الثلاثاء 2010/09/07 ( آخر تحديث ) الثلاثاء 2010/09/07 الساعة 03:38 ( صنعاء ) 00:38 ( جرينتش )
المزيد

رؤية علاجية لقضايا وطنية خلافية( 8 )

2010/01/29 الساعة 20:55:55
سالم صالح محمد سالم صالح محمد

 الـنـهـــوض الاقـتـصــادي

الاضطراب السياسي في اليمن المشحون بالصراعات الصامتة أحيانا ، و الدامية أحيانا أخرى ، و كظاهرة شبه دائمة ، ظل السبب الأساسي في ضعف تنمية البلاد و عامل تقييد للاقتصاد و نموه و تقدمه . حيث لم تختفي هذه الظاهرة رغم أن الدعوة إلى ضرورة القيام بالإصلاح الاقتصادي في اليمن لم تتوقف يوما منذ الستينيات من القرن العشرين الماضي . . نعم حققت منجزات اقتصادية لا بأس بها في جميع المجالات الاقتصادية المختلفة . و لكن بينما كانت تلك المنجزات الاقتصادية تتحقق و ترتفع مؤشراتها من عام إلى آخر كان مستوى معيشة الفرد اليمني و معدلات دخله السنوي تتدنى عاما بعد عام . . ربما يلقي البعض باللوم في تخلف اليمن اقتصاديا على التزايد المرعب في  معدلات نمو السكان سنويا . و لكننا نرى أن السبب الحقيقي هو الوضع السياسي الذي لم يستقر و الذي أعاق و يعيق القيام بإصلاح اقتصادي يقود إلى البدء بنهوض اقتصادي كبير .

إن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الإصلاحات السياسية الحقيقة التي تنال رضا أغلبية الشعب ، أولا . و الإصلاحات الإدارية و المالية الفعالة ، ثانيا . و الإصلاحات القضائية و القانونية و الأمنية التي توفر البيئة المستقرة للتقدم ، ثالثا . و إبعاد مراكز النفوذ القبلية و السياسية الطفيلية و بعض الأجهزة الأمنية و العسكرية عن التدخل في الحياة المدنية ، رابعا . و إنهاء النهب كظاهرة عامة و إنهاء الفساد و العبث بالمال العام ، خامسا .

     إن الحديث عن أية تنمية اقتصادية أو نهوض اقتصادي دون تنظيم و حشد القوى و الإمكانات المادية و البشرية للمجتمع في هذا الاتجاه . كالحديث عن سفينة بدون بحارة . إذ لا يمكن أن يتحققا النمو و النهوض المرجوين اقتصاديا في ظل وجود خلل و تأزم في المنظومة السياسية للدولة و آليات العمل السياسي القائمة على أطراف مسيطرة و أطراف خاضعة ، أطراف منتصرة و أطراف مهزومة . فالدولة منهكة من كثر المشاكل و قلة الحلفاء و ركام المشاكل التي لا حلول لها . و هناك علاقات سياسية مدمرة ، و علاقات اجتماعية تئن تحت آثار الأزمة التي أفرزت علاقات غير متوازنة و هناك غالب و مغلوب و حاكم و محكوم ، أفضت بمجموعها إلى تعطيل مؤسسات و إفقار فئات اجتماعية واسعة كانت تمثل أساس القوى البشرية العاملة لمناطق كبيرة من اليمن .

مثل البيئة السياسية و الاجتماعية المذكورة آنفا لا يمكن أن ينبت و يزرع فيها إصلاح اقتصادي و لا يمكن أن نحصد منها نهوضا اقتصاديا مستديما . و لعل ما يجري الحديث عنه في اليمن من إصلاح اقتصادي ما هو إلا عبارة عن إجراءات اقتصادية قائمة على وصفات " البنك الدولي " و " صندوق النقد الدولي " اللذين لا يأخذان بالاعتبار الوضع السياسي و الاجتماعي المتأزم الذي تشهده البلاد منذ حرب عام 1994م. و حتى الآن . بل أن وصفات " البنك الدولي " و " صندوق النقد الدولي " الاقتصادية غير جادة في أهدافها إلا من ناحية المصالح الاقتصادية للعولمة و للاقتصاد العالمي . و لا شك في أن تجاهلهما للوضع السياسي و الاجتماعي المتأزم الذي تعيشه الجمهورية اليمنية عند وضع الوصفات المذكورة من شأنه خلق مصاعب تحد من تحقيق نهوض اقتصادي فعلي ، كما أن من شأنه إيجاد المزيد من المعاناة و المزيد من الإفقار لفئات اجتماعية عديدة ، و هذا يعني المزيد من التدهور في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية للناس .   

و كان الموقف معكوسا في حالات . فمثلا الخصخصة التي تمت للقطاع العام و ممتلكات الدولة في جنوب البلاد ، و بمباركة الجهتين المذكورتين ، لم تتم وفق للرؤية التي تراعي الوضع السياسي و الاجتماعي المتأزم أو برؤية برنامجية حقيقية للتنمية الاقتصادية تخدم أهداف التطور الاقتصادي ، و لكن تمت برؤية سياسية هي تحطيم كل مخلفات حكم الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب حتى و إن كانت ملكية عامة يمكن أن يستفيد منها الشعب اليمني كله .

لقد تم إهدار الكثير و الكثير من الإمكانات الاقتصادية للبلاد ، سواء عبر السياسات الاقتصادية الخاطئة ، أو عبر الفساد و النهب ، أو عبر الحروب الصغيرة و الكبيرة التي شهدتها البلاد بعد الوحدة  . و لسنا بحاجة للبكاء على ما حدث في الماضي إلا فيما أوصلنا أليه اليوم من مؤشرات مفجعة مؤلمة . و المؤشر الاقتصادي الأخطر من بينها هو المستوى المعيشي المتدني الذي وصل أليه المواطن اليمني ، إذ لا يتعدى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي خمسمائة دولار سنويا . و الأكبر سؤا من هذا أن نصف السكان يئنون تحت خط الفقر . . و إلى جانب عوامل أخرى كثيرة نلاحظ نتائج انتشار الفقر بمعدلات مخيفة في عدة ظواهر اجتماعية خطيرة ، منها : الانفلات الأمني الواضح و الذي تمثل و يتمثل في عمليات الاختطاف و الإرهاب و العنف المضاد و التخريب و الفساد على نطاق واسع .

إن المسألة تحتاج إلى أكثر مما هو قائم . و التحرك السريع مهم للغاية إذا ما أدرك الجميع بدون استثناء الحاجة الملحة إلى الإصلاح الاقتصادي الحقيقي الذي هو جانب من جوانب الإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين لعلاج أمراض الوطن . . و لكن مثل هذا الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتم بدون وفاق وطني عام كما سبق و أشرنا . . و يمكن أن يبدأ من يمتلك القرار السياسي و الاقتصادي ( السلطة القائمة ) بأن يعجل ليس في تحسين الإدارة و الأداء الاقتصادي لهيئات الدولة ، و تقديم التسهيلات و عوامل التشجيع الفعالة للاقتصاد ، و إزالة التعقيدات و إلغاء القــوانين و الأنظمة المعطلة . كما أن عليه جذب رؤوس الأمــوال و الاستثمارات بوسائل أفضل و أجدى من الوسائل القائمة الآن على الدعوات و الترحيبات المملة و التي يتبعها تعامل و استقبال متعب .

على الدولة عمل الكثير و الكثير – و خاصة اقتصاديا - من أجل الخروج من نفق الجوع و المرض و الجهل . و بالسياسات القائمة و الأساليب القائمة لا يمكن أن ننال ما نريد : على سلطة الدولة أن تفهم أن الإصلاح الاقتصادي يتطلب عقلية و سلوك جديدين ، عقلية و سلوك جديدين يستفيدان من أخطاء الماضي الاقتصادية و الأخذ بتجارب الآخرين الناجحة ، و ينطلقان من قاعدة وطنية واسعة . يجب أن نتفق أولا على خطوط و مقومات الإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين حاليا لإخراج البلاد من أوضاعها البائسة و عندها تتوفر الأرضية المناسبة للانطلاق في نهوض اقتصادي حقيقي . 

إذا ما توصلنا إلى ذلك و إلى مصالحة وطنية ، فحينها ستأتي أوضاع جديدة مثمرة و مشجعة مدعمة بإجراءات و قوانين و تعيــينات تتواكب مع هــذا التوجه التاريخي الاستراتيجي نحو سير الوطن في طريق التغيير الجذري . و حينها ستثبت في إدراكنا أن لكل واحد منا مصلحة حقيقية سيتحصل عليها من جراء التغيير الإيجابي الشامل ، و لو مستقبلا . و حينها ستزول كل المواقف الانتهازية الأنانية و المخادعة و المــــراهنة و المخاتلة و الإهــمال و التسيب و التعطيل .

      و يمكن لبرنامج الإصلاح الاقتصادي إذا كان جزءا من إصلاح عام صادق ، أن ينجح لأن إمكانات اليمن الاقتصادية كبيرة ، فهناك مجالات لم تستغل بعد ، على سبيل المثال لا الحصر : الثروة السمكية ، السياحة ، الصناعة ، النفط ، الغاز ، الزراعة ، و غيرها . . و هذه المجالات تتطلب الاستثمار ، و الاستثمار يتطلب الاستقرار السياسي العام الذي يخلق الثقة بالمستقبل ، و الاستثمار يتطلب الأمن و الأمان و تطبيق القانون و محاربة الفساد و وجود دولة نظام و قانون وجودا يلمسه المواطن في حياته اليومية  .

لذا ، فتضافر الجهود الوطنية بشكل منسجم مطلوب لمواصلة الإصلاحات الاقتصادية و هي كثيرة . و من أبرزها السماح للقطاع الخاص بالقيام بدوره و دعم نشاطه الذي لازال ضعيفاً للغاية لمعوقات معروفة و ميل لشمولية العمل الحكومي و تسلطه على كل شيء . و هذا الأجراء و غيره من الإجراءات المطلوبة سيؤدي إلى إخراج اليمن من هذه الحالة الاقتصادية المتردية إلى حالة التنمــية المنهاجية و المستديمة .

و ضمن تحديد مهام و ملامح و وظائف الإصلاح الاقتصادي المطلوب كحاجة وطنية ملحة ضمن عملية الإصلاح و التغيير الشاملين ، نضيف ما يلي :

 

           الشفافية في نشر الإنفاق المالي للدولة ، و كذا الشفافية في إطلاع الرأي العام على حقيقة الموارد المالية و المصروفات المالية للحكومة و الدولة .

           المصداقية و الشفافية في توضيح و إعلان عائدات الثروات النفطية و المعدنية و غيرها من الثروات الطبيعية .

           وضوح الأهداف الاقتصادية القصيرة المدى المحددة لسياسات اقتصادية عملية مدروسة ، لأن السياسات الاقتصادية لا تقوم على رؤية منهاجية و غير مبينة بالتحجيج الآن .

           تقويه الإدارة الاقتصادية في جميع أجهزة الدولة و مؤسساتها ، لأن الإدارة الاقتصادية الموجودة ضعيفة جدا و بدورها تضعف كل البنية الاقتصادية و تقيد عملها .

           أعطاء القطاع الخاص دور هام ليس في العملية الاقتصادية و حسب و إنما في المساهمة في الإدارة الاقتصادية أيضا . و هذه المهمة تجيء لأن الدولة تحل محل القطاع الخاص في بعض الجوانب ، كما أن تجاهل الدولة لواقع و آراء القطاع الخاص و مثله من السلوكات الاقتصادية أضعفت دور القطاع الخاص اليمني و أضعفت الاقتصاد الوطني ككل .

           تقليص الأنفاق على بنود الأمن و الدفاع في ميزانية الحكومة و الذي يصل حاليا إلى حوالي : 35 % و رصد ما هو مقلص لصالح التنمية الاقتصادية و خاصة في البنية التحتية .

           تحديث التشريعات الاقتصادية بما يتلاءم و التطورات الاقتصادية المحلية و العالمية و خاصة نتائج الأزمة الاقتصادية العالمية التي يشهدها العالم منذ عامين و ما زالت ماثلة حتى اليوم .

           على الحكومة وضع برنامج عملي لإنهاء سلبية التعامل مع الممتلكات العامة و المال العام و الثروات العامة بدون مسئولية و حرص ، بل و انتشار سلوكات سرقتها و العبث بها على نطاق واسع .

           وضع خطط اقتصادية ثلاثية أو خمسية واضحة المعالم و الأهداف تكون ملزمة التنفيذ لان الخطط الخمسية الاقتصادية الحالية نظرية عامة و ليست تنفيذية .

           زيادة الأجور بما تناسب و ارتفاع الأسعار ، و تحقيق هذه المعادلة لن يتم إلا بإصلاح اقتصادي شامل ذا مصداقية .

           تقليص الكم الوظيفي للعاملين في جهاز الدولة بحيث يكون بحجم مناسب اقتصاديا و عن طريق أساليب ذكية ، مثل : وقف التمديد للخدمة للبعض من باب المجاملة .

           ضرورة القضاء على الفساد و الفساد و التلاعب الاقتصاديين اللذين ينخران جسد الاقتصاد الوطني في جميع المجالات .

           لا باس إن نستفيد من ما هو مناسب من السياسات الاقتصادية التي تقترح علينا من قبل الهيئات و المنظمات الدولية و الدول الصديقة ، و لكن يجب أن تكون لدينا رؤية اقتصادية يمنية خاصة بنا تقوم بعملية تناسب بين ما يطلب منا دوليا و ظروفنا و واقعنا اليمني .

           محاربه التهريب السلعي بجدية و هو الذي يفقد الدولة حوالي نصف دخلها الضريبي ، و كذا محاربه نهب ضرائب و جمارك الدولة و التلاعب بها .

           استعادة بعض مزارع الدولة في لحج و أبين و حضرموت و شبوة و الحديدة لما سيكون لهذا الأجراء من تأثير معنوي و سياسي إيجابي على الفلاحين و العمال الزراعيين و المواطنين . . و كذا وقف بيع أراضي الدولة التابعة لمؤسسات بحاجة مستقبلية لها .

           وقف بيع المصانع في المحافظات الجنوبية و الشرقية التي تأكدت مؤشرات نجاحها . و كذا وقف بيع ممتلكات الدولة .

           حل المصاعب التي يعانيها المستثمرين بحزم و قوة ، و خاصة البسط على الأراضي و الممتلكات و الابتزاز . و كذا المعضلات الاقتصادية مثل ارتفاع تكاليف الكهرباء لمشاريعهم ، و أيضا التعقيدات في الإجراءات الإدارية للاستثمار .

*عضو مجلس الرئاسة اليمني السابق 

( يتبع ...)

Bookmark and Share
1 - ابن اليمن
يافصيح لمن تصيح
صدقت وعسى ان يجد ماورد اعلاه صدا او عقول تفقه لها للخروج مما يعانيه الوطن من ازمات اقتصادية تعكس الواقع السياسي والاجتماعي الذي يهدد امن واستقرار الوطن اليمنى الحبيب..
2 - ابو سيهب
كلام أنبياء وفعل شياطين
كل من يعرف ويتابع السياسه في اليمن لا أضن ان من يسمع كلامك ويتابع افعالك سوى في السابق والوقت فوجهك هو ذاك الوجه الاخر للحزب المدمن على السلطه وصناعة الازمات والصراع اللا منتهي
الأسم*

البريد الإلكتروني
شروط النشر:
- عدم الإساءة للأشخاص أو المقدسات أو الأديان
- عدم التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الألفاظ النابية
الموافقة على الشروط أعلاه
العنوان*

نص التعليق *
الرئيسية إعلانك في التغيير ارسل رأيك بحث متقدم تغذية RSS اتصل بنا جميع الحقوق محفوظة للتغيير نت ©
Powered By SSC