الدكتور غازي القصيبي.. نموذج ينبغي أن يُحتذى في الشجاعة والإبداع
2010/08/28 الساعة 15:49:06
عبد الملك طاهر المخلافي
وفقاً لنظرية (ماسلو) المعروفة في الإدارة وعلم النفس فقد تم ترتيب الحاجات الإنسانية في هيئة هرم يتكون من خمسة مستويات، تنتهي بمستوى أصغر يعرف بمستوى تحقيق الذات. ومفهوم تحقيق الذات يمثل التحدي الأكبر أمام أي إنسان وفي مختلف الحضارات والثقافات. وهو يشير إلى أن يصنع الإنسان لنفسه مكانة مرموقة في المجتمع وفي ذاكرة التاريخ من خلال عمل إبداعي استثنائي سواء كان أدبي أو علمي أو فني أو سياسي أو حتى رياضي.. أي أن يصبح (شيئاً مذكورا). وبالنسبة للمستويات الأربعة الأخرى (إشباع الحاجات الفسيولوجية والاجتماعية وتقدير الذات) من هرمية ماسلو فيمكن للإنسان تحقيقها بقليل من الجهد والمكابدة، بيد أنه يضل مع ذلك يسعى للوصول للمستوى الأخير الخاص بتحقيق الذات، والذي لا يصل إليه إلا قلة من البشر.
غير أن المتأمل في سيرة ومسيرة المرحوم الدكتور غازي القصيبي يجد أن الرجل قد استطاع تحقيق ذاته بجدارة والوصول إلى مكانة مرموقة تجاوزت الأفاق الوطنية وذلك بإمكاناته وملكاته الذاتية دون أن يتكئ على قبيلة أو قوة من أي نوع .. حتى أن مما يروى عنه أنه اعترف ذات يوم بأنه استطاع تحقيق ذاته وهو راضٍ كل الرضا عما تحقق له وما أنجزه في مجالات عدة خلال مسيرة حياته. أعتقد أن د. غازي القصيبي قد تمكن من جمع المجد من كافة أطرافه كيف لا وهو الأكاديمي والشاعر والروائي والقاص و الكاتب والوزير والسفير، ناهيك عن عمله قبل هذا وذاك كإعلامي ومحامي في بداية مشواره الحياتي. وعن تجربته الإدارية وهي تجربة ثرية دون شك، كان قد دون جزءً كبيراً منها في كتابه (حياة في الإدارة)، وهو ليس كما قد يعتقد البعض كتاب ذي صبغة أكاديمية بحكم أن الإدارة من المجالات الأكاديمية التي يغلب على الكتابة فيها صرامة اللغة وجفاف الأسلوب، بل على العكس من ذلك، لقد ورد كتاب حياة في الإدارة بأسلوب أدبي ولغة جميلة وجذابة تغري بالقراءة، وكأن من يقرأ ذلك الكتاب يقرأ قصة أو رواية أدبية مثيرة. لقد كان كتاب حياة في الإدارة ضمن الكتب المطلوب منا قراءتها ونقدها وإجراء موائمة بين ما حفل به من حالات ومواقف إدارية وما يقابلها من نظريات إدارية حديثة وذلك أثناء مرحلة الماجستير بكلية الإدارة بجامعة الملك سعود. لقد اشتمل الكتاب على كم هائل من مواقف سياسية وإدارية واجتماعية وأكاديمية تعرض لها د. القصيبي خلال عدة عقود من حياته في الإدارة الحكومية، مستعرضاً وجهة نظره إزاءها وأهم القرارات المهمة التي اتخذها حيالها، لقد مثل الكتاب - في تقديري- شهادة تاريخية مهمة على مرحلة انطلاق النهضة والتنمية في المملكة العربية السعودية الشقيقة، منذ خطة التنمية الأولى (1970م)، حيث كان د. القصيبي واحداً من ضمن فريق من الشباب التكنوقراط الذين تولوا تخطيط وهندسة عملية التنمية الشاملة في المملكة وتحديد مساراتها وملامحها، ومنهم: محمد أبا الخيل ود. عبد العزيز الخويطر ود. محمد زكي يماني، د. سليمان السليم، ود. حسين الجزائري، وجميل الحجيلان، ود. محمد عبده يماني وغيرهم.
لقد خدم د. القصيبي بلاده بإخلاص من خلال عدة مواقع إدارية ووزارية منها أول عميد لكلية التجارة بجامعة الملك سعود (1971م) الذى وصفها بأنها كانت أصعب مهمة مرت عليه في حياته العملية، ثم مديراً لسكة الحديد (1974م)، ثم وزيراً للصناعة والكهرباء (1975م)، ثم وزيراً للصحة العامة (1983م)، وأثناء عمله وزيراً للصناعة اتخذ د. القصيبي قراراً مهماً يعد من أهم القرارات التنموية الإستراتيجية في المملكة السعودية تمخض عنه تأسيس أكبر قلعة صناعية في المملكة وهي شركة (سابك) للبتروكيماويات، التي كان شديد الاعتزاز بها والتي كما روى في كتابه أنه اختار لها بنفسه ذلك الاسم لدلالة معينة. بعد ذلك تم تعيينه سفيراً في البحرين حتى (1992م)، ثم سفيراً في لندن حتى (2002م) ليعود للعمل وزيراً للمياه، وفي عام 2004م صدر أمر ملكي بتعيينه وزيرا للعمل.
لقد سنحت لي الظروف قراءة بعض مقابلاته وكتبه ودواوينه الشعرية ولم تسنح لي الولوج إلى عالمه الروائي.. و مما يجعلنا نحتفي به أكثر كيمنيين أنه خص اليمن بعدد من قصائده الشعرية الرائعة، أضف إلى ذلك أن هناك جانب يهمنا في تراث د. القصيبي وهو جانب مغيب لا يعرف عنه الكثير منا كيمنيين ويتمثل ذلك في أن رسالة د. القصيبي للحصول على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من بريطانيا تناولت تاريخ اليمن السياسي وعلاقاتها الدبلوماسية 1948-1962م. ويبدو سبب ذلك الغياب أن الرسالة لم تلقى حقها من الترجمة إلى اللغة العربية مما فوت على الباحثين والمثقفين فرصة الاطلاع عليها والإفادة منها.
أعمال وآثار د. القصيبي عديدة ومتنوعة ومثيرة وجديرة بالقراءة والاستفادة.. غير أن ما شدني إلى شخصية هذا الرجل وأثار إعجابي نحوه عدة مزايا أخرى غير أعماله الأدبية من أهمها:
أولا: أنه كمسئول كان رجل قرار وكان يجازف أحياناً باتخاذ بعض القرارات بجسارة وهو يعلم أنها يمكن أن تسبب له (أو للحكومة) بعض الاحراجات أو المتاعب هنا أو هناك، ولكنه برغم ذلك كان قادراً على الدفاع عنها والمحاججة بشأنها وإقناع الآخرين بها مهما كانت. وهذا هو جوهر الإدارة باعتبار أن الإدارة في نهاية الأمر عبارة عن (قرار يُتخذ)، وأي مسئول لا يستطيع اتخاذ قرار ما والدفع به والدفاع عنه فمن الأحرى أن يتنحى عن موقعه.. وبالنسبة للقصيبي لم يكن من هذا الصنف من المسئولين والوزراء الذين يتخذون القرارات ولسان حالهم يردد (الله يستر) خشية أن يتسبب القرار في إزعاج فئة أو جهة ما هنا أو هناك .. ومما يروى عنه أنه ذات يوم اجتمع برجال الأعمال السعوديين لاقناعهم بمساعدته كوزير للعمل من أجل إنجاح برنامج السعودة باعتبارهم من وجهة نظر وزارته من أبرز معيقي عملية السعودة لتفضيلهم العمالة الأجنبية لرخصها على العمالة الوطنية، وبعد حالة من المد والجزر معهم حاولوا ابتزازه وتهديده بنقل أعمالهم واستثماراتهم إلى دول عربية مجاورة، فما كان منه إلا أن رد عليهم بشجاعة: ارحلوا وأنا سأكون أول من سيودعكم في المطار. كذلك من قراراته الصادرة بقصائد شعرية قوية قصيدته (رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة) التي عاتب بها الملك فهد يرحمه الله والتي أدت إلى إقالته من وزارة الصحة، وقصيدة (الشهداء) التي قادت إلى سحبه من السفارة السعودية في لندن.
ثانيا: أن الرجل امتلك قدراً عالياً من الذكاء الوجداني والاجتماعي مكنه ذلك من أن يتعايش مع النظام الحاكم في المملكة طيلة أكثر من أربعين سنة رغم مواقفه وقناعاته الخاصة واستياء بعض التيارات في المجتمع من أفكاره وكتاباته ونعته بالعلماني والتغريبي والليبرالي وما إلى ذلك... كيف يتسنى لرجل أن يعيش في قلب النظام السياسي للبلد لعدة عقود من الزمن بينما كتبه ومؤلفاته تمنع من دخول البلد... أليس ذلك دليل على مهارة غير عادية لدى الرجل في إدارة هذه المعادلة الصعبة وتسويق ذاته بطريقة ذكية جعلت القيادة السياسية تعجب بشخصيته وتتشبث به حتى آخر لحظة من حياته.
ثالثا: مع أن الرجل أمضي معظم عمره في أروقة العمل الحكومي غير أن ذلك لم يصرفه عن القراءة المتنوعة والكتابة المستمرة كما يفعل بعض الأدباء عندما يوضعون في مناصب حكومية حيث يغمسون أنفسهم في الشئون البيروقراطية الصغيرة ويستمتعون بلذة التوقيعات على كل ورقة ويعطون إجازة مفتوحة للعمل الأدبي.. لذلك أنجز د. القصيبي عشرات المؤلفات بالعربية والانجليزية ناهيك عن كتاباته الصحفية المتعددة برغم مشاغله ومهامه الإدارية. والاهم من كل ذلك أن الرجل طيلة حياته الإدارية لم يتورط بفساد إداري ومالي، ولم يثري من الوظيفة العامة، ولم نسمع انه امتلك شركات أو عقارات أو استثمارات وهذا بشهادة خصمه السابق العالم المشهور د. سلمان العودة.
رابعا: أن الرجل لم يغريه المنصب ولم يحبس ذاته في صندوق الرسمية معزولاً عن العاملين والمواطنين المستفيدين من وزارته، بل كان الرجل ينسى أحياناً وضعه الرسمي ويتصرف بطريقة أخرى، والشواهد على ذلك عديدة كما ذكرها في سيرته الإدارية ورصدتها وسائل الإعلام، ومنها أنه أثناء ما كان وزيراً للصحة كان ينخرط متنكراً في صفوف المواطنين في المستشفيات للاطلاع على طريفة تعامل الموظفين مع المواطن ومستوى جودة الخدمة المقدمة، ويتخذ بناء على ذلك قرارات عقابية بحق الموظفين والمديرين المقصرين. وعندما تقلد وزارة العمل لم يستنكف أن ينزل إلى المطاعم والبوفيات مرتدياً زي الطباخ والنادل ليمارس عملية الطبخ أمام وسائل الإعلام ليعطي رسالة للشباب السعودي بأن العمل في أي مهنة ليس عيباً أو منقصة في حق الفرد. كذلك أثناء ما كان وزيراً العمل هاجمه أحد المواطنين عبر بعض المنابر الإعلامية بقصيدة شعرية متهماً إياه بالإخفاق والفشل وتفشي ظاهرة التلاعب في (الفيز)، فلم يتعامل د. القصيبي معه بطريقة رسمية ولم يحرك ضده دعوى قضائية أو يكلف إدارة العلاقات العامة في الوزارة بالرد عليه، وإنما خلع ثوبه الرسمي وارتدى ثوب الأدب ورد عليه بنفس الأسلوب بقصيدة شعرية قوية مفنداً كل مزاعمه واتهاماته.
رحم الله الدكتور غازي القصيبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس .. لقد كان حالةً من الكاريزما وأديباً ومثقفاً شاملاً، ولم أجد وصف للراحل أبلغ من كلمات وزير الإعلام والثقافة السعودي الدكتور عبد العزيز خوجة بقوله: « لقد خسرنا فريقاً من الرجال اجتمعوا في رجل واحد هو غازي القصيبي: غازي الإنسان.. غازي الإداري.. غازي الدبلوماسي..غازي الأديب. وداخل غازي الأديب خسرنا أكثر من أديب: غازي الشاعر.. غازي الكاتب.. غازي الروائي.. غازي الساخر... إنا لله وإنا إليه راجعون».
حقاً لقد مثل د. غازي القصيبي نموذجاً فريداً في الانجاز والإبداع والشجاعة وتحقيق الذات، كما شكل ظاهرة أدبية وإدارية مدهشة وجديرة بالتأمل والدراسة، وقدوة ينبغي أن تحتذى من قبل فئة الشباب العربي الذي هجر مصادر الثقافة الرصينة وانغمس في الجانب السطحي من ثقافة الانترنت.
ختاماً لعل من المفيد أن نعرج على قصيدته الشهيرة (رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة) التي عاتب بها الملك فهد يرحمه الله لفتور العلاقة بينهما بسبب وشاية ما والتي أطاحت به من وزارة الصحة، والتي تعتبر بحسب علمي المتواضع أول قصيدة شعرية في التاريخ الحديث تقذف بصاحبها خارج الوزارة ومن أبياتها:
بيني وبينكَ ألفُ واشٍ ينعبُ
فعلام أُسهبُ في الغناءِ وأطنبُ
صوتي يضيعُ ولا تحسُ برجعهِ
ولقد عهدتُكَ حين أنشدُ تَطربُ
واراكَ مابين الجموعِ فلا أرى
تلك البشاشةَ في الملامعِ تُعشبُ
بيني وبينكَ ألف واشٍ يكذبُ
وتظلُ تسمعهُ ولستَ تُكذبُ
خدعوا فأعجبكَ الخداعُ ولم تكن
من قبل بالزيفِ المعطرِ تُعجبُ
سبحان من جعل القلوبَ خزائنا
لمشاعرٍ لما تزل تتقلبُ
قل للوشاةِ أتيتُ أرفعُ رايتي
البيضاءَ فاسعوا في أديمي واضربوا
هذي المعاركُ لستُ أحسنُ خوضها
من ذا يُحارب والغريمُ الثعلبُ
ومَن المناضلُ والسلاحُ دسيسةٌ
ومن المكافحُ والعدو العقربُ
سأصبُ في سمعِ الرياحِ قصائدي
لا أرتجي غنماً ولا أتكسبُ
أزِفَ الفراقُ فهل أودعُ صامتاً
أم أنتَ مصغٍ للعتابِ فأعتبُ
هيهات ما أحيا العتاب مودة
تُغتالُ أو صد الصدود تقرُّبُ
يا سيدي في القلبِ جرحٌ مثقلٌ
بالحبِ يلمسُهُ الحنينُ فيكسبُ
يا سيدي والظلمُ غير مُحببٍ
أما وقد أرضاك فهو مُحببُ
لا يستوي قلمٌ يُباعُ ويُشترى
ويراعُهُ بدمِ المحاجرِ تكتبُ
أنا شاعرُ الدنيا تبطن ظهرها
شعري يشرق عبرها ويغربُ
|