عبقرية توماس وغباء الناظر
2012/08/09 الساعة 03:25:18
رشيد باصديق
* كان توماس صبياً متقداً حيوية ونشاط وذكاء ودائماً مايدخل مكتب كارلوس ناظر المدرسة التي كان تلميذاً بها, لكي يعرض عليه الأفكار اليومية التي تتولد في ذهنه وكلما خطرت له فكرة معينة عن أختراع جديد عرضها على مدير مدرسته، ويطلب منه أن يساعده بحكم موقعه في تقديمه إلى كبار المسؤولين بالمدينة حتى يشرح لهم أختراعاته ليقدموا له المساعدة المالية التي كان يطلبها توماس ليبدأ في تجاربه في أبتكار أشياء جديدة سينتفع بها المجتمع.
* فبدأ ناظر المدرسة تتوضح له يوماً عن يوم أن لدى توماس عقلية فذة إذا ما وجدت له الفرصة سيشتهر ويبدع وبدأ يحقد عليه خوفاً من أن ينجح توماس في كسب أعجاب المسؤولين بالمدينة مخافةً أن يعينوه في منصبه مديراً للمدرسة، فكان يرى أنه خطر عليه وتزداد مخاوفه يوماً عن يوم وكانت هذه المخاوف مبنية على الأوهام وبعض الاستنتاجات الخاطئة لأنه كان ينظر إلى نفسه والى عقله الذي وصل إلى حد الضمور والعجز والارتباك الحواسي وكبر سنه المسبباً له عقدة نفسية فيتخيل واهماً أنه سيحال للمعاش وإحلال بدلاً عنه مديراً شاباً كفواً لديه أفكار سيطور العمل التربوي وسيطور المنهج وطرق التعليم حيث لا يجوز أن يكون مديراً يبلغ من العمر مائة عاماً بالكاد يصل الى المدرسه حتى يطلب أن يرجعوه الى البيت مره ثانيه بحجة أنه يعاني من عدم الوضوح في الرؤية..
* شعر توماس أن هذا المدير لديه مشكلة لاتكمن في حقده على الشباب فقط بل لديه مشكلة مع نظرية التخليد في الكراسي كأنه يخاف من أي إنسان لديه أفكار أو رؤى متجددة ستعود بالأثر الكبير والمنفعة للبلد والناس، توقف توماس عن الدخول الى الناظر بعدما عرف أنه إنساناً عقيماً (وفاقد الشيء لا يعطيه)، ولكن الناظر بعدما أكتشف أن لدى توماس عبقرية متى ما لاقى الفرصة التي يستحقها سيعمل أشياءً كثيراً ومفيده للمجتمع، فأخد الناظر يتربص بتوماس ويدس له عند المدرسين ويحرضهم ليضايقوه وكلما كان صمود توماس وصبره وتحمله مما يلاقيه من بلاء قوياً كلما زاد ناظر المدرسة من إجتهاده لتدمير حياة توماس وفصله من المدرسة ولكن بأي وسيلة ظل يفكر ويفكر ويفكر,, فأخد يلتقي سراً مع بعض أقارب توماس ومع أخته الشابه الجميلة ويشرح لهم بأن توماس لديه درجة كبيرة من الغباء وأنه لا يصلح لأن يواصل دراسته ويجب أن يعمل في سكة الحديد حمالاً أو ممسحاً للأحذية على الرصيف أو في مهنة بعيداً عن المدارس.
* في البداية كانوا أقارب توماس يعارضوه بشده حيث يعرفوا أن توماس عبقري وليس مثلما يدعي ناظر المدرسة بعدها بدأ ضمور ناظر المدرسة الذهني ينشط مؤقتاً ويصب تفكيره في السعي لتدمير حياة توماس ووأد عبقريته، فقام بدفع مبالغ ماليه كبيرة شهرياً لأخت توماس وبعض أقاربه كشهود من أهله وبدأت الاجتماعات السريه تتواصل ليلاً مشكلين عصابة هدفهم واحد ومنطقهم واحد ثم قام بشراء فساتين فاخرة وبعض الحلي والجواهر لها, ويخططو فيما بينهم أن يضعوا في أكل توماس عقاقير تتلف الخلايا الدماغية ويستخدموا التشهيـر به عند زملائه وأهل المدينة لكي يراقبوا الناس تصرفاته التي كان من المتوقع أن تأتي العقاقير أكلها في وقت قريب وتصيب توماس بالغباء المزمن, فكانت أخته تنفذ بالحرف الواحد في أخيها مقابل الفلوس وهي بنفسها وبعض أقاربها الذين يتقاضون أجراً شهرياً كبيراً من كارلوس يفعلون ماهو مطلوب منهم بالتشهير ومتابعة أوراق ودفع رشاوي للشهود الزور وكل مايلزم من أجل ذلك، وعلى مدى سنوات وكارلوس يبدد ميزانية المدرسة بدفع رشاوي لشراء الذمم، لكي يكونوا معه في تدمير توماس, وهذا الفعل قد أدخل كارلوس في مشاكل كبيرة وطويلة مع هيئة التدريس بالمدرسة بسبب تبديد ميزانيتهم الخاصة بتطوير مشاريع ومناهج المدرسة..
* بعد سنة قام ناظر المدرسة بإستدعاء لجنة مختصة بالتلاميذ من دائرة المعارف بالمدينة وقدم لهم قراره الذي يقضي بفصل توماس نهائياً عن المدرسه مستدلاً بالتقارير التي كان يرفعها له المدرسين المتورطين معه وشهادة أخته وبعض أقاربه والتي مفادها أنه غباء فطري وخلقي لا يصلح أن يواصل دراسته أبداً، وأنه من المفترض أن يحل محله تلميذاً آخراً قد يستفيذ المجتمع من تعليمه، أحتارت لجنة التدريس حيث أنه يعدُّ الأول من نوعه وسابقة لم يفعلها أحد من قبل ليس بالمدينة ولكن بالبلد بأكمله (قراراً يقضي بفصل نهائي لتلميذ بحجة أنه غبي) فقاموا لجنة التدريس بإستدعاء توماس فجاء وجلس أمام اللجنة الذي سألوه: ياتوماس هل أنت تعاني من مشاكل أسرية أوأحد من أقاربك يشتكي منك بأنك غبي، فقال لهم وهو يعرف علته مع ناظر المدرسة وعلاقته بأخته وببقية أقاربه الذين باعوا ذممهم لكارلوس، فقال توماس ما الجديد لديكم: فقالوا قراراً يقضي بفصلك نهائياً عن المدرسة والذريعة أنك غبي، فقال لهم توماس: (كم أغبياء بالبلد لم يفصلهم أحد ولا يوجد إلا ناظر هذه المدرسة فقط الذي أبدع بقرار فصلي دونما غيري من أغبياء المدرسة والمدارس الأخرى).
* وبقي كارلوس لخمس سنوات مع بعض أقارب توماس وعلى رأسهم أخته الشابه على حالهم وتواصلهم مع بعضهم لكي يقضوا على توماس الذي ظل بعيداً عن المدارس وبعيداً عن أقاربه المتورطين مع كارلوس الذي ظل مستمراً بالدفع لهم شهرياً, ثم تطور هذا الخبر وأنتشر في المدينة كلها وبين الأهالي ووصل إلى المدن الأخرى، فأدخل كارلوس وأخت توماس في حرجاً شديداً، فأضطروا للهروب إلى الأمام ويواصلوا تدمير توماس حتى لا ينكشفوا ويتعرضوا للمسائلة القضائية، وبدأ كارلوس يتواصل مع نظرائه بالمدارس الأخرى ويدفع لهم مبالغ مجزية شهرياً حتى لا يقبلوا توماس عندهم مستخدماً أخته لتقوم بالتشهير به دعماً لاستكمال مخططهم لينجوا من العقوبة والحرج الكبير الذي أوقعوا أنفسهم به دونما يتوقعوا بأن حساباتهم لم تكن دقيقه، وكان النجاح حليفاً لكارلوس بحرمان توماس من حقه القانوني والشرعي في مواصلة تعليمه مثل بقية زملائه حتى استكملت الخمس سنوات، وخلالها كان توماس يتواصل مع أخته الشابه لكي تتوقف عن تدمير حياته بالتشهير ويمنعها بقطع علاقتها مع ناظر المدرسة ويخبرها بتأويلات الأهالي عنها بوجود علاقة محرمة بينهم إلا أن أخته لم تكترث ماضية في مخططها، وفي الوقت نفسه كان أيضاً يتواصل مع كارلوس يخبره (أن هناك فكرة ربما أتوصل معك بحل وسط دون أن ينكشف أمرك لدائرة المعارف في حالة إلتحاقي بمدرسة أخرى والذي قد يتخذوا قراراً بإحالتك للتحقيق بمعية أختي والآخرين أو سجنكم وإحالتك للمعاش وكذلك مخرجاً للطرفين حتى لا ينكشف أمركم للناس ويحتقروكم ويذموكم لتعسفكم وسعيكم للقضاء على حياتي)، ولكن كارلوس متفق مع أخت توماس بالاستمرار بأعلام كل من في المدينة بأخبار توماس معهم ويقول كارلوس للأهالي: توماس يتصل بي يريدني أن أعيده للمدرسة لأنه غبي لم يقبله أحد بالمدارس الأخرى.. وكان يضحك بسخريه وهو ممسكاً بسيجار كوبي, مداعباً بسبابته شواربه التي تساقطت مع حواجبه ولم يبقى منها شيء.
* بعد أربع سنوات أنتحرت أخته الجميله بعدما لاحظوا الناس تدهور صحتها وإضمحلال جسدها وهي تواجه إزدراءً يومياً من الجميع، وما أن أكمل توماس السنة الخامسة حتى بلغه خبر وفاة الناظر فحرص على حضور مراسيم الجنازة الذي بحضوره أدهش كل من في الميتم، وأخذوا يراقبوا توماس وهم يعلمون تماماً قصة الظلم الكبير الذي لاقاه هذا الصبي المسكين اليتيم من هذا العتل كارلوس، فأقترب توماس من لوحة القبر فأخد يكتب عليه عبارة: سيعرف العالم فيما بعد إنك عجوزاً حقوداً ذميماً مريضاً فاشلاً بطول عمرك وبغباءك قد حرمت البشرية من إختراعات كثيرة ستخلدها كتب التاريخ.. التوقيع: توماس أديسيون...
|