رؤية علاجية لقضايا وطنية خلافية(11)
2010/02/02 الساعة 21:53:43
سالم صالح محمد
ســـلـطـة مـحــلـية كامــلـة
أصبحت قضية الحكم المحلي و السلطة المحلية من أهم المسائل التي يعطيها المواطن حيزا في حياته . فالمجالس المحلية أصبحت حقيقة واقعة موجودة ، و أصبح الناس يحترمون المجالس المحلية التي هي بحاجة لدعم كبير حتى تمارس دورها المرسوم في الحكم المحلي الكامل الصلاحيات . . أجل في سياق الإصلاح و التغيير الشاملين المطلوبين الآن يجب أن يعطى للناس حقهم في الحكم المحلي الكامل الصلاحيات ، و هو شكل السلطة المحلية الذي سيخفف من نظام المركزية المتشدد الباسط نفوذه الأعمى ليفقد حكم الناس لأنفسهم محتواه الحقيقي و ليضع القيود التي تكبل انطلاقه و تكبل أبناء المحافظات و المديريات في أن يعيشوا حياة الإنتاج و العمل و العطاء و التعايش و الرحمة و الحب ، و أن يحلوا مشاكلهم فيما بينهم و يعالجوا معضلات مناطقهم بأنفسهم .
ضمن خيارات مواجهة المشاكل و الاضطرابات العاصفة بمعظم أنحاء البلاد تعددت الخيارات بخصوص شكل الحكم المحلي المناسب على نحو : حكم محلي واسع الصلاحيات ، حكم محلي كامل الصلاحيات ، نظام المقاطعات شبه المحكومة ذاتيا " الفيدرالية " ، الكونفدرالية بين قسمين من اليمن الواحد ، و غيرها . . و نحن نقف مع شكل النظام المحلي الكامل الصلاحيات كاختيار وسط .
لماذا نقف مع شكل النظام المحلي الكامل الصلاحيات ؟ أولا : لأنه النتيجة الأفضل لمناقشات هذه المسألة التي بدأت منذ قيام الجمهورية اليمنية عام 1990م. و حتى اليوم . . و ثانيا : لأنه من وجهة نظرنا الشكل المناسب للواقع المعاش في المدن و المحافظات و الأرياف . ذلك أن شكل " الحكم المحلي الواسع الصلاحيات " الذي تتبناه وجهة النظر الحالية للدولة سيبقينا في دوامة التسيب في السلطات المحلية التي ترمي مسئوليات الأخطاء و الإهمال و ضعف العمل و الخلل الأمني و ما شابه على كاهل المسئولين في الدولة المركزية : الحكومة ، مجلس الوزراء ، الوزارات ، الرئاسة ، الهيئات و المؤسسات و الأجهزة المركزية في العاصمة صنعاء . . بينما السلطات المركزية بدورها ترمي المسئولية على عاتق السلطات المحلية في المحافظات و المديريات .
و تأكيدا لذلك إننا نرى حتى بعد انتخابات المحافظين من قبل أعضاء المجالس المحلية في كل محافظة من محافظات الجمهورية لم يحدث حقا أي تطور أو تحسن في أحوال تلك المحافظات ، إذ ما زالت دوامة إلقاء المسئولية المتبادل بين المركز / العاصمة و السلطة المحلية في المحافظات سارية المفعول و ستكون كذلك حتى في حالة إتباع أسلوب الحكم المحلي الواسع الصلاحيات . . ثالثا : إننا بوقوفنا مع نظام السلطة المحلية الكامل الصلاحيات نريد توزيع صلاحيات و مسئوليات واضح بين العاصمة و المحافظات ، و على نفس النحو توزيع واضح للصلاحيات و المهام و المسئوليات بين المحافظة و المديريات في كل منطقة من اليمن . و هذا التوزيع الواضح للمهام و الصلاحيات و المسئوليات و النفقات و المداخيل و تعيين القيادات و الكوادر و ما شابهه من مسائل و جوانب لن يتم بوضوح كاف إلا بإتباع الحكم المحلي الكامل الصلاحيات .
و ليس شرطا في نظام الحكم المحلي الكامل الصلاحيات أن يكون التقسيم الإداري للجمهورية تقسيما كمحافظات و مديريات و مراكز إدارية ، بل يمكن أن يكون هذا التقسيم مقرونا بحلقة أعلى هي الأقاليم التي يحتوي كل واحد منها على عدة محافظات ، و ذلك من أجل الحد من المركزية الشديدة و الحديدية القائمة حاليا . و بما يمكن من متابعة أفضل لقضايا و مشاكل و مطالب و حاجيات المواطنين و يحد من سطوة هيئات الدولة المركزية : الحكومة ، مجلس الوزراء ، الوزارات ، الرئاسة ، الهيئات و المؤسسات و الأجهزة المركزية في العاصمة صنعاء . على المحافظات ، و هي سطوة إدارية تسلبها صلاحياتها و نفوذها سلبا شبه كامل .
أما لماذا لا نأخذ بنظام الأقاليم الفيدرالي ؟ فإن السبب هو أن الفوضى الراهنة في المجتمع و الضعف الحاصل في مقومات الحكم المحلي الموجودة و الاضطرابات الأمنية التي تعم معظم أنحاء البلاد ، و غيرها من العوامل المشابهة للاضطراب و الفوضى و تفكك أجهزة الدولة و سلطاتها ، يجعل الانتقال إلى نظام الأقاليم الفيدرالية مخاطرة من الناحية التنظيمية و الإدارية لأن النظام الفيدرالي للحكم المحلي يتطلب رقي و تقدم الأجهزة للسلطة المحلية إلى مستوى يقارب مستوى الهيئات المركزية من نواحي التنظيم والكوادر و الإمكانات و المالية و غيرها . . كما أننا لا نتحدث عن الكونفدرالية كشكل من أشكال الخيارات القائمة أو المطروحة للحكم المحلي و المركزي لأننا نعتبره حلا اضطراريا إذا لم تفلح الحلول السابقة في القبول أو في حالة أن الأوضاع السياسية و الأمنية و الاجتماعية في المحافظات الجنوبية ظلت متأزمة و متفجرة فهنا يمكن الأخذ بخيار الفيدرالية مع ضمان دعائم الوحدة اليمنية و الجمهورية اليمنية .
كما أنه لا يفوتنا ، و نحن بصدد الحديث عن إقامة الفيدرالية كشكل للحكم المحلي الكامل الصلاحيات في المناطق الجنوبية من اليمن في حالة استمرار الأزمة الحالية و تفاقمها و تأججها ، أن نشير إلى الحقائق التي كانت قائمة و التي شكلت شخصية يمنية جنوبية متكاملة لم يستطيع الاحتلال الاستعماري البريطاني طمسها و ظلت تقاومه حتى انتصرت عليه في 30 نوفمبر 1967م . و هو يوم تحقيق جلاء الأجنبي عن الوطن ، و هذه مسائل أولية نضعها أمام الجميع لبلوغ نهج ديمقراطي يقوم على العدالة في وضع أسس الحكم المحلي الكامل الصلاحيات الذي يتضمن المواطنة المتساوية و بناء سلطة القانون و النظام في السلطات المحلية التي سيتم تأسيسها وفقا لشكل الحكم المحلي الكامل الصلاحيات .
و في إصلاح نظام الحكم المحلي لتحقيق الحكم المحلي الكامل الصلاحيات لا بد من وجود تقسيم إداري يراعي مصالح الناس و تواصلهم فيما بينهم و السمات الجغرافية و طرق النقل و العلاقات الاجتماعية بين السكان ، و ليس من المنطقي أن يستند التقسيم على أساليب الماضي مثل الخبث في تقسيم المناطق و الدوائر الانتخابية ، و استهداف مناطق موحدة اجتماعيا بتقسيمها تقسيما سياسيا خبيثا . أو أن يعتمد التقسيم الإداري على أساس التقسيم الأمني الذي يراعي هذا الجانب على حساب بقية الجوانب الهامة الأخرى .
كما أن الحكم المحلي الكامل الصلاحيات يجب أن يقترن بتعيين كوادر لها خبرات إدارية و كفؤة و متعلمة و مثقفة في أجهزة السلطة المحلية . حيث يلاحظ أن التعامل مع هذه القضية الهامة و الحساسة لازال يتم بأسلوب و بمعايير لم تستفد بعد من معطيات الواقع الراهن ، و لا زال مشدوداً إلى عقلية الأمس ، و إلى أسلوب السلطة في فرض قيادات عبر التعيينات المركزية و بدون شروط و مؤهلات مناسبة متغاضية و ناسية استخلاص الدروس مما خلفته تلك السياسات و القرارات العشوائية السابقة – البعيدة عن الحياة الديمقراطية الداخلية - من دمار و كوارث وطنية شاملة .
و على الحكم المحلي الكامل الصلاحيات أن يكفل احترام الخصوصية السياسية و الثقافية و الاجتماعية و الجغرافية لكل منطقة من مناطق البلاد المختلفة . و كم نتمنى يوماً بأن يحذو اليمن حذو " الإمارات العربية " و يستفيد من تجربتها الناجحة في هذا الخصوص . علما بان اليمن و بكل المقاييس يحتاج إلى مثل تلك السياسات الحكيمة نظراً للخصائص الاجتماعية و السياسية و الثقافية و الجغرافية المتنوعة التي تقتضي النظر أليها بعين الاعتبار و ليس بعين المركزية الشديدة و القبضة الحديدية على جميع المناطق مما يفقدها خصوصياتها السياسية و الاجتماعية و الثقافية .
كما أن على الحكم المحلي الكامل الصلاحيات أن يضع بعين الاعتبار عوامل أخرى ، مثل إنتاجية كل محافظة من المحافظات و إيراداتها . و كذا الأهمية الاقتصادية لهذه المحافظات . . و إلى جانب العوامل التي يجب وضعها بعين الاعتبار هناك محاذير ينبغي أن لا تستند عليها المعالجات لأسس الحكم المحلي الكامل الصلاحيات ، فمثلا ليس من الممكن الاستناد على الوضع القبلي و تأثيره الحالي في التقسيمات الإدارية للمحافظات و المديريات و الأقاليم بدون توفر المعايير العلمية التي سبق لنا توضيحها .
إن الحديث عن الحكم المحلي المطلوب حديث طويل جدا و لكن ما أوردناه هنا ما هو إلا ملخص رؤية تطرحها هذه الورقة تجاه هذه المسألة الهامة في سياق الإصلاح و التغيير المطلوبين اليوم من أجل إخراج الوطن من دوامة الأزمات و المشاكل التي تعصف به بلا رحمة . . و لذا فإننا نبين أدناه بعض المقترحات و الآراء الإضافية بخصوص الحكم المحلي الكامل الصلاحيات :
• إصلاح الحكم المحلي شكلا و مضمونا و وسائلا ضمن إصلاح آلية الدولة و منظومتها السياسية السابق الذكر في القسم السابق .
• الشكل الأنسب الآن للسلطة المحلية هو الحكم المحلي كامل الصلاحيات ، و على أساس إثنين أو ثلاثة أو خمسة أقاليم للجمهورية اليمنية تتبع كل واحد منها عدة محافظات .
• الحكم المحلي الكامل الصلاحيات يعني انتخاب للمحافظين ( للأقاليم و المحافظات ) و مدراء عموم المديريات من قبل المواطنين و بالانتخاب المباشر .
• تحديد الموارد السيادية المركزية الخاصة للدولة ، و تحديد الموارد السيادية و الموارد المحلية للسلطات المحلية في الأقاليم و المحافظات و المديريات.
• مناصفة صلاحيات و مسئوليات الأمن المحلي ( الأمن و الشرطة ) تحت الإشراف المباشر للمحافظ ( محافظ الإقليم و محافظ المحافظة ) بحيث يشترك في التعيينات لقيادات هذه الأجهزة و يوافق عليها ، و كذلك يشرف على عملها و يوجهه .
• مناصفة صلاحيات و مسئوليات الدفاع و القوات المسلحة في المحافظة و الأقاليم بحيث لا يتم تحرك القوى العسكرية و الأمنية إلا بموافقة أيضا من قبل محافظ المحافظة أو محافظ الإقليم ، أو مدير المديرية .
• العدالة و المساواة في توزيع المواقع و المناصب القيادية بين المديريات في المحافظة ، و بين المحافظات في الإقليم . و أن تكون القيادات من المتعلمين و المثقفين و الخريجين و ليس شرطا أن تكون قيادات عسكرية ( سابقة أو حالية ) كما هي صفة معظم قيادات السلطات المحلية الحالية .
• منح رواتب لأعضاء المجلس المحلي في المديريات لان معظمهم يعملون الآن بدون رواتب أو حوافز .
• تحديد دور المشائخ في المناطق قانونيا .
• من أهم جوانب بناء سلطة محلية قوية و فعالة هي علاقات أجهزة السلطة المحلية بالسلطة المركزية في ظل الحكم المحلي الكامل الصلاحيات ، و لذا يجب أن يبين القانون هذه المسألة بوضوح تام لا لبس فيه . واضعين بعين الاعتبار أن العلاقة السائدة الآن تضعف السلطة المحلية و دورها و وظائفها و لا بد من وضع أسس تنهي هذه السلبية .
• تعزيز القانون والنظام و سيادتهما في المديريات و المناطق و المحافظات و الأقاليم بما يعزز ثقة المواطنين بالنظام و القانون و الدولة لأنه يردد الآن - حتى في الخارج - أنه لا يوجد نظام و قانون في أرياف اليمن و محافظاتها و معظم مدنها .
• تعيين قيادات أمنية في المحافظات و المديريات و الأقاليم من ضباط ذو كفاءة عالية و النزاهة و الشرف ، قيادات تمكن من تثبيت هيبة الدولة و قوانينها . و يفضل أن تكون القيادات الأمنية من خريجي كلية الشرطة و كليات القانون و كليات العلوم الاجتماعية .
• تدوير مناصب القيادات الأمنية في الأقاليم و المحافظات و المديريات لسنوات محدودة . ما لم تكن المؤشرات الأمنية الايجابية واضحة الايجابيات في المديرية أو المحافظة أو الإقليم المعني .
• تأطير العلاقة التكاملية بين الهيئات المنتخبة ( المجالس المحلية على مستوى المحافظات و المديريات ) و الهيئات التنفيذية الإدارية للمحافظات و المديريات . تأطيرا إداريا و تشريعيا .
• ضبط العلاقة بين كل من السلطات الثلاث القائمة : التشريعية ، القضائية ، التنفيذية . حيث توجد حاليا تداخلات كثيرة فيما بينها تعطل وظائفها .
*عضو مجلس الرئاسة اليمني السابق
( يتبع ...)
|