الثلاثاء 2012/02/07 ( آخر تحديث ) الثلاثاء 2012/02/07 الساعة 14:49 ( صنعاء ) 11:49 ( جرينتش )
المزيد

عن الحل في لعبتي الديمقراطية و"الدحبشة"والوحدة والانفصال

2010/09/02 الساعة 22:22:02

د. محمد القاهري د. محمد القاهري

 ينظر هنا الى اللعبتين اعلاه وفق نظرية الالعاب في العلوم الاجتماعية. وحسب النظرية، لكل لعبة اطراف ورهانات (اي مكاسب منتظرة) واستراتيجيات لتحقيق تلك الرهانات. وفي اللعبة الاولى، معنا السلطة والمعارضة كلاعبين يراهنان على السلطة، ومعنا الديمقراطية والدحبشة كاستراتيجيتين لكسب الرهان. فالمعارضة، من حيث المبدأ، تتبع الديمقراطية (الحوار والانتخابات) من اجل النفاذ الى السلطة، بينما السلطة القائمة تعتمد الدحبشة (مخالفة القواعد السليمة للديمقراطية عنوة) من اجل الاستمرار في موقعها. الدحبشة تحول دون سلاسة اللعبة ومن ثم دون تمخضها عن حل مما يخلق مشكلة. كذلك مخالفة شروط الوحدة حالت دون تحقق الرهانات النزيهة لاطرافها وحولتها الى مشكلة بين طرفين : السلطة والمعارضة كلاعب،  والحراك الجنوبي كلاعب آخر. نبدأ بلعبة الديمقراطية والدحبشة ثم نتناول لعبة الوحدة والانفصال متتبعين تحول كل منهما من لعبة سلسة الى مشكلة.  

لعبة الديمقراطية والدحبشة

وفق نظرية الالعاب، المشكلة في هذه اللعبة "مشكلة تنسيق"*. والحل الامثل لمشكة التنسيق هو التناوب. فكل من اللاعين لديه حل يراه الافضل وبالتالي لا تطاوعه نفسه الاخذ بحل الآخر. المخرج اذاً هو ان نجرب حل احد اللاعبين تارة وحل اللاعب الآخر تارة اخرى. الترجمة العملية لذلك في السياسة هي تداول السلطة. ويتطلب تداول السلطة ان يحترم اللاعبان قواعد اللعبة، اي قواعد سلامة الحوار والانتخابات. لكن الدحبشة، التي نستعيرها من الخبرة الشعبية، على درجة عالية من الدقة كي تترجم مخالفة السلطة لتلك القواعد. انظروا مثلاً كيف تتحدث السلطة عن الديمقراطية بينما ترفض تحرير الاعلام وتجهض اتفاقات الحوار قبل ان يجف حبر توقيعها. اذاً مخالفة قواعد اللعبة يفسر عدم تداول السلطة حتى الآن رغم اعلاء شعار الديمقراطية واجراء الانتخابات اكثر من مرة.

لكن حتى الآن، الدحبشة في مسألة الحوار والانتخابات استنفذت مداها، لذلك فان اجراء اية انتخابات على هوى السلطة مستقبلا امر مستبعد لان المعارضة سترفضها، وكذلك امر مستبعد اجراء انتخابات بقواعد سليمة لان السلطة سترفضها. ومن ثم فأن الحل عن طريق الانتخابات يسقط وتنتهي اللعبة بقواعدها السلسة لتستبدل بعمل عضلي مثل الحرب. فما الخيارات الممكنة لكل من السلطة والمعارضة؟

الخيار البديل بالنسبة للسلطة في نهاية المطاف هو حالة الطوارئ كآلية او استراتيجية نهائية للدحبشة، سواء كانت حالة طوارئ معلنة او غير معلنة (تعمل عن طريق انقلاب عسكري او فتح جبهات حرب وبلبلة في ارجاء مختلفة من البلاد او تدخل خارجي). هذه الآلية سوف تطوي نهائياً صفحة الانتخابات والحوارات التي تعتمدها المعارضة كآليات لعملها من اجل كسب رهان الديمقراطية، الامر الذي سيجعل المعارضة بحاجة لآلية بديلة، والآلية البديلة لن تخرج حتماً عن خيار الثورة الشعبية (والتي ينبغي ان تكون مدعومة بافكار سياسية جيدة تهيئ المناخ لقطف ثمارها).

فكيف سنصل الى بدائل حالة الطوارئ والثورة الشعبية؟

كما سبق القول، لكل لعبة بالضرورة رهانات، ورهانات السلطة تتلخص في البقاء اطول وقت ممكن وفي التوريث. يتعلق الامر بعد ذلك بالاستراتيجيات المتبعة. فما استراتيجيات السلطة؟

االاستراتيجية الاولى ترتكز على محاولة فرض الانتخابات بالدحبشة، اي بشروط السلطة الخاصة. ومن مؤشرات ذلك جعل بند الانتخابات ذا اولوية في تأويل اتفاقي فبراير ويوليو، الى جانب ترتيبات مسبقة لمخالفة القواعد السليمة للانتخابات من اجل الفوز باغلبية كافية للبقاء على نفس الوضع، ومن امثلة ذلك استئناف عمل لجنة الانتخابات خارج اتفاقات الحوار او رفض تحرير الاعلام او عدم اطلاق كل المعتقلين السياسيين. لكن كل المؤشرات تقول ان اجراء انتخابات بشروط السلطة الخاصة استراتيجية لن تجدي فتيلاً. فمن ناحية قد تعجز السلطة عن اجراء الانتخابات بسبب مقاومة المعارضة لها (الحراك الجنوبي والحوثيين والمشترك). ومن ناحية اخرى، حتى لو اجريت الانتخابات فستجري بخديعة يكون حصانها "الهبارون" من حزب الاصلاح والسذج من المعارضين الآخرين مقابل ثمن باهض يدفع لهم. ولكن لان السلطة ستكون قد رمت كل ثقلها في الجانب الشكلي لاجراء الانتخابات فانها ستجد نفسها بعد الانتخابات خالية الوفاض من اي قدرة على تقديم الحلول، وستهوي بالوضع الى قاع الحضيض تماما كما حدث بعد رئاسيات 2006، ومن ثم ستجد نفسها لفترة جديدة امام وضع اشد مرضاً وفي مواجهة تذمر شعبي اشمل واعمق. اذاً، استراتيجية السلطة المرتكزة على انتخابات بشروطها الخاصة فاشلة، الامر الذي سيضعها امام الحاجة لاستراتيجية اخرى.

تلك الاستراتيجية الاخرى هي اللجوء الى حالة طوارئ معلنة او غير معلنة، لكن عجز الجيش والامن الظاهر في صعدة والجنوب تدل على ان حالة الطوارئ لن تضمن بقاء السلطة امام التذمر الشعبي القابل للتوسع والتعمق. فهل من استراتيجية اخيرة بمتناول السلطة؟

قد تكون هناك استراتيجية اخرى مشتقة من الاستراتيجيتين السابقتين وترتكز على تدخل خارجي (سعودي بالذات) سواء لتمويل الجهد اثناء وبعد الانتخابات المدحبشة او لتمويل حالة الطوارئ. ولكن التدخل الخارجي سيزيد الطين بلة لانه سيؤخر الحلول الطبيعية وسيعقدها.

فما رهانات واستراتيجيات المعارضة ازاء ماسبق؟

حسب التصور المنطقي ستراهن المعارضة على افشال رهانات السلطة ومن ثم على السيطرة على الحكم بدلاً عنها، وفي متناول المعارضة الاستراتيجيات التالية.

افشال الانتخابات بدون الشروط السليمة، ومن ثم الغاء شرعية السلطة عند 27 ابريل 2011 وابراز شرعية الحوار الوطني كبديل عنها حتى العودة الى شرعية انتخابية. وما يعزز هذا التصور هو ان المعارضة لا تملك شيئاً امام الاستحالات الظاهرة (استحالة اجراء انتخابات سليمة فيما تبقى من مدة اتفاق فبراير، استحالة التمديد مرة ثانية لمجلس النواب القائم، استحالة العمل بدون حالة طوارئ عند الفراغ الدستوري بعد 27 ابريل 2011). بل وفق هذا التصور فان الاستراتيجية الرابحة للمعارضة هي انتظار ابريل 2011 لتفعيل الشرعية الحوارية من طرف واحد، اي عودة المشترك الى لجنة الحوار الوطني الخاصة به.  

فيما لو لجأت السلطة الى استراتيجية حالة الطوارئ فإن الاستراتيجية الاضطرارية للمعارضة ستكون ابطال مفعول حالة الطوارئ وقطع امدها.  ووسيلة المعارضة لذلك ستكون تأجيج الاحتجاجات الشعبية وتأليب الرأي العام الخارجي ضد السلطة حتى اسقاطها. في هذه الحالة ستنتقل السلطة الى مواقع المقاومة وسيفتح هذا المجال للتدخل الخارجي.

استراتيجية المعارضة للرد ستكون التعامل مع التدخل الخارجي، سواء اذا حاول تثبيت السلطة القائمة او عند مراقبته للوضع بعد سقوطها. وجهد المعارضة في هذه الاستراتيجية سيتركز دائماً على تأجيج الاحتجاجات الشعبية كشاهد موضوعي على انطواء صفحة السلطة القائمة ومن ثم ثني التدخل الخارجي عن محاولات اعادتها من النافذة اذا كانت قد خرجت من الباب.

لفترة، قد تكون النتيجة العامة لخيارات السلطة والمعارضة السابقة هي غياب اي شرعية سياسية كافية لعمل اي منهما وبقاء الوضع دون حل. فهل من حلول اخرى ممكنة من الآن لارساء شرعية جديدة؟

هناك حل ممكن يتمثل في اقرار فترة انتقالية تبدأ في 28 ابريل 2011 وتنتهي في 19 سبتمبر 2013. يمكن في هذه الفترة الانتقالية الاعتماد على شرعية مشتركة توافقية بين السلطة والمعارضة، تتمثل بالنسبة للسلطة بشرعية الرئيس المنتخب والتي تنتهي في 19 سبتمبر 2013، وتتمثل بالنسبة للمعارضة بشرعية الحوار الوطني الذي ينبغي اعادة مشروعه الى الواجهة، ذلك ان اتفاق يوليو وضع لجنة الحوار الخاصة بالمشترك في الخلف لصالح لجنة الـ200. اما كيف ستتجسد على ارض الواقع تلك الشرعية التوافقية فسيعتمد الامر حصراً على تمسك المشترك بشرطين:

(1) بقاء الرئيس في منصبه بصلاحيات محدودة حتى نهاية عهدته في 2013؛

(2) مقابل ان تتولى المعارضة تشكيل حكومة انقاذ تنفرد باختيار اعضائها من المؤتمر والمشترك ويقوم الرئيس بتسميتها فقط.

 

فما المخرجات الواردة لمقترح المرحلة الانتقالية بشرعية توافقية؟

1. السلطة سترفض مقترح الحل بشرعية توافقية وحكومة انقاذ، بل واتقاءً لشر وروده سبق الرئيس وكرر طرح بديل حكومة الوحدة الوطنية. الفرق بين حكومة الانقاذ وحكومة الوحدة الوطنية هو ان الاولى ستعمل كفريق عمل مستقل قادر على تنفيذ ماستتفق عليه لجنة الـ200، بينما الثانية فريق عمل خاص بالمؤتمر سيحور ماستتفق عليه لجنة الـ200 بشكل يوافق فقط استراتيجيات السلطة الثلاث السابق الاشارة اليها، ذلك ان تواجد المشترك في حكومة وحدة وطنية سيكون شكلياً لان الوزارات القائمة الآن لاسلطة لها.  

2. لكن المعارضة رفضت كما يبدو في حينه المقترح المضاد بحكومة وحدة وطنية، والمفترض ان ترفضه من جديد في المرحلة الانتقالية كون موقع الرئيس الذي هو رئيس المؤتمر سيلغي شرعية المشترك الحوارية ليرجح كفة المؤتمر في حكومة الوحدة الوطنية وسيعيد الوضع الى نقطة الصفر.

3. وبالتالي سيكون البديل في متناول المعارضة هو اقالة الرئيس قبل 27 ابريل 2011 واختيار رئيس آخر يعين حكومة الانقاذ من المشترك والمؤتمر لتغطية المرحلة الانتقالية بالشرعية التوافقية. 

4. السلطة هنا سترفض وستتذرع باستمرارية شرعية الرئيس حتى 2013، ولا وسيلة لها لذلك الا باعلان حالة الطوارئ. لكن المعارضة ستقاوم حالة الطوارئ، ولا سبيل لها لذلك ولفرض طرحها غير الثورة الشعبية.

خلاصته:

1. على المعارضة ان تدرك من الآن انه، وما عدا معجزة، فإن مهمة ثورة شعبية تنتظرها طال الزمن ام قصر.

2. هناك احتمال ان يتخلف الهبارون في حزب الاصلاح عن مهمة الثورة الشعبية ليتحالفوا مع الرئيس ، غير ان هذا التحالف سيكون فضيحة طائفية ومناطقية، وستكون اولى نتائجة تعزز الانفصال. وفعلاً، فيما سبق تحدثنا عن اللعبة بين السلطة والمعارضة. غير ان طرف الحراك الجنوبي المطالب بفك الارتباط يوجد خارج هذه اللعبة، مما يعني انه تبقى هناك لعبة اخرى بين السلطة والمعارضة كطرف اول وبين الحراك  كطرف ثان ويجب حلها. فكيف سيكون ذلك؟ هذا ماسنعود اليه في تكملة لاحقة لهذا المقال.

---------------------

*للشغوفين بتطبيقات نظرية الالعاب في الحقل الاجتماعي وللتعاريف الخاصة بمشكلة التنسيق يمكن البحث في اي موسوعة تحت عنوان:

Game Theory: Coordination Problem.

 

Bookmark and Share


الأسم*

البريد الإلكتروني
شروط النشر:
- عدم الإساءة للأشخاص أو المقدسات أو الأديان
- عدم التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الألفاظ النابية
الموافقة على الشروط أعلاه
العنوان*

نص التعليق *
الرئيسية إعلانك في التغيير ارسل رأيك بحث متقدم تغذية RSS اتصل بنا جميع الحقوق محفوظة للتغيير نت ©