الاربعاء 2012/02/08 ( آخر تحديث ) الاربعاء 2012/02/08 الساعة 16:07 ( صنعاء ) 13:07 ( جرينتش )
المزيد

الفقيه..والثعلب

2010/02/21 الساعة 17:10:37

حميد رزق حميد رزق

ربما لا يطمح السياسي أن يكون فقيها لكن كثير من الفقهاء أومن يسمون أنفسهم دعاة  يعملون علي تسلق جدار السياسة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا وذلك باعتقادي راجع إلى أن السياسيين أصبحوا في التقاليد العربية المعاصرة يحتلون مرتبة اجتماعية متقدمة ..فقد يكون الواحد منهم قياديا في الدولة أو رمزا في الحزب أو صحفيا ذا شهرة وحظوة في المؤسسات الإعلامية  أو...أو...الخ

إضافة إلى  أن السياسة بطبيعتها ساحرة لجهة حضور البهرج الدعائي والكراسي الدوارة  والبدلات الفخمة إضافة الى أضواء الإعلام وبريق الصور... هذه الحالة رغم أهميتها  في التسويق الدعائي للسياسي وإضفاء رونق خاص عليه لكنها في الحقيقة صورة خادعة ولا يعلم أعباء السياسة ومتاعبها إلا السياسيون أنفسهم وربما كثير منهم لا يغبطون ذواتهم على المواقع التي وجدوا أنفسهم فيها ، لأن ظاهرها ناعم  وباطنها مر وشاق  .. تتطلب روح المجازفة والتضحية والبذل والإيثار .. وهذا الكلام ليس على سبيل التعميم خاصة في بلداننا العربية التي أصبح بعض الساسة فيها أشبه بالإقطاعيين يتعاملون بروح الاستغلال والانتهازية مع مواقعهم السياسية التي تتحول إلى شراك لمراكمة الثروات والاستقواء على الخصوم والمخالفين في الرأي أو الانتماء السياسي ...

الفقية بدوره يحتل مكانة مهمة لكنها تراجعت في العصر الحديث في ظل تطور نظريات الحكم لدى الدول الديمقراطية الحديثة في الغرب واقتباس الحكومات العربية كثير من هذه النظريات في تجاربها السياسية فظهر نموذج الدولة المدنية بطابعها العلماني الذي يقوم بفصل الدين عن الدولة و الشريعة عن السياسة

وأصبح دور الفقيه أو الداعية منحصر في المسجد لكنه احتفظ  لنفسه بالمرجعية الدينية المطلقة فيما يخص قضايا العبادات والمعاملات الشرعية المرتبطة بكتب الفقة والتراث في المجتمع المسلم

ومثل هذه القضايا التي تتفاعل يوميا متولدة من طبيعة الحياة التي لا تعرف السكون  تعطي الفقهاء سوقا يومية رائجة تعود على أصحابها بكثير من الربح والمكاسب المادية والمعنوية كل بحسب قدراته في استغلال هذا الميدان وطرق توسيع داوائر التأثير والنفاذ الى وجدان العوام والمريدين وذلك إما بتنويع أساليب الخطاب والإقناع أو العمل على تقديم الشكل الجذاب والمظهر الجميل الذي يضفي على صاحبه القدسية والهيبة والجلال والاحترام.

وهنالك الصنف الثالث  وهم من تيسرت لهم سبل الجمع بين السياسة والدعوه وهؤلاء ينقسمون الى قسمين :

الأول وهو الفقيه الذي جاءت اليه السياسة دون أن يسعى إليها  نتيجة مكانتة الاجتماعية والدينية السابقة  لأدواره السياسية ، فدخوله مضمار العمل السياسي يطرأ نتيجة تطورات تدهم مجتمع "ما" في ظل حضوره الطاغي في المحيط الخاص به وبما أنه عنصرا حاضرا بقوة وفاعلية ، فإنه يفرض نفسه على طبيعة الأحداث وتطلبه الجماهير ممثلا لها في ميدان التعددية .. هذا الصنف كما يخيل الي برغم تواجده في ميدان السياسة لكنه يظل يفرق بينها وبين صفته كفقيه أو داعية دون الخلط بين وظيفته في المسجد كمرجع ديني ملك للجميع وبين أعماله العامة  والخاصة ، مرتفعا فوق التناقضات السياسية،  ويتعامل بحياد مع  تعدد وجهات النظر الدنيوية  ... ولا يعمد الى توظيف حاجة الناس اليه في مجال الدين من فتوى ووعظ وإرشاد لمحاولة تأطيرهم في اتجاه الانتصار لخياراته السياسية أو دعم مشاريعه الاجتماعية .

الصنف الآخر من ( الفقهاء الساسة)  من يحول  مكانته في المجتمع كمرجع ديني أخطيب أو داعية  إلى وعاء للمشاريع السياسية وحصالة لاستدراج الجمهور بالعزف على عاطفتهم الدينية وصولا إلى أدلجتهم  مع أو ضد تيار هنا أو هناك... ويستثمر هذا النوع من رجال الدين قاعدتهم الجماهيرية  للحصول على الأموال والتبرعات تحت عناوين كثيرة ومختلفة .

ولا يلبث الواحد من هؤلاء في ظل تجاوب العامة  أن يتحول إلى  أكليروس يرى في نفسه مرجعية الدين والدنيا الذي لايسأل عما يفعل ولا ينازع فيما يقرر ويعتقد أن طاعة الناس له واجبة كوجوب الصوم والصلاة .

ويشهد هذا الصنف نموا مضطردا في الفترة المتأخرة التي أعقبت ظهور التعددية السياسية وطفت الى السطح مشاريع الإسلام السياسي الذي يخلط بين الدين كوسيلة وغاية في نفس الوقت .... غاية من حيث رفع شعارات خدمة الدين وإعلاء كلمة  الله .... ووسيلة عندما يستخدم الدين كواحد من عناصر تكثير سواد التنظيم الحزبي أوتأييد البرنامج السياسي أو دعم الجمعية الخيرية.

و في السنوات الاخيرة ازدهرت موضة الأسلمة فأصبحنا كثيرا ما نسمع عن الإسلام السياسي الذي أنتج بدوره مظاهر لم تكن موجودة من نحو الصدقة السياسية والمسواك السياسي والطبق السياسي واللحية السياسية ، ونظير ذلك نسبة كثير من المباحات الى الاسلام وكأن ما عداها ليس كذلك على سبيل المثال التلفون الإسلامي والمسبح الإسلامي والتلفزيون الإسلامي  والمطبخ الإسلامي والحمام الإسلامي والمنزل الإسلامي والكاست الإسلامي والنظارة الإسلامية والجورب الإسلامي والماكياج الإسلامي والمسرح الإسلامي والغناء الإسلامي والصحيفة الإسلامية والقلم الإسلامي وهلم جرا

ومع ذلك هناك من يرى أنه مثلما يحق للسياسي أن يكون فقيه لو أراد، كذلك يحق للفقيه أن يكون سياسي  شريطة أن يمارس السياسة بكفاءة أخلاقية عالية لأن مكانته الدينية تفرض عليه أن لا يقع في ما يقع فيه غيره من الساسة  ، حتى يعكس التأثير الايجابي للقيم التي يحملها

أما أن يكون داعية ثم ينحط الى ممارسات السياسة المخاتلة وحبالها  الشائكة فهذا لا يسيء الى صاحب هذه التجربة وحسب  بل ينسحب التاثير السلبي للتصرفات المراوغة للفقية السياسي الى الثوابت المطلقة والمثل الحميدة  التي  يتخفي وراءها .

هذا لا يعني بالضرورة ان السياسة بمجملها والساسة بعمومهم سيئون  فثمة تجارب ناجحة  جمعت بين العمل السياسي والالتزام الديني أو أيا منهما على انفراد فكسبت احترام الانصار والخصوم على حد سواء

طرفة

ثمة قصة يتداولها العامة تؤشر على مكانة الفقيه وخطورة شأنه ، تقول القصة كان يوجد في إحدى البلدات ثعلب ماكر هاجم معظم دجاج أهل القرية وذات مرة خرج الثعلب آخر الليل في رحلة الصيد المعتادة وبعد أن تناول وجبته الشهية من دجاج الحي استرخى ونام حتى اشرقت الشمس فحاول التسلل من وسط القرية الى الجبل لكنه خاف على حياته من المارة فقرر التظاهر بالموت حتى يتسنى له الهروب  ورمى نفسه على قارعة الطريق فانطلت الحيلة على  معظم المارة الذين إعتقدوا ان أحدا ما قد قام بقتل الثعلب ورميه بجانب الطريق ... لكن الفقيه أثناء مروره .. استغرب من منظر الثعلب غير المألوف .. وكان بحوزته خازوقا ( إبرة كبيرة )  قام بوخز الثعلب بقوة في مؤخرته حتى يتأكد من موته .. فصاح الثعلب من شدة الألم وولى هاربا بعد ان لم تنطل حيلته على الفقيه  ....ولذلك اصبح الثعلب وهو المشهور بالمكر والدهاء لا يخاف احدا كما يخاف من الفقيه بحسب القصة الأسطورة  وتحولت هذه القصة الى  مثل شائع في بعض البلدان (الفقيه قوع الثعل ) أي هزمه وقهره , إشارة الى قوة مكر الفقيه ودهائه لأنه يجمع بين معرفة الشرع وعادات القبيلة وتجارب الحياة لذلك يحاذر الرعية والعوام الدخول في خصام او نزاع مع الفقيه لأن لدية القدرة على حسم الصراع لصالحه والفتك بخصومة  بما يمتلكه من قوة المنطق ونفوذ ديني في المجتمع .

Bookmark and Share


الأسم*

البريد الإلكتروني
شروط النشر:
- عدم الإساءة للأشخاص أو المقدسات أو الأديان
- عدم التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الألفاظ النابية
الموافقة على الشروط أعلاه
العنوان*

نص التعليق *
الرئيسية إعلانك في التغيير ارسل رأيك بحث متقدم تغذية RSS اتصل بنا جميع الحقوق محفوظة للتغيير نت ©