رؤية علاجية لقضايا وطنية خلافية( 6 )
2010/01/26 الساعة 23:36:24
سالم صالح محمد
تحـقـيـق العــدالة الاجـتـمـاعـية
تحقيق العدالة الاجتماعية ظل مطلبا للناس و كل المصلحون منذ قديم الزمان ، منذ انقسام المجتمعات إلى فئات و شرائح و طبقات . و قد نادى ديننا الإسلامي الحنيف منذ نزول الرسالة بتحقيق هذا المبدأ بحيث تأصل في المجتمع اليمني مثل غيره من المجتمعات المسلمة . . لذا يردد مجتمعنا اليمني هذا المطلب لأنه بحاجة ماسة اليوم إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف أبنائه و مناطقه و قواه الاجتماعية . و لأن الأوضاع المعيشية و الاقتصادية تبين تفاوتا كبيرا جدا بين فئات و شرائح المجتمع ، و في نفس الوقت نجد التمايزات في المعاملات و السلوك الحقوقي مع أفراد المجتمع . . و أيضا نجد بقايا الظلم الاجتماعي البائد ، مثل : بقايا آثار سياسات نظرية الصراع الطبقي ، بما مثلته من تأميم للملكية الخاصة في الجنوب ، و نهب الملكية العامة و المال العام و الخاص في الشمال . بالإضافة إلى انتشار الفساد المالي و الإداري و التسيب و الإهمال بعد قيام الجمهورية اليمنية ، بما في ذلك فساد النفوس و الضمائر بفعل تأثير المال .
إن معالجة الخلل القائم في العدالة الاجتماعية أحد الجوانب الأساسية للإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين حاليا لإخراج البلاد من ما تعيشه من أوضاع بائسة ، و هذا لن يتأتى إلا من خلال السلوك السوي و الممارسة السليمة ، و التزام النصوص الدستورية و القانونية و العرفية في التعامل مع أفراد المجتمع ، و في التعامل مع حقوق الملكية الخاصة و الملكية العامة ، و تنظيم التعايش بين الشرائح الاجتماعية المختلفة على أساس المساواة . و على أساس العدالة و المساواة في الحقوق السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية لكافة أفراد المجتمع . . و كذا في حرية العمل الاقتصادي ، و في تشجيع المبادرة و الإبداع ، و في إقامة الأحزاب و المنظمات و ممارسة العمل السياسي و الجماهيري وفقا للمفهوم الديمقراطي و القانوني للتعددية السياسية و الاقتصادية و الثقافية ، و غيرها من الجوانب .
نريد الوطن لكل واحد منا في اليمن و ليس لحزب واحد معين أو قبيلة واحدة أو مذهب أو شلة أو جماعة أو فرد معين . نريد لكل مواطن أي كان أن ينعم بالحقوق و الامتيازات التي يوفرها النظام في الجمهورية اليمنية . . نعم يمكننا العيش و التعايش جميعا في وطن واحد يقوم على العدالة الاجتماعية و احترام الدستور و القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحاء ، و يصون الحقوق و الواجبات المتساوية لكل مواطنيه ، و يطلق الإبداع للعقول و للطاقات جميعها في المجالات المختلفة ، و يوفر الفرص المتكافئة من أجل العمل و التعليم و العلاج لكل أبنائه . وطن موحد يقول : لا للظلم و لا للاستبداد أو التمايز بين المواطنين ، و لا لنهب حقوق البعض من قبل البعض الآخر . يقول : نعم للعدالة الاجتماعية في وطن يتسع رحابه للجميع ، وطن ينشد الاستقرار و التنمية و التقدم التي تكفلها العدالة الاجتماعية الحقة بين كل أعضاء المجتمع اليمني .
" العدل أساس الحكم " هذه مقولة قديمة منذ أمد بعيد أكدتها تجارب تاريخية طويلة جدا . و نعتقد أن عدم العمل بهذه القاعدة الهامة من قبل السلطات المتعاقبة على اليمن و مخالفتها لها قد أدى إلى تراكم الظلم الاجتماعي بشتى أنواعه و أصنافه و مستوياته لتصبح البلاد في حالة أشبه بالفوضى الاجتماعية العامة . و أعتقد أن عدم إتباع العدل في الحكم و تجاهله هما سبب مشاكلنا و أزماتنا الحالية في اليمن ، و لو أن العدالة الاجتماعية توفرت في سياسات الدولة طوال الفترة الماضية لما رأينا سؤ الأوضاع الذي وصلنا أليه في هذه السنوات . . نعم إن تحقيق العدالة الاجتماعية صعب و نحن لسنا في " جمهورية أفلاطون " و لكن كان يجب أن يتوفر على الأقل الحد الأدنى المطلوب من العدالة الاجتماعية التي يحتاجها المجتمع من أجل استقراره . و عدم توفير الحد الأدنى المطلوب من العدالة الاجتماعية سبب تراكمات و أعباء إضافية في سياق مطالب تحقيق العدالة الاجتماعية التي وصلت إلى أعلى مستويات تراكمها الكمي و النوعي اليوم ، بحيث تعتبر تلك المطالب الآن من أهم مهام الإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين حاليا لإخراج البلاد من أزماتها الحالية .
إن مطالب العدالة الاجتماعية تحتاج أولا و قبل كل شيء إلى توجيه ضربة ساحقة إلى كل مكونات و مشجعات الفساد المالي و الإداري ، و نهب الممتلكات العامة للدولة و مؤسساتها ، و نهب الأراضي و البسط عليها ، سواء أراضي الدولة أو أراضي المواطنين ، و إنهاء إنفاق الدولة في جميع المجالات الذي يعمق من عوامل إضعاف العدالة الاجتماعية و يخلق التمايز بين الناس ، و إنهاء المجاملات و المحاباة في هذا الجانب . و كذا وقف التسيب و الإهمال في محاسبة المخلين بالمال العام و الملكيات العامة و معاقبة مرتكبي و متبعي النهب و السلب و السرقة كأسلوب حياة لا أحد يعترض عليه . على أن تطال المحاسبة و المعاقبة المذكورة مسئولي الدولة و قياداتها في الجهات القانونية و جهات المراقبة و المحاسبة المتواجدة في مختلف أجهزة الدولة و مؤسساتها المدنية و العسكرية .
و من أهم أولويات إنهاء الخلل الحاصل في العدالة الاجتماعية تحقيق المواطنة المتساوية لجميع أفراد و مناطق البلاد . و المواطنة المتساوية لا تعني المساواة بين جميع أفراد و مناطق البلاد سياسيا فقط ، بل تعني أيضا المساواة في تعامل كل أجهزة الدولة و مؤسساتها و قياداتها مع كل مواطن يمني أينما كان و من أي منطقة . و كذا تعني العدالة الاجتماعية المساواة بين جميع المواطنين في فرص الخدمات و المنافع التي تقدمها الدولة في شتى المجالات .
و من أهم أولويات إنهاء الخلل الحاصل في العدالة الاجتماعية أيضا إنهاء الظلم الاجتماعي ، فالمواطن المظلوم لا يستطيع التخلص من الظلم الذي لحق به باللجؤ إلى أجهزة الأمن أو هيئات النيابة العامة أو أجهزة و محاكم القضاء لأن هناك قسم كبير من هذه الأجهزة أصابه الفساد و عدم احترام العدالة و الترهل و الفوضى . مما أدى إلى وجود وضع بائس للأجهزة المذكورة – و خاصة المحاكم و القضاء – و هو وضع أدى إلى إلحاق أكبر ضرر بقواعد العدالة الاجتماعية و أسس عملها و وجودها في البلاد . فبدون قضاء و محاكم و نيابة عامة عادلة ، و بدون أجهزة أمنية تعمل بموجب القانون و تحمي القضاء و تنفذ أحكامه يصبح من المستحيل الحديث عن العدالة الاجتماعية و إنهاء الظلم و مظاهره الكثيرة في مجتمعنا .
و إضافة إلى ما أوردناه آنفا ، فإن من مطالب تحقيق العدالة الاجتماعية في إطار الإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين حاليا ، ما يلي :
• لا يمكن أن تتحقق العدالة الاجتماعية بدون إنهاء الأحوال المتردية و السلبيات و الأخطاء التي تعيشها الأجهزة القضائية و الأجهزة الأمنية . لذا فإن تقويم و إصلاح هذين الجهازين هما أول خطوة في تنفيذ متطلبات بناء عدالة اجتماعية حقيقية في الجمهورية اليمنية .
• تعامل القوانين و الأنظمة مع المواطنين يجب أن يكون بدون تميز أو اختلاف بين مواطن و آخر ، و المقصود هنا أيضا تعامل أجهزه الدولة و مؤسساتها و أجهزتها الأمنية و العسكرية ، و هيئات السلطة المحلية مع المواطنين عند تنفيذ تلك القوانين و الأنظمة .
• العدالة في توزيع الثروات الطبيعية السيادية و الموارد السيادية بالعمل بمعايير المساواة بين مناطق الجمهورية و سكانها و المواطنين حيثما كانوا . و هذا لا يعني تجاهل أبناء المناطق التي توجد فيها تلك الثروات كأن تمنح نسب منها لهم توزع بعدالة فيما بينهم ، كان تكون ما بين : 5 – 10 % مثلا .
• الفئات المهمشة من فقراء و فئات عمالية كمثل عمال النظافة ، أو غيرهم ، مثل : الأخدام ، يجب الاهتمام بها و إزالة التمييز الذي يمارس ضدها بصورة متعمدة أو غير متعمدة ، و هذه المهمة تقع على عاتق الدولة قبل المجتمع .
• المساواة في تكافؤ الفرص في الحصول على العمل . و كذا المساواة في تكافؤ الفرص في الحصول على التعليم ، و خاصة التعليم العالي ، و ما شابهها .
• تكافؤ الفرص بين المواطنين في الوصول إلى المناصب القيادية في أجهزه الدولة و في المؤسسات التابعة لها و في الأجهزة الأمنية و العسكرية ، و في الهيئات التابعة للسلطة المحلية . و على قاعدة الكفاءات و الإمكانيات . و ليس على قاعدة الانتماءات المناطقية و الفئوية و القبلية .
• الإصلاح القضائي الشامل حاجة ملحة كخطوة من أولى خطوات الإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين حاليا لإخراج البلاد من أزماتها الحالية المستعصية . فالعدالة الاجتماعية مرتبطة بحالة القضاء . و لا يمكن تحقيق أي تقدم في إصلاح أية جانب في الدولة أو المجتمع ، أو حتى الاقتصاد ، بينما حالة الأجهزة القضائية سيئة سواء من ناحية التزامها بالعدالة أو من ناحية تطويل زمن القضايا و التلاعب بها .
• فرض رقابة مشددة و صادقة من قبل الدولة على العاملين في الجهاز القضائي و النيابة العامة . لأنه إذا لم يكن العاملين في جهاز القضاء و النيابة العامة فعالين في عملهم و إخلاصهم ، و ما لم يكن جميع القضاة أمينين فان العدالة الاجتماعية ستظل تعاني من ضعف و خلل و فساد .
• استقلالية أجهزة الرقابة القضائية عن وزارة العدل .
• إن تحقيق العدالة الاجتماعية و تحقيق الاستقرار السياسي في الجمهورية اليمنية متلازمان ، و لا ينفصلان عن بعضهما . لذا يجب العمل على أن يشعر كل مواطن و يلمس فعلا أن هناك عدالة اجتماعيه سائدة في البلد وهذا – أيضا - من أهم شروط الاستقرار السياسي العام و ثبات النظام السياسي في المجتمع . بل أن الضعف الشديد في تطبيق و تنفيذ العدالة الاجتماعية في مختلف أجهزة الدولة الفوقية و التحتية ، إلى جانب الضعف الشديد في جهازي القضاء و النيابة العامة بالذات ، لا يهدد الوحدة الوطنية ، بل و يهدد الوحدة اليمنية المباركة .
• إن مبدأ العدالة الاجتماعية كركن أساسي في استقرار أي مجتمع كان و ما يزال مرتبطا بآلية الدولة كلها و عملها و أدائها ، بما في ذلك تعامل هذه الآلية مع المبادئ الأساسية للعدالة الاجتماعية التي سبق لنا تناولها ، و منها : المواطنة المتساوية ، و تكافؤ الفرص للجميع . و بدون إحداث إصلاح حقيقي لآلية الدولة يصعب وجود عدالة اجتماعية صادقة .
• تقوية إجراءات الضبط القضائي و ضبط المتهمين و المجرمين المطلوبين و تقديمهم إلى النيابة العامة ، و تسريع إجراءات إحالتهم إلى أجهزة العدالة و عدم تأخير تقديمهم إلى المحاكم القضائية .
• وقف التدخلات اللاقانونية في عمل القضاء من قبل المسئولين و المتنفذين .
• الأخذ بالمقترحات الخاصة بالسلطات القضائية و المحاكم و النيابات و تقويم أوضاعها السيئة الحالية التي وردت في هذه الورقة و خاصة في أقسام : تقوية سلطة الدولة ، و الاستقرار الأمني .
*عضو مجلس الرئاسة اليمني السابق
( يتبع )
|