ظواهر يمانية صامدون صابرون على الظلم (6)
2012/05/21 الساعة 12:21:34
عبدالواسع السقاف
يُقال أن حوالي خمسون مليون قطعة سلاح منتشرة بين أفراد الشعب اليمني وبحسبة بسيطة لو أنطلقت كل بندقية برصاصة واحدة لتلقى كل مواطن طلقتين في جسده! ومع ذلك فقد صبر الشعب اليمني على حالات الاستهداف والتعدي والقتل خلال الأحداث السياسية والعنف في العام الماضي ولم ينجر إلى الفعل ورد الفعل ولم يستخدم تلك الأسلحة ولا الذخائر كما كان يظنه العالم، خاصة وأن نسبة الأمية والجهل عاليتين واحترام النظام والقانون شبه معدوم في بلدٍ ميزان العدل فيه هو ميزان القوة!
الصبر على الظُلم هي ظاهرة يمنية بإمتياز، فالمواطن اليمني يتحمل الظلم بشكل لا يمكن أن يصدقه بشر، ويتحمل الظلم من الأهل والأقارب والمجتمع والدولة على حد سواء، وكلما ظنيت أن صبر المواطن اليمني قد نفذ تفاجأت بإبتسامتة العريضة وهو يشرح لك واقعه المُر والضيم الذي يعيشه. كان الخبراء الأجانب العاملين في اليمن والمهتمين بالشأن اليمني يتسائلون أثناء أحداث العُنف العام الماضي متى سينفذ صبر هؤلاء القوم، وكلما أرتفعت مؤشرات العُنف هدأت الصيحات التي تطالب بعنف مماثل، مما أدهشهم كثيراً. تبدلت الحقائق وكثرت الإدعاءات وزُيفت الأرقام وظهر أراذل القوم على الشاشات يكيلون التُهم والألفاظ النابية ويمُنون على الشعب، وصدرت الفتاوى والفتاوى المضادة والشعب صامد وصابر! إنطقعت المواصلات والمشتقات النفطية والماء والكهرباء وتوقفت عجلة التنمية وأنهمر الرصاص والقذائف كانت تدوي من على سماوات بلادي، والناس صامدون صابرون. وبدلاً من أن ينهض المواطنون في المدن ضد الدولة التي حرمتهم من المشتقات النفطية مثلاً، كانوا يتعاركون فيما بينهم في المحطات بالألاف ويقعدون اليوم والأسبوع والشهر نيام في سياراتهم في إنتظار تلك المشتقات!
أما على الصعيد الفردي، فالظلم متمثلاً في الفساد أصبح ظاهرة عصية على الحل في كل مرفق وفي كل دائرة سواء عامة أو خاصة، وتظلمات الأفراد بالملايين، وأُكلت حقوق الناس وظل المواطن يعيش على حافة الفقر براتب لا يُغني ولا يُسمن من جوع، وأرتفعت أسعار السلع وبات الناس في ضائقة ما بعدها ضائقة، ومع ذلك وجدت الأفراد يتحدثون في الطرقات ومجالس القات عن الأمل بغدٍ مشرق! إذا لم يجد المواطن حق المواصلات وجدته يسير مشياً على الأقدام ووجدت من يوقف سيارته له ليحمله معه ومن يوسع له في الجلوس بحيث يتحمل كرسي الفرد الواحد خمسة أفراد! وإذا لم يجد حق الغداء وجد من جيرانه من يمنحه لقمة من لقيماته يسد بها جوعه وجوع جاره! ومن فقد الراتب وجدت زوجته تخرج مدخراتها من حُلي لتبيعها له ليقدر على ظروف الحياة، وكلهم أمل بأن الغد سيتغير وهم صامدون صابرون على كل هذه الظروف!
والمواطن اليمني يصبر على رفع الأسعار بشكل لا يُصدقه عقل، فالمعلوم أن رفع الأسعار في بلدان العالم يتسبب في مسيرات ومقاطعات وحجب الثقة عن الحكومة وغيرها، أما في اليمن فالجُرع الأقتصادية ورفع الأسعار ظواهر عادية تمر وكأنها مناسبات دينية يجب أن تُحترم، وتجد الناس يتبادلون الأحاديث عن تلك الزيادة بشعور داخلي بالمرارة والقهر ولكن بصبر جميل يُسهل على مجلس النواب والحكومة أتخاذ تلك القرارات وهي قريرة العين، فلن يحدُث شيء! كما أن المواطن يتحمل الظلم من أخوه المواطن، فهو يصبر على الأذية سواء جاءت من الجار أو زميل العمل أو الصديق أو حتى بائع الفاكهة والخضرة. تجده يضحك إذا علم أن بائع الثياب أو الفاكهة غشه في البضاعة وهو يقول لقد زاد عليّ (خدعني)، وأقصى ما يُمكن أن يفعله هو أن يتهدد وتوعد بالإنتقام ولكنه لا يفعل إلا فيما ندر!
كم أحب هذا الشعب المسكين الصابر على الظلم وكم أتمنى أن يفهم حكامه وساسته أن هذا الشعب عندما يصبر فلا يعني أنه ضعيف وغير قادر على الغضب، ولكنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شعب الإيمان والحكمة، ولولا هذه الحكمة لما ظلَّ هؤلاء الحكام والساسة ساعة من نهار على كراسيهم تلك، وعليهم أن يدركوا أن أعظم الظلم هو ظلم الحكام لشعوبهم، وأن يتأملوا دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يحذر من ظلم الحاكم والوالي ومن الظلم عموماً: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به"، ولك الله ياشعب الإيمان والحكمة كم صبرت وكم صمدت وما زلت صامداً كجبال اليمن الشماء العالية.
|