الحوار الجاري بين السلطة والمشترك في ظل الظروف الحالية، مثقل بالعملاء والمصالح والمنازعات . وهو استجابة براغماتية اختزالية لاجدوى منها.
المحاورون المدجنون اصبحوا كائنات مقطوعة الجذور، ولذلك فهم مزيفون. فمنظمات الحزب الاشتراكي في الجنوب أعلنت موقفا في مؤتمر مجلس تنسيقها الأخير، قطع الصلة بكل ما تقوم به قيادة الحزب في هذا السياق. وكذلك الحال بالنسبة للإصلاح الذي ينزف قواعده لصالح السلفيين والقاعدة. وهؤلاء المحاورون لم يمنحوا حق الجلوس إلى طاولة السلطة إلا لأنهم أصبحوا مثلها فاقدي الصلة بالواقع.
كلمة الحوار ذاتها تحمل مضمونين متناقضين تناقضا تاما بصورة مأساوية، فهي من جهة مثقلة بخلفية تحمل في طياتها أزمة السلطة التي غدت تلهث وراء إعادة إنتاج ذاتها غبر صناديق الاقتراع، التي لاتمثل أحدا غيرها، بحثا عن شرعية دعائية مغلفة بطنطناتها المعتادة حول الوطنية والوحدة ، وقد اتنظرت وماطلت طويلا حتى حصلت على حوار ومحاورين مفصلين على قياسها، بعد أن تخلوا عن مبادئهم ومواقفهم قطعة قطعة كما تفعل راقصات التعري (الاستريبتز).
ومن جهة اخرى يحمل مضمون الحوار أطروحات بائسة ويائسة، يتزايد بؤسها ويأسها مع كل يوم يمر، إذ تمعن في الابتعاد عن الوقائع الصلبة، التي يحفرها على الأرض، الثائرون في الحراك وفي صعدة، رافضين الكلام، ومؤكدين على الإصرار العنيف على المطالب، مؤكدين – عن حق- بأنها لغة الحوار الوحيدة التي تفهمها السلطة.
هناك شعور واضح لدى الرأي العام بأن أحزاب المعارضة الرئيسية التي يحلو للرئيس وصفها– عن حق أيضا – بأنها الوجه الأخر للنظام ، لم تعد قادرة على تجاوز اساليبها المحنطة، ومطالبها المتكلسة التي تجاوزتها الأحداث، وتجاوزها الثائرون بديناميكيتهم الجذرية ، ولم تعد قادرة على السيطرة على جمهورها كما كانت تفعل في الأيام القريبة الخوالي، حيث لم يكن هناك من لاعب على الساحة غيرها الى جانب السلطة. معارضة قياداتها كلها خارجة من معطف النظام منبوذة لا مختارة.
واليوم تبدو هذه المعارضة وقد أسلمت زمامها إلى آل الاحمر (المشايخ) فيما غدا حوارها مع السلطة يكتسب في الشارع لقب (حوار الحمران) في إشارة إلى آل رئيس الجمهورية الأحمر ، وآل الشيخ الأحمر. ولكنه حوار في الوقت الضائع وعلى رأي الأستاذ الشاعر عبدالودود سيف: (يكشف القوم مخابئ أوجههم ويحدقون بها كاملة إلي. اتملاها متمتما: (هذه وجوه ذبلت وحان موعد طمرها).