أين المفر ؟
2010/06/15 الساعة 16:25:19
د.رياض الغيلي
أقرَّ الإسلام حق الأمن في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى:}فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ { وقال أيضاً: } فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ {. وقد عرف الإسلام أيضاً حق الحياة الذي هو أوسع من حق الأمن ويعتبر من الكليات الخمس في الإسلام ، لأن حق الأمن يتضمن فعلاً سلبياً من جانب الدولة يعبر عنه بالامتناع عن الاعتداء أو التهديد في حين أن حق الحياة يتضمن علاوةً على ذلك فعلاً إيجابياً وهو حماية الإنسان ودمه من أي اعتداءٍ أو تهديد ويجعل هذه الحماية مسؤولية عامة ملقاة على عاتق الناس كافة، لأن الاعتداء بدون حق على أحدهم هو بمثابة الاعتداء عليهم جميعاً، قال تعالى: } مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا { .
لكن الذي يبدو أن النظام قد حول الدولة عن هذه المعاني السامية ، وصرفها عن هذه الأدوار الراقية ، وجعل منها خصماً للحياة الإنسانية ، و بدّل أمن الناس إلى خوفٍ بآلتها العسكرية التي اشتريت على حساب أقواتهم وأرزاقهم ، وهو الذي كان يعدهم بالأمن والأمان ومستقبلٍ أفضل ، كان المواطن يبحث عن الأمان في حضن الدولة ، وفي ظل النظام ، يلجأ إليها خوفاً من عصابات الإجرام وقطاع الطرق ومصاصي الدماء ، فإذا به يجد أن النظام هو الخصم وهو العدو الذي يهلك الحرث والنسل مصداقاً لقول الحق جل وعلا : (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم فأصمهم وأعمى أبصارهم) ، وهاكم بعض الدلائل والإشارات :
· لم يعد المواطن يفرق بين تنظيم القاعدة وطائرات الجيش ، فمن لم يقض نحبه في عملية إرهابية بالمصادفة ، قضاه في عملية قصف عشوائي بالخطأ .
· ولم يعد المواطن يفرق بين عناصر الحراك وأفراد الأمن المركزي ، فمن لم يمت برصاص العناصر التخريبية مات برشاشات الأمن المركزي .
· ولم يعد المواطن يفرق بين أتباع الحوثي وجنود الحرس الجمهوري ، فمن لم تمزقه ألغام الحوثي مزقته صواريخ الحرس الجمهوري .
· ولم يعد المواطن يفرق بين زعيم عصابة إجرامية وشيخ متنفذ يدعمه النظام ، فمن لم تنهب حقوقه عصابات الإجرام ، صادرها الشيخ ومرافقوه .
· ولم يعد يفرق المواطن بين قاطع الطريق وعسكري النقطة أو المرور ، فمن خَلُص من قطاع الطرق تلقفه عساكر المرور والنقاط العسكرية .
· ولم يعد المواطن يفرق بين بلاطجة الحارات وعناصر البلدية ، فمن أفلت من البلاطجة اصطاده أشاوس البلدية .
هذا هو الحال ؛ تبدلت المفاهيم وانقلبت الأمور رأساً على عقب ، ونحن في زمنٍ تبدلت فيه كل القيم ، وانعكست فيه كل المفاهيم :
§ الدولة المعنية بحفظ الحياة هي التي تزهق الأرواح !!
§ الدولة المنوط بها تحقيق الأمن هي من يشيع الخوف !!
§ الدولة المكلفة بإعادة الحقوق لأهلها هي من يصادر الحقوق !!
فكيف الخلاص ؟ و إلى أين المفر ؟
لعلك أخي القارئ تجد الجواب لدى الشاعر أحمد مطر الذي يقول :
المرء في أوطاننا
معتقل في جلده منذ الصغرْ
وتحت كل قطرة من دمه
مختبئ كلب أثرْ
بصماته لها صورْ ...
أنفاسه لها صورْ ...
أحلامه لها صورْ
المرء في أوطاننا
ليس سوى إضبارةٍ
غلافها جلد بشرْ
أين المفرْ؟
***
أوطاننا قيامة
لا تحتوي غير سقرْ
والمرء فيها مذنب
وذنبه لا يغتفرْ
إذا أحس أو شعرْ :
يشنقه الوالي..
قضاءً وقدرْ
إذا نظرْ :
تدهسه سيارة القصر..
قضاءً وقدرْ
إذا شكا :
يوضع في شرابه سم
... قضاءً وقدرْ
لا دربَ..
كلا لا وزرْ
ليس من الموت مفرْ
يا ربنا :
لا تلم الميت في أوطاننا
إذا انتحرْ
فكل شيء عندنا مؤمّمٌ
... حتى القضاء والقدرْ
|