"الزمانان" في ذمار !!
2010/06/27 الساعة 16:17:27
سام عبدالله الغُـباري
وجهاً لوجه .. صافحت : "سالم غصّـاب الزمانان" .. كان اسمه الغريب مثار جدل داخلي .. و دائماً ما تنجب الغرابة رجلاً في منتهى الحضارة ..!! ، وقفت مع سفير دولة "الكويت" الشقيقة بصنعاء ، و هو أصغر سفير ديبلوماسي بالخارجية "الكويتية" .. قلت له باقتضاب : اقرأ عنك كثيراً .. و اليوم أتشرف بلقائك و مصافحتك .. !!
كان الموعد السبت قبل الفائت في رحاب جامعة ذمار .. نهضت متأخراً بعد مساء حافل بالمشاهدة المنتقاة لأفلام "هوليود" الشائقة .. حسبت تأخري عن موعد لقاء السفير المتميز .. و كان أعلمني بذلك رئيس جامعة ذمار الدكتور : أحمد الحضراني .. فبادرته : "إنه سفير لا يتكرر" .. فعلق د. الحضراني متسائلاً : هل تعرفه ؟! ، أجبته : كلا .. لكنني أقرأ عنه .. و له .
اليوم .. التقي مجدداً بـ"الزمانان" .. حاصرته بكاميرتي .. صورة وراء أخرى .. كلما نهض .. حشرت جسدي بجانبه صورة للذكرى .. لم أترك تفاصيل دقيقة إلا شاهدتها ، و سجلتها .. بدلته السوداء اللامعة .. زرارين فقط .. خيوطها دقيقة .. شاربه الأنيق الحليق .. شعره الكثيف .. نوط العلمين "اليمن و الكويت" ابتسامته الواسعة .. نظارته الشمسية الباهظة .. تعليقاته التي سجلها بخط يده على محاضرته الهامة في قاعة فلسطين بجامعة ذمار عن : تاريخ الإخاء و التعاون بين اليمن و الكويت .. و منها اقتطف ما يلي :-
(( الكويت وضعت أولى لبنات الوحدة اليمنية في مارس من عام 1979م ، حين كان اليمنان يعيشان حالة حرب حقيقية ، و لم يعد هناك حضور سوى لقصف المدافع ، و دوي القنابل خصوصاً في مناطق التماس ، حيث كانت الجبهات و أعمال التخريب ، و الاختطافات ، و الحشود العسكرية ، فكان صوت الشيخ جابر الصباح – رحمه الله- الأكثر قبولاً لدى اليمنيين لما له من أيادٍ بيضاء و إسهامات تنموية في شطري اليمن حينها ، فكانت قمة الكويت .. )) ، (( قدمت حكومة دولة الكويت مساعدات مجانية مباشرة عبر الهيئة العامة لتنمية الجنوب و الخليج حيث مولت بناء مستشفيين عامين احدهما في صنعاء "مستشفى الكويت" ، و الآخر في محافظة الحديدة ، إلى جانب "10" مستوصفات صحية في مناطق مختلفة من الجمهورية ، و بناء ما يقارب "50" مدرسة ، و مرافق خاصة بجامعة صنعاء ... )) ، (( يعود تاريخ التعاون بين اليمن ، و الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية إلى عام 1968م ، عندما تم التوقيع على أول اتفاقية قرض بين الجانبين بتاريخ 6/6/1968م لتمويل مشروع دراسة الجدوى الاقتصادية لوادي زبيد ، و قد بلغ إجمالي القروض خلال الفترة (68م – 1989م) حوالي (48.972.329) دينار كويتي ، تضمنت 16 قرضاً ، تركزت في قطاعات متعددة ... )) .
يعود السفير الأنيق بذاكرته الدقيقة إلى الوراء .. و يصل إلى جهود أعزاء "الكويت" في محنة "زلزال ذمار" .. و يستطرد : (( .. و لعل أبناء هذه المحافظة يتذكرون الموقف الأخوي لحكومة و شعب الكويت ، و وقفتهم الإنسانية إلى جانب إخوانهم في محافظة ذمار جراء الزلزال الذي ضرب المحافظة في عام 1982م ، فقد تكفلت حكومة الكويت ببناء المساكن التي تهدمت جراء زلزال ذمار ، و دفعت 10 ملايين دولار لأجل ذلك في عام 84م .. أما الشطر الجنوبي السابق من اليمن فقد مولت الحكومة الكويتية بناء مشروع سكني يحتوي على 600 شقة سكنية في مدينة المنصور بعدن بكلفة إجمالية (7.800.000) دينار كويتي ، الذي أنجز في عام 85م ، كما خصصت الكويت مساعدات بقيمة مليون دينار كويتي في العام 78م لبند الإنشاءات ، و ارتفع في العام الذي تلاه إلى الضعف ، و أسهمت في بناء عدد من المستشفيات ، و غطت رواتب عدد من الأطباء و المحاضرين ، و المدرسين بقيمة إجمالية (2.825.000) دينار كويتي )) .
كان أبرز ما أوضح سفير الكويت العزيز أن أول وفد كويتي وصل صنعاء في العام 1963م ، إفتتح مكتباً للمشاريع الكويتية ، و أن المساعدات و القروض التي ساهمت بها دولة الأشقاء الكرام تقدمت عبر ثلاث جهات رئيسة هي : الحكومة الكويتية – كمساعدات مباشرة - ، الهيئة العامة للجنوب و الخليج العربي ، الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية .. انظروا هذا الهم العربي المتوسع بعد عامين فقط من استقلال الكويت في 19 حزيران 1961م .
و لا زال العطاء الأخوي لأشقائنا النبلاء متدفقاً ، فذلك ما تقرأه بدقة في محاضرة سفيرها المحترم .. و من أبرز ما جاء فيها : (( تعهدت الكويت بدفع 200 مليون دولار في مؤتمر المانحين لندن عام 2006م ، و قد دفعت قرابة نصف المبلغ ، و قدمت الكويت أيضاً مساعدات إنسانية مستمرة للمتضررين من الفيضانات التي شهدتها محافظتي حضرموت و المهرة عام 2008م ، كما قدمت عدداً من قوافل الإغاثة لنازحي صعدة ، و طرحت الشهر قبل الماضي مناقصة تنفيذ مشروع كلية حضرة صاحب السمو الشيخ صباح في جزيرة سقطرى ، مع كامل مرفقاتها التعليمية و الإسكانية .. و أما آخر الإستثمارات الكويتية باليمن فكان قبل ثلاثة أسابيع بتدشين العمل بمشروع "كنوز إب" السياحي المتنوع .. و عدد آخر من المنشئات السياحية بكلفة مائة مليون دولار )) .
لقد اختصر "الزمانان" زمنين في محاضرة غنية بالوفاق التاريخي المثمر ، و أهدى إلينا ذاكرة لا تُـمحى من تاريخ التآخي العربي الحقيقي لدولة وشعب آمنا برسالة بلدهما التنويرية .. رغم ما مر عليها لاحقاً من محاولات (الضم القسري المجنون) ، إلا أن أنها استمرت في لثم صباح الحرية المتجدد ، و عادت "الكويت" لوطنها العربي الكبيرة متحررة من آثام الحزن الأهوج .. و بيدها رممت أحزانها .. و مدت يدها بيضاء من غير سوء .. سواء بشهريتها الخالدة "مجلة العربي" ، أو عبر سفراءها الرائعين ، مجددة التأكيد أن العقل و العمل و الحلم المترامي يفوق في مجمله مساحة الأرض الصغيرة .
مؤخراً قرأت وداعيته العاطفية الشجّـنة .. فقلت لا بد من هذه التناولة التي ظلت بمسودة الكتابة أياماً .. فدفعتها للنشر .. ترحيباً بهذا الضيف المغادر .. و سعادة بتشريفه مدينتي الصغيرة .. أقولها مجدداً : لقد أمتعنا قلبك الأخضر .
|