مستغلاً إمكانات الدولة المادية والبشرية أو قوة النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ، فكل التصرفات الإستبدادية التي نتج عنها سلب مساحات شاسعة في السهل الغربي أو الجنوبي ، تتعارض مع مفهوم المواطنة المتساوية ، وإن تحتكر فئة أو مجموعة سكانية لغالبية مفاصل الإدارة الحكومية المدنية أو العسكرية ، فذلك يناقض مبد المواطنة المتساوية ، على كل حال أينما وجد تمييز بين المواطنيين يفقدهم حق المساواة فذلك يتناقض مع مبدأ المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية التي أكد عليها دستور الجمهورية اليمنية. إن السؤال الذي يتردد بقوة ونتيجة إفراط بعض رموز التسلط في نهب الأراضي واحتكار المناصب المدنية والعسكرية ، ما هو الحل في حال إستمرت فئة من المجتمع في بسط نفوذها على الجماعات الأخرى مستغلة ماتملكه من نفوذ ومليشيا مسلحة،ويمكن أن تكون حادثة وفاة أحد أبناء محافظة الحديدة نتيجة إصابته بطلق ناري أثناء صراع نافذين من خارج المحافظة على أرض لايملكونها صورة قاتمة تعكس حقيقة غياب مبدأ المواطنة المتساوية والإرتهان إلى القوة والغلبة التي تتعارض مع مفهوم دولة النظام والقانون ، وبالتالي فممارسات قوى النفوذ خلال السنوات الماضية والتي نتج عنها شعور لدى غالبية اليمنيين بنوع من الهيمنة والإرهاب المناطقي ، بدأت تؤثر بشكل سلبي في الإنتماء الوطني والولاء للدولة المركزية ، حتى وصل الأمر ببعض مراكز النفوذ المناطقي إلى ممارس مهام الدولة المركزية في جوانب كثيرة ومنها رفع رايات وأعلام تمثل رؤى تلك الجماعات الفكرية والسياسية وتختفي في نفس الوقت من تلك المناطق أعلام الجمهورية اليمنية التي تمثل رمزاً للسيادة الوطنية. إن أخطاء عقود من الحكم الشمولي دفعت ببعض السياسيين والمواطنيين إلى وضع الدولة المركزية في خيارات شديدة الحساسية في المرحلة الراهنة ومن تلك الخيارات المطالبة بتحقيق مبادئ المواطنة المتساوية أو تقسيم اليمن إلى عدد من المناطق الفيدرالية ، وخيار الفيدرالية من الصعب تفاديه إذا لم تتخذ الحكومة المركزية عدد من الإجراءات التي تحمي الفئات الضعيفة وتحد من تسلط الجماعات المسلحة الخارجة عن النظام والقانون ، وخاصة جماعات العنف التي تستخدم نفوذها القبلي أو السياسي والاجتماعي لسلب ونهب المال العام أو الخاص ، فدعاة الفيدرالية يرون أن الفيدرالية هي الطريق الأسلم لحماية مناطقهم من الإرهاب المناطقي ، كما أن الفيدرالية تتيح لهم بناء مناطقهم وتكريس النظام والقانون فيها. إن حلم اليمني اليوم أن يرى بلده اليمن واحداً موحداً آمنا مزدهراً ، وذلك الحلم من الصعب تحقيقه دون إصلاح بعض ما أفسدته المرحلة السابقة ومن ذلك إعادة الأراضي والعقارات المنهوبة وخاصة في المحافظات الجنوبية والغربية ، ثم السعي لإعادة الأموال العامة المنهوبة من كبار الفاسدين والمتنفذين إلى خزينة الدولة ، ثم إقرار التشريعات التي تعزز من المساواة والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية. أمام المشهد السابق تنتاب أبناء الشعب اليمني عدد من التساؤلات حول المخرج من هذا الوضع ، وهل بالإمكان أن نخرج باليمن إلى بر الأمان واحداً موحداً قوياً ، وخاصة أن اليمن تملك موقعاً إسترتيجياً وموارد طبيعية وبشرية تمكنها من لعب دور كبير في الخارطة السياسية الإقليمية والدولية. للإجابة على تلك التساؤلات يمكن القول إذا شعر المواطن اليمني في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب بتحقيق مبادئ المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية ، فإن نزعات الإنفصال أو إطروحات الفيدرالية أو الدولة الاتحادية ...إلخ ستختفي كون تلك النزعات لم تظهر إلا نتيجة غياب مبادئ المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية ، ونتيجة حرمان غالبية اليمنيين من منافع الدولة ومواردها الاقتصادية والاجتماعية ، والطريق إلى تحقيق طموحات اليمنيين السياسية والاقتصادية والاجتماعية لن تكون إلا عبر الحوار الشامل المبني على الصراحة والمكاشفة ، والمراعي للمصالح الوطنية العليا.
|
|
|