ظواهر يمانية : اللا صبر في كل الأمور (5)!!
2012/05/01 الساعة 20:11:32
عبدالواسع السقاف
عندما تقود سيارتك في الشارع فتجد أولئك السائقين الذين لا يصبرون ويقطعون عليك الخط لمجرد أنهم لا يطيقون الآنتظار للحظات حتى تمر أنت (خاصة وأنك تقود في خط مستقيم والطريق لك)، وتجدهم حتى دون أن ينظروا تجاهك يقودون سيارتهم قاطيعن عليك الطريق، فتضطر إلى أن تمسك مكابح السيارة بقوة تخيف من هو راكب معك، فإعلم أنك في اليمن .. والصبر هو الشيء المفقود في اليمن هذه الأيام في كل شيء! لم يعد الناس يصبرون على شيء فهم يسعون للتغير وإعادة اليمن إلى عهد بلقيس (جنات عن يمين وشمال) بغمضة عين، وكأن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يحملان مصابيح علاء الدين أو خاتم سليمان! يريدون أن يتخلصوا من الفساد، ويريدون هيكلة الجيش وقيام حوار وطني شامل وأعادة عجلة التنمية ورفع مستوى دخل الفرد، ووووو، بلمح البصر!!
أما على مستوى الشارع، فقد أضاع الناس صبرهم لأجل أن يتواكبوا مع عصر السرعة الذي يعيشون فيه، غير أن السُّرعة في اليمن تعني: عدم إحترام النظام والقانون، والعيش بقانون الغاب "البقاء للأقوى والأسرع"..وإلا فكيف نفسر الظواهر الآتية:
· في القيادة من يسبق ويدفع الأخر للرصيف هو الفائز وهو السائق النابغة الذي أتى ما لم تأته الأوائلُ على حد قول المعَري رحمه الله.. فلا إحترام لألولوية ولا لمرور ولا لإنسانية فرد، وتجد سائقي الباصات لا يحترمون أحد وسائقي الأجرة أشد منهم سوءاً وممارسة. أما عن سائقي الدرجات النارية فكأنهم لا يعلمون أن لديهم مكابح في دراجاتهم إطلاقاً فلا تراهم إلا وهم يعبرون بين السيارات وفوق الأرصفة وعلى ظهور الناس (إذا أُتيح لهم ذلك) لأنّ لا صبرَ لديهم في القيادة كبقية عباد الله والناس في هذا الكون!!
· وأكثر ما يرفع الضغط والسكر هو مشاهدة سائقي السيارات الشاص والبيك أب وهم يوقفون سياراتهم في منتصف الطريق ليقوموا بعمل ما (شراء شيء، دفع فاتورة، تسليم غرض، إلخ) ويسببون إختناقات مرورية وحوادث، وهم على حد قول إخواننا المصرين (ولا هنا)! فمن العيب في بلادي الغالي أن يتأنى السائق ويصبر ويوقّف سيارته في مكان مناسب ولو على بعد أمتار ليسمح لغيره بالمرور ويأخذ راحته في عمله! الغريب أنهم لا يشعرون بأن ما يفعلوه منكراً، ويعيشون حياتهم كما هي بكل بُرود، وإذا سألت أحدهم: لماذا تفعل هذا الشيء؟ أنكر عليك سؤالك ولم يفهم ما الخطأ الذي أقترفه!!
· في المحال التجارية والبقالات تجد النَّاس يتصايحون وهم غير صبورين بالمرة، وكلاً يريد أن يأخذ حاجته الأول ويُحاسب الأول ويخرج الأول ولو على حساب الأخرين، ولا يطيقون الانتظار، وإذا طُلب منهم الانتظار والوقوف في الصف رفعوا أصواتهم مستهجنة ما يحدث من (نظام)، فهم لا يطيقون سماع هذه الكلمة الثقيلة على قلوبهم! وقد خسرت كثير من الشركات عملائها بسبب النظام، فكيف تطلب شركة إتصالات مثلاً من عملائها أن يقطعوا تذاكر وينتظروا سماع أرقامهم ليدفعوا فواتير هواتفهم، إنه لشرُ مستطير وإهانة ما بعدها إهانة. فالشعب يريد تجديد الرصيد وهو نائم في بيته على فراشٍ من حرير!
· أما في البيوت، فالرجل مستعجل على الغداء والتخزينة ولا يصبر ولو للحظات على زوجته، فإذا تأخرت (أرغى وأزبد) وكأنه جملٌ هائج وناداها بكل ألفاظ الدنيا شماتةً مهدداً إياها بالطلاق! وهي بدورها لا تُقصر، تقوم بنفس الدور مع أولادها وبناتها (خاصة عند قيامها بمساعدتهم في إستذكار دروسهم)، فتضرب هذا وتجر شعر تلك وتولول وتصيح وكأن العلم لا يُنقش في الذاكرة إلا بصهيلها البديع!
· وبالمدراس والجامعات لا الطلبة يصبرون على مدرسيهم ولا المدرسون يصبرون على تلاميذهم، فإن اخطأ الطالب طُرد، وإن أخطأ المدرس فُضح! الطالب الذي لا يصبر على دراسته يريد من أستاذه أن يأتي بالمنهج في كأس فيصبه في فمه وأذنيه، والمدرس الذي لا يصبر على مستوى فهم الطلاب يريد منهم أن يحفظوا مالم يستطعه هو في حياته كلها! وما بين فهم الطالب وردة فعل المدرس مأسي وحكايات يشيب لها الولدان!
· ومن مظاهر عدم الصبر أن تستعجل البنت والولد في النضوج، فتجد بناتاً صغاراً يلبسن لبس الكبار ويضعن الأحمر والأصفر وكل الألوان، ويمشين في الشوارع يتلوين كأنهن أفاعي من الدلع والغنج! وشباب لا تميز ذكورته من أنوثته يشرب السيجارة ويضع السلاح على خاصرته! وكأن الأنوثة والرجولة في هذه الأشياء، وهم بذلك يستعجلون النضوج الذي سيندمون عليه أشد الندم عندما يصلوه في بلدٍ فقير يتحمل الفرد فيه أعباء الحياة بمجرد أن يشعر أبوه أو أمه بأنه نضج وصار لعرقه ريحة كما يقال في الأمثال!
· أما عن العلاقات فالرجل والمرأة على حدٍ سواء يستعجلان علاقتهما منذ بدئها فلا يصبران على شيء، أحاديث هاتفية ليل نهار، طلبات ومقابلات بالسر والعلن، وزَن بأذني الأم "لو لم أتزوجه\ها لتقلت نفسي"! وبعد الزواج لا يصبران على الخلفة ومن طبيب إلى طبيب من ثالث شهر، وسهر وهَرَم وحُزن! وبعد الخِلفة لا صبر على شيء، وكلما أغضب أحدهما الأخر، وجد الأخر عذراً للخيانة، فمن يصبر في هذا الزمن!!
· ومن طرائف اللاصبر العاطفي (وشر البلية ما يُضحك) أن تجد الزوج يترك زوجته لأتفه الأسباب، وما عُدنا نسمع عن متزوج أخلص لزوجته بعد موتها لعام كامل، وهو نفس الشيء الذي تقوم به المرأة! كنا قديماً نعرف نسوة في قُرانا ومُدننا يصبرن على غربه أزواجهن سنين عددا، حتى يعودوا، وبعضهم يعودون بعد عقود أموتاً في توابيت ليدفنوا في بلدهم! أما الآن فلو غاب الزوج ثلاث أشهر كاملة طلبت زوجته الخلعْ!!
· وحتى الحكومة لا تصبر على محدودي الدخل والمواطنين البسطاء، فمن لم يدفع فاتورة الماء أو الكهرباء وتأخر فيها يتم قطع الماء والتيار عنه (الذي هو أصلاً مقطوع طوال العام)، أما المتنفذين والمسئولين (أقصد الذي لا يسئلون عن شيء يفعلوه)، فيتم منحهم تسهيلات عدة أو تقيد مديونياتهم في بند المتعثرة (أي تعثرت وسقطت في حفرة وأهيل عليها التراب ورحمها الله ومافيش داعي نقلب عليهم المواجع)!!
يا أبناء بلدي ماهكذا يجب أن نعيش، ولا هكذا علّمنا ديننا، فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا) و (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، وأيات الصبر في القرآن العظيم كثيرة وأحاديث حبيبنا المصطفى في الصبر أكثر، لكننا للأسف لم نعد نتدبرها كما كنا، لأننا لم نعد نصبر على شيء.
*عضو المجلس العالمي للصحافة
|