تلامذة ميكيافيللي الخائبون
2010/07/04 الساعة 20:53:14
احمد صالح الفقيه
منذ خمسمائة عام ونيف كتب نيقوللو ميكيافيللي كتابه (الأمير) على هيئة قواعد للسلوك يجب أن يتبعها الأمير أو الحاكم المستبد، حتى يديم سيطرته على البلاد والعباد. وقد أصبح هذا الكتاب مصدرا للإلهام لدى كثير من الحكام حتى في القرن العشرين. ولكن هذا لم يمنع أن يكون لميكيافيللي تلامذة خائبون، سقطوا في المحذور، ففقدوا عروشهم وحتى رءوسهم.
وفي الكتاب عبر يمكن إسقاطها على الأوضاع الحاضرة في بلادنا. يقول ميكيافيللي :"على الأمير الذي يصل إلى منصبه باختيار الشعب أن يحافظ على صداقة هذا الشعب، وهي في متناول يده، إذ أن كل مايطلبه الشعب لا يعدو الخلاص من الطغيان. أما الأمير الذي يصل إلى منصبه عن طريق النبلاء(المتنفذين)، وضدا على إرادة الشعب، فان عليه ان يتبع كل وسيلة ممكنة لكسب صداقة شعبه، وذلك أمر سهل اذا فرض حمايته عليه. ولما كان من طبيعة الناس أن يشعروا بالدين الكبير لمن يلقاهم بالمعروف، مع أنهم لم يكونوا يتتظرون منه إلا المكروه، فإن الشعب سبصبح أكثر ميلا لهذا الأمير منه للأمير الذي يختاره برضاه".
"إن من الضروري لكل أمير أن يكسب صداقة شعبه، وإلا فإنه لن يجد لنفسه أي ملجأ في وقت الشدة والضائقة" ويفسر لنا ميكيافيللي ظواهر الانشقاق بين ، وذلك ان تلامذة ميكيافيللي الخائبين يجمعون حولهم ما يشبه العصابة من الأعوان، ويغدقون عليهم المال والجاه، ويسلطونهم على الشعب، معتبرين أن الشعب(مخلوق حقير)، لايمكن الاعتماد عليه في وقت الشدة , وان أفراد عصابة الأعوان هم الذين يمكن الركون إليهم والاعتماد عليهم، ولذلك يطلقون لهم الحبل على الغارب فيعيثون في الأرض فسادا، وينهبون المال العام، ويجمعون الثروات غير المشروعة، بل ويعتدون على أموال الناس وحرماتهم دون رقيب أو حسيب.
يقول ميكيافيللي: عندما يتحول الأمير إلى وضع الحاكم المستبد الذي يحكم إما مباشرة ، أو عن طريق القضاة (الأعوان الذين يختارهم) ، فإن وضع الأمير في هذه الحالة الأخيرة يضعف ويصبح معرضا للخطر، لأنه يصبح تحت رحمة هؤلاء الذين اختارهم ليحكم بواسطتهم، والذين يستطيعون في أوقات الشدة أن يخلعوا الأمير من منصبه، إما بالعمل ضده أو عن طريق عصيان أوامره.
وفي مثل هذه الحال ، وعند حلول مثل هذا الخطر لا يكون الأمير في وضع يمكنه من تسلم زمام السلطة بيده، لأن المواطنين والرعايا لا يكونون مستعدين لإطاعة أوامر الأمير، وسيكون دائما مفتقرا في الأوقات الصعبة الى الرجال الذين يستطيع الاعتماد عليهم حقا.
ومثل هذا الأمير لن تتحقق خططه التي وضعها طبقا لما يراه في أوقات السلم، إذ أن المواطنين المحتاجين الى الدولة في وقت السلم، يغدقون الوعود، ويعربون عن استعدادهم للموت في سبيله عندما يكون الموت بعيدا. أما عند الشدة ، وعندما يحتاج مثل هذا الأمير إلى مواطنيه، فإنه لن يجد إلا القليلين) . ولقد رأينا جميعا كيف هجر الجنود لعراقيون وحداتهم في أوج الحرب.
ويختم ميكيافيللي هذا الجزء بالقول : ( ولا ريب أن هذه التجربة بالغة الخطورة، إذ أنها لا تقع للأمير إلا مرة واحدة (يفقد بعدها منصبه وربما رأسه). ولذا فأن الأمير العاقل سيبحث عن السبل التي سيشعر بواسطتها االموطنون ،في كل حين ، وفي جميع الأوضاع الممكنة، بالحاجة إلى قيادة الأمير لهم فيخلصون في الولاء له.
ولكن وعلى رأي أم كلثوم (فات الميعاد وبقينا بعاد).
أليس كذلك؟
|