|
الصفحة الرئيسية ->
وثائق
ندوة صحيفة المصدر : أزمة الانتخابات اليمنية 2009م .. (الورقة الثانية )
2008/10/30 الساعة 22:56:03
التغيير ـ صنعاء : ورقة د / محمد محسن الظاهري رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء في الندوة السياسية التى نظمتها صحيفة "المصدر" المستقلة، بالتعاون مع الملحقية الثقافية والإعلامية بالسفارة الأمريكية، صباح الخميس 30 أكتوبر 2008، بعنوان "أزمة الانتخابات البرلمانية 2009 م ... خيارات السلطة والمعارضة".
إعداد:
د / محمد محسن الظاهري
رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء
المحتويات
الموضوع الصفحة
مقدمة............................................................................................1
أولاً: الأزمة الراهنة الجذور والمقدمات... وحدة بدون ديمقراطية....................4
1- إشكالية وجود وحدويين من دون ديمقراطيين !................................. 5
2- الوحدة اليمنية دون تقديس أو تقزيم .................... 5
ثانياً : أبعاد الأزمة ومستوياتها .......................................................6
1 - الأزمة على مستوى النظام الحزبي .........................................7
2 – تحليل الأزمة الراهنة على مستوى النظام السياسي .....................10
3- تحليل الأزمة على مستوى المجتمع والدولة ..............................16
ثالثاً :تجليات الأزمة اليمنية ...............................................................17
رابعاً: تأثير الأزمة على التطور السياسي في اليمن ...................................19
خامساً : نحو استشراف أفق التطور السياسي اليمني ................................20
سادساً: ما المطلوب ؟ .......................................................................21
قبل البدء:
قبل البدء سأبدي بعض الملاحظات:
الملاحظة الأولى: ثمة شعور بدأ يؤرقني، لما تشهده الحياة السياسية اليمنية من وقائع وأحداث، إذ تتسم بالتالي:
* هي أحداث ووقائع تبدو للمراقب والمتابع أنها متعددة ومتنوعة، ومتجددة، وتومئ إلى وجود حراك اجتماعي وسياسي، ولكنها في حقيقتها أحداث وشواهد لواقع راكد، يُعيد إنتاج أزماته ومشكلاته، وعقباته وأخطاره، بشكل مكرر، وبأردية مختلفة!
إنها أحداث ووقائع متكررة، ولكنها مراوغة ومخبوءة وراء غبار كثيف يربك المتابع والمحلل معاً، بل قد يضلل المحلل فيحسبها أحداثاً ووقائع جديدة، بينما هي في جوهرها أزمات وإشكاليات وأخطار قديمة تدثرت بعباءات جديدة. مثل أزمة شرعية، وأزمة مشاركة، وأزمة تغلغل، وأزمة تكامل وطني وأخشى أننا على وشك ظهور أزمة هوية).
وكلما تفاءلت حين سماع قرارات، وقيام أحداث وما قد يبدو حراكاً، سرعان ما يتبين لك أنها موسمية، ومُجهضة وقصيرة العمر ولا تأتي أُكلها وثمارها.
* في ظل هذا الصمم السياسي والغرور السياسي الذي يكسو المشهد السياسي اليمني؛ حيث إن الممارسين السياسيين، وخاصة الرسميين منهم، لا يأبهون بنتائج الأبحاث والندوات واستمرؤوا حكم اليمن عبر إذكاء الأزمات وتهدئتها وتسكينها دون السعي الجاد لحلها.
يبدو لي أن ثمة ذهنية تتكئ على ثقافة يمنية سائدة، مازالت في معظمها مشبعة بمقولات مُحبطة مثل: مابدا بدينا عليه, وحاكم غشوم ولا فتنة تدوم، والهروب من السيئ للأسوأ (كالتذكير دائماً بأيام الإمامة والاستعمار البريطاني).
أخشى أن نصل ، إذ لم نكن قد وصلنا بالفعل، إلى مرحلة يتم فيها الخلط بين مفهومي الثوابت والمتغيرات، بحيث يتم تكبيل حياة اليمني بالثوابت، وبالتالي يتم تحويل ذكرى الثورات والوحدة اليمنية إلى مقدسات تُعبد لذاتها ولذكراها، وتغدو بمثابة سيف مسلط على رقاب من يطالب بالتغيير ومكافحة الفساد، والمواطنة المتساوية، ودولة الحق والعدل والقانون.
* ثمة تكيف لدى اليمني، تجاه هذا الواقع المجتمعي، ربما يصل إلى درجة الموات تجاه المعاناة -باستثناء ما يحدث في بعض المناطق- وشظف العيش، وتعايش تجاه حياة منزوعة الحقوق والحريات، لدرجة قد تدفعك كباحث إلى الشك في بعض المسلمات والبديهيات بل والقوانين (كقانون كل فعل له رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه)، ومسلمة أن الحقوق والحرات تنتزع ولا تمنح، وإن الحي يتألم ويصرخ، وكالقول بأن الحكمة يمانية، و أن اليمنيين أرق قلوباً وألين أفئدة، بينما هم في الواقع بأسهم بينهم شديد، تلبستهم الأزمات وتملكتهم الحروب.
إنك كباحث قد تحبط حينما تلاحظ هذا التزاوج اليمني بين معاناة المواطن اليمني وبين استمرار تأييده لمن هم مصدر معاناته (الانتخابات مثالاً).
* أظن أنه لا يجوز التذرع فقط بارتفاع نسبة الأمية لدى كثير من اليمنيين وتدني وعيهم الاجتماعي والسياسي؛ لأن الجوع والفقر لا يحتاج بالضرورة إلى وعي صاحبه، وخاصة في ظل ثورة المعلومات.
كما آن الأوان لليمني أن يتخلص من عبء احتكار المعاناة والصبر والفقر، وما قد يبدو ابتلاء السماء بينما هو في حقيقته من تقصير الأرض " تقصير الحكومة والنخبة الحاكمة تحديداً "! وأحيانا تقصير المعارضة، خاصة حينما تعود إلى (البيات الشتوي أو الخمول الصيفي)، أو الاكتفاء بالتفاعل الموسمي مع الأزمات أو الأحداث السياسية.
* المقولة الرئيسة
سيتم محاولة اختبار المقولة التالية:
تعاني اليمن من أزمة سياسية ومجتمعية شاملة ومركبة على مستوى النظام الحزبي، والنظام السياسي، بل وعلى مستوى العلاقة بين المجتمع والدولة؛ لأسباب عدة من أهمها: افتقار التوجه الرسمي لمصداقية الأخذ بجوهر قيم النموذج الديمقراطي، والسعي لتشويهه والتحايل عليه، والاكتفاء بنقل الشكل دون الجوهر والمبنى دون المعنى. فبالرغم من محاكاة اليمنيين للخارج وتحكيمه، إلا أنهم فشلوا في نقل النموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي وتبيئته واستنباته في بيئة يمنية طاردة لكثير من قيمه، كما أنهم عجزوا عن الحفاظ على كثير من القيم اليمنية الإيجابية.
مما نجم عن ذلك ضعف كل من المجتمع والدولة، وضعف الحاكم السياسي اليمني الذي كان قوياً، بسبب إضعاف ركائز كل من المجتمع والدولة اليمنية.
وهكذا يبدو أن اليمنيين نجحوا في إعادة توحيد وطنهم اليمن الواحد الموحد، ولكنهم لم يكونوا جادين وغير مهيئين للتوجه نحو الديمقراطية والتعددية السياسية، مما أدى إلى استمرار الأزمات المجتمعية وتفاقمها.
ستكون زاوية النظر إلى طبيعة الأزمة اليمنية وتأثيرها على مستقبل التطور السياسي، والتوجه الديمقراطي اليمني وفقاً للتقسيم التالي:
أولاً: الأزمة الراهنة: الجذور والمقدمات. . وحدة بدون ديمقراطية:
تعد الوحدة اليمنية بمثابة " كاريزما " أو الشخصية الملهمة بالنسبة للشعب اليمني؛ فهذه الوحدة كانت,ومازالت, مصدراً لإلهام اليمنيين، ومعينهم الذي لا ينضب في مواجهة الصعاب والتحديات. فقد تحمل الشعب اليمني تبعات "الحروب الوحدوية" المتعددة. وبذل الغالي والرخيص في سبيل هذه " الوحدة الكاريزما ".
فإذا كانت الأدبيات السياسية قد تحدثت عن مصادر عديدة للشرعية السياسية، منها " الكاريزما " الشخصية الملهمة؛ حيث يحوز الزعيم الكاريزمي (الملهم والفذ) في وعي جماهيره ومريديه، على صفات وقدرات خارقة واستثنائية، بحيث تشكل مصدراً للشرعية السياسية، (الأعراف والتقاليد – القانون – الدين – الأيديولوجية – الانجاز، الفاعلية، الأداء)؛ فإن الوحدة اليمنية قد مثلت "كاريزما اليمنيين" وكيانهم الملهم، سواء أكانوا حكاماً أو محكومين.
1- إشكالية وجود وحدويين من دون ديمقراطيين!
على الرغم أن إعادة توحيد اليمن (الواحد) جاء مقترناً بإعلان التوجه نحو التعددية السياسية والحزبية، إلا أن حدوث تقاسم لسلطة الدولة الوليدة بدلاً من توحيدها قد شكل عائقاً أمام تأدية دولة الوحدة لمهامها ووظائفها وحدّ من فعاليتها. كما أن قيام توازن سياسي مستنداً إلى توازن عسكري (حيث بقي الجيش مجزأً فعلياً) قد ألحق الضرر بديمقراطية الوحدة؛ فقد كان التلازم بين الوحدة والتوازن العسكري أكثر منه بين التعددية السياسية والوحدة!
وفي هذا السياق يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
* إن الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية في اليمن وليدة نظامين شطريين شموليين، ولم تكن حاصل جمع نظامين سياسيين ديمقراطيين، ومن ثم لا يستطيع أي نظام شطري الزعم بأنه كان أكثر ديمقراطية من نظام الشطر الآخر، ومن ثم فإن محاولة العودة إلى التشطير والانفصال بحجة عدم ديمقراطية دولة الوحدة؛ لم تكن سوى تحقيق هدف من يرفعون شعار أو دعوة الانفصال.
* أثبتت أزمة الانفصال أو حرب صيف 1994م أن "التوازن" الذي قامت على أساسه الوحدة اليمنية كان "توازنا صراعياً"، وفي غير صالح الوحدة والديمقراطية في اليمن. ومن ثم فقد كانت هذه الأزمة والحرب امتحاناً عسيراً وكاشفاً لطبيعة العلاقة "وهشاشتها" بين الوحدة والديمقراطية.
وإذا كانت الوحدة اليمنية (دولة الوحدة) قد مثلت إطاراً لاختبار مدى الاعتراف بالآخر السياسي، فإن استقراء الواقع السياسي اليمني الراهن يدفع إلى القول بفشل فرقاء العمل السياسي في الاعتراف بالآخر والتعايش معه
* إن الوحدة اليمنية ليست عباءة يلبسها البعض ويخلعها متى يشاء. كما أن الديمقراطية والتعددية السياسية أكبر من شعار يعلن أو لوحة إعلانية ترفع.
* إن الوطن اليمني الموحد لا يحتمل الديكتاتورية والوحدة معاً؛ فالواقع المجتمعي لم يعد مهيئاً لقبول الوحدة من دون ديمقراطي أو نهج ديمقراطية لأنهما أصبحا وجهين لكيان وطني يمني ديمقراطي واحد.
فلا ديمقراطيه مع تشطير ولا وحده مع ديكتاتورية.
2- الوحدة اليمنية دون تقديس أو تقزيم:
بادئ ذي بدء يتعين التقرير هنا، أن الوحدة اليمنية واجب ديني وضرورة وطنية واحتياج سياسي ومطلب اقتصادي. ومنهاجياً:
يتعين علينا أن نفرق بين الوحدة كمنجز عظيم، وبين إخفاقات النخبة الحاكمة. فالوحدة هي ملك للجميع ولا يصح تحميلها فشل الحكومات المتعاقبة، وهذا لا يمنع محاسبة النخبة الحاكمة والحكومات المتعاقبة ومعاقبتها.
إن زاوية النظر إلى الوحدة اليمنية يتعين أن تكون بمنأى عن التقديس أو التقزيم. فثمة حقوق للوحدة علينا، وبالمقابل هناك حقوق للمواطنين من الوحدة. من حق الوحدة علينا أن ننظر لها على أنها:
أ- واجب ديني:
يقول تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا".
فالإسلام طالبنا بالتوحد، لأن في الوحدة قوة وحماية للدين.
ب - ضرورة وطنية:
فتجزئة الوطن اليمني الواحد فيه إهدار لوحدة التراب اليمني. بينما توحيد الوطن فيه تعزيز للولاء الوطني، وتحقيق للاندماج الوطني، وتعميق الهوية اليمنية العامة المشتركة.
ج - احتياج سياسي:
فتحقيق الوحدة فيه استقرار سياسي واجتماعي لليمن مجتمعاً ودولة، وفيه تعزيز لشرعية النخبة الحاكمة والنظام السياسي بشكل عام.
د - مطلب اقتصادي:
فنحن نعيش الآن عصر التكتلات الكبيرة، ولا مكان فيه للدول أو الكيانات الصغيرة المشطرة والمجزئة. ويفترض أن تحقيق الوحدة أو إعادة تحقيقها فيه تجميع للموارد الاقتصادية المفرقة.
* كما أن من حق الوحدة علينا أن نفرق بينها كمنجز عظيم، وبين تدني أداء الحكومات اليمنية المتعاقبة ،ومن ثم اهتزاز شرعية النخبة الحاكمة.
أما حقنا على الوحدة (حق المواطن على الوحدة):
1) إن الوحدة ليست هدفاً لذاتها، وإنها بما تحقق للمواطن اليمني من حياة كريمة واستقرار اجتماعي وسياسي واقتصادي.
فالوحدة اليمنية ليست مفهوماً مقدساً، ولا صنماً يُعبد. وليس مطلوب من اليمنيين أن يتحملوا تبعات إخفاقات الحكومات اليمنية المتعاقبة. منذ قيام دولة الوحدة حتى الآن.
2) رغم أهمية توحيد الوطن اليمني جغرافيا وسياسياً, إلا أن الأهم أن تأتي الوحدة ثمارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فلا ننسى أن إعادة توحيد الوطن اليمني في 22 مايو 1990م قد ولّد لدى اليمنيين ما يمكن تسميته بثورة توقعات من هذه الوحدة، توقعات بحياة يسودها الأمن والاستقرار والحياة الهانئة والشريفة. ولهذا يجب أن تسيج الوحدة بتوفير حياة كريمة لكل اليمنيين، وإيجاد دولة العدل والحق والقانون.
ثانياً: أبعاد الأزمة ومستوياتها:
على الرغم مما قد يبدو للمتابع من أن الأزمة اليمنية الراهنة مجرد أزمة مرتبطة بالانتخابات البرلمانية القادمة، المنوي إجراؤها في شهر إبريل من العام القادم، إلا أن الأزمة التي تعاني منها اليمن أكثر تعقيداً وتركيباً من مجرد التسابق للحصول على مقاعد معينة في البرلمان.
إنها أزمة مجتمعية شاملة, ذات أبعاد سياسية، واجتماعية واقتصادية ، وثقافيه وأمنية.
إن الانتخابات اليمنية -سواء كانت رئاسية أو محلية أو برلمانية- ماهي إلا بمثابة مناسبة كاشفة لأزمات اليمن مجتمعاً ودولة.
سيتم هنا، تناول الأزمة اليمنية على مستويات ثلاثة: على المستوى الحزبي، يليه مستوى النظام السياسي، وأخيراً على مستوى علاقة المجتمع بالدولة.
1 - الأزمة على مستوى النظام الحزبي:
على الرغم من إعلان التعددية السياسية والحزبية في اليمن منذ عام 1990م، إلا أنه يلاحظ أن النظام الحزبي في اليمن يعاني من أزمات عدة، سواء على المستوى الوظيفي أو علاقته بالديمقراطية.
حيث يلاحظ أن التفاعلات بين الأحزاب السياسية -حاكمة ومعارضة- تعاني من عدة مثالب منها:
* يلاحظ أن غالبية الأحزاب السياسية تجمع بين ديمقراطية الرؤية والتصور، واستبدادية النهج والممارسة؛ فهي ترتدي عباءة الديمقراطية إبان صياغتها لبرامجها السياسية والانتخابية، وتمارس في آن واحد، أعمال القهر والتسلط تجاه معارضيها ومخالفيها في الرأي.
* إن هذه الأحزاب تمارس ما يمكن تسميته بـ "التُقية السياسية". وفي هذا السياق، على المستوى المنهاجي والبحثي يتضح محدودية الاكتفاء بتحليل مضمون خطابها وبرامجها السياسية؛ فهي حينما تتحدث عن مفهوم الديمقراطية تقصد بها "ضمناً" الاستبداد! وحينما تتكلم عن العدل تعني به الظلم! وحينما ترفع شعار " التداول السلمي للسلطة " ترمي إلى " التناوب العنيف والدموي للسلطة "! أو في أحسن الأحوال التمديد السلمي للسلطة.
* يلاحظ أن من أسباب أزمة الديمقراطية لدى كثير من الأحزاب في وطننا اليمن، أن المستبد، سواء كان حاكماً سياسياً أو زعيماً حزبياً، قد حَوَّر "الحزبية" مفهوماً ووظيفة. فغدت "عملة سياسية سيئة السمعة " نتداولها فيما بيننا في حين أنها كانت، ومازالت، لدى الآخرين آلية تحديثية فاعلة، مجتمعياً وسياسياً!
إن الظاهرة الحزبية اليمنية، يراد لها أن تقوم بمهام: تجميع مصالح الحاكم لا المحكوم! وغرس ثقافة الظلم لا العدل، وقيم السلبية والخنوع لا المشاركة والاقتدار! وإضفاء شرعية بقاء الشخصية الحاكمة " الملهمة في الاستبداد " لا الرشيدة في الانجاز، وبذلك فإنها ترسخ ما بدأته السلطات الحاكمة منذ أمد بعيد، ولكن بأسلوب جديدي، يواكب الانفتاح والعولمة لفظاً ويخالفهما ممارسة وسلوكاً، كما واكبت الديمقراطية الغربية قبل ذلك لفظاً، أيضاً، وخالفتهما معنى.
أ- نظام حزبي مستقطب يمارس مهام اختزالية:
لم ينجح النظام الحزبي من معضلة الاستقطاب الثنائي الذي تعرفه الحياة السياسية اليمنية. إذ يلاحظ أن الخارطة الحزبية اليمنية مستقطبة في ثنائيات، حيث يضم النظام الحزبي في اليمن إلى جانب المؤتمر الشعبي العام (الحاكم):
* تكتل أحزاب اللقاء المشترك، ويضم ستة أحزاب. وهذا التكتل يمثل المعارضة الحزبية التي استطاع أربعه منها الحصول على مقاعد في البرلمان، وتمثل المعارضة الفاعلة نسبياً، بل إنها بمثابة العمود الفقري للمعارضة.
* أحزاب المجلس الوطني للمعارضة، ويضم ثمانية أحزاب، وتلاحظ موالاتها للنخبة الحاكمة، وليس لها تمثيل في البرلمان، ولا تشكل تأثيراً سياسياً واضحاً في الحياة الحزبية اليمنية.
ب- علاقة حزبية بينية مأزومة وغير ديمقراطية:
في هذا الصدد، يمكن التقرير بأن العلاقة الحزبية البينية في إطار النظام الحزبي تتسم بكونها مؤقتة، قصيرة العمر، موسمية، مستنسخة ومفرخة ومستقطبة، وتكتيكية، وتفتقر للرؤية الاستراتيجية. إضافة إلى كونها إقصائية وسلطوية، وتسعى لنفي الآخر السياسي، كما أنها مترحلة (تتكئ على ثقافة الترحال السياسي).
كما أن هذه الأحزاب اليمنية (حاكمة ومعارضة) اختزالية الوظائف والمهام. حيث يلاحظ أن غالبية هذه الأحزاب لا تقوم بأداء الوظائف المتعارف عليها في النظم السياسية الديمقراطية. فهذه الأحزاب تختزل الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الوظيفة السياسية، وهذه الوظيفة الأخيرة تختزل في وظيفة تعبوية تُفعل بشكل موسمي في الانتخابات وتنتهي بانتهائها.
ج- علاقة حزبية بينية صراعية تفتقر للمصداقية:
إذا كنا قد أشرنا آنفاً أن تكتل أحزاب اللقاء المشترك يمثل المعارضة الحقيقية في اليمن. إلا أن حزب المؤتمر الشعبي العام (الحاكم) قد سعا إلى محاولة إضعاف هذه المعارضة عبر خطوة اتخذها مؤخراً معلناً بتاريخ 23/ 7/ 2008م بـ "التحالف الوطني الديمقراطي" الذي وقع بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب المجلس الوطني للمعارضة، إضافة إلى حزب البعث الاشتراكي القومي والتنظيم السبتمبري الديمقراطي.
وعلى الرغم من جواز التحالفات السياسية، إلا أن اليمن تشهد ظاهرة غير سوية سياسياً حين تشهد تحالفاً هو أقرب إلى النكاية السياسية منه إلى المصداقية والفاعلية.
وما تحالف حزب المؤتمر الشعبي والأحزاب آنفة الذكر إلا دليل على هذا الاستنتاج.
فبدلاً من اعتراف المؤتمر الشعبي العام والنخبة الحاكمة بالإخفاق وعدم النجاح في معالجة الأزمات وتحمل المسؤولية، يتم تحميل الخصم السياسي (هنا اللقاء المشترك) تبعات هذا الإخفاق، والتوجه إلى محاولة ما يمكن تسميته بإحياء "الرميم السياسي" ممثلاً في مسميات أحزاب، وهي بمثابة "خيال مآته" "أحزاب المجلس الوطني للمعارضة" لا تشكل وزنا ولا ثقلاً في الساحة السياسية اليمنية!
إن ثمة دلالات وأهدافاً يسعى إليها الحزب الحاكم من التحالف مع أحزاب مفرخة ومستنسخة من أحزاب المعارضة الأم، ومن هذه الدلالات والأهداف.
* السعي لإضعاف الخصم السياسي (أحزاب اللقاء المشترك) عبر تكتيك تقوية الجزء (أحزاب المجلس الوطني للمعارضة وبقية الأحزاب)؛ بهدف إضعاف الكل (المعارضة اليمنية وفي مقدمتها أحزاب اللقاء المشترك التي أثبتت وجودها السياسي في الحياة السياسية اليمنية)، ومحاولة كسر احتكار أحزاب اللقاء المشترك للمعارضة عن طريق محاولة إحياء أحزاب الموات السياسي، وربما يلقي لها ببعض المقاعد الانتخابية كي تكون من المعارضة.
* وفي هذا السياق، ومن خلال متابعة الأحداث الراهنة أكاد أصل إلى استنتاج مفاده أن المعارضة اليمنية (تكتل أحزاب اللقاء المشترك) أوشكت على الانتقال من مرحلة القيام بدور المسوغ والمشرعن لديمقراطية شكلية هشة ديكوريه يختبئ وراءها نخبة حاكمة مستبدة وفاسدة، إلى مرحلة القيام بدور المعارضة الحقيقية والفاعلة التي ستعزز قيام معارضة مقتدرة سياسياً واجتماعياً تطرح نفسها بديلاً محتملاً للحكومة والنخبة الحاكمة القائمة.
د- علاقة حزبية حوارية أقرب إلى الصمم السياسي:
يلاحظ أن السمة العامة للثقافة السياسية اليمنية أنها ثقافة غير حوارية. فاليمنيون، في الأغلب الأعم لا يتحاورون فيما بينهم، وإن تحاوروا فإن حوارهم، غالباً، ما يفتقر لأهم متطلبات نجاح الحوار مثل وجود الثقة السياسية بين المتحاورين، والالتزام بمخرجات الحوار والوفاء بما تم الاتفاق عليه.
ولذا فإن ما يجري بين فرقاء العمل السياسي في اليمن هو أقرب ما يمكن تسميته ب"الصمم السياسي"، حيث يلاحظ أن جولات الحوار الحزبي – الحزبي قد اتسم بالآتي:
* غياب المصداقية في العمل السياسي، خاصة من جهة النخبة الحاكمة. للأسف يلاحظ أن اليمنيين يجعلون من أماكن لقاءاتهم أقرب إلى جلسات المقيل، يفتقر إلى الالتزام والوفاء بما يتفقون علي في لقاءاتهم واتفاقاتهم، وإعلانات ما يسمونه بـ (إعلان المبادئ).
ومما يزيد الطين بلة، أن السلطة تجعل من الحوار وسيلة لكسب الوقت، أو إن شئت الدقة، مضيعة للوقت، بحيث تتحول دعوات الحوار إلى " وعود عرقوبية " أقرب إلى المسكنات والمهدئات منها إلى حل المشكلات وتفادي الأزمات.
* إشكالية أن اليمنيين لا يتحاورون في الأغلب الأعم. وإن تحاوروا، يتحاورون في وضع مأزوم، وهو حوار أقرب إلى التكتيك منه إلى السعي الجاد لتخطي الأزمات والسعي لحلها.
* إنه حوار طرشان، بسبب الصمم السياسي الذي يكسوا المشهد السياسي والحياة السياسية اليمنية.
* إنه حوار يفتقر إلى وجود رؤية للتغيير والإصلاح السياسي.
* إنه حوار لا يتكئ على توازن بين المتحاورين بسبب ضعف المعارضة وزهد المحكومين في الحصول على حقوقهم وحرياتهم.
* إنه حوار لم يصل فيه صانع القرار السياسي إلى الاعتراف بوجود أزمة، ثمة استعلاء سياسي لدى النخبة الحاكمة، يفقدها البوصلة الضرورية لتحديد مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي.
* للأسف، يبدو أن الجانب الحكومي (المؤتمر الشعبي العام) لم يقتنع بضرورة الحوار؛ لأن ثمة ما يمكن تسميته بـ "ثقافة الغرور السياسي" الذي يتملك المؤتمر الشعبي العام والحكومة اليمنية، صحيح أنه يحصل في الانتخابات (البرلمانية - المحلية - الرئاسية) على الأغلبية، ولكن من الصحيح أيضاً أنه يحصل على هذه الأغلبية بسبب الوعود الانتخابية والبرامج التي يعد بتنفيذها.
والإشكالية هنا، أن المواطن اليمني تتملكه ثقافة الزهد في الحصول على الحقوق والحريات، كما أنه مازال أقرب إلى التكيف مع حياة الكفاف وأدنى من الكفاف، وما تزال الأبوية السياسية متأصلة في الثقافة السياسية السائدة لكثير من اليمنيين.
* وفي هذا السياق، تتحمل المعارضة السياسية جزءاً من المسؤولية، وعليها أن تتحرر من أثار عقدة الخوف التي مازالت مسيطرة عليها. وعليها تفعيل شعارها " النضال السلمي لنيل الحقوق والحريات".
الإشكالية أن هناك في اليمن حواراً سيفياً في مقابل غياب الحوار السلمي، ثمة ظاهرة تشهدها الساحة السياسية اليمنية تتمثل في:
غياب ثقافة الحوار السلمي في مقابل حضور ثقافة الحوار السيفي، وهذه الثقافة يبدو أنها تستند إلى مقولة " لا يجتمع سيفان في غمد واحد " وهي ثقافة غير ديمقراطية، وغير متسامحة.
* وفي هذا السياق يتعين " شعبنة مفهوم الحوار" بمعنى: تحويل الحوار من حوار رسمي إلى حوار شعبي.
أنصح أحزاب المعارضة "اللقاء المشترك" إعادة تعريف مفهوم "الحوار" بدلاً من أن يكون حواراً رسمياً (أي حوار المعارضة مع النخبة الحاكمة) يغدو حواراً " حزبياً – شعبياً".
ليكون حوار حزبياً داخلياً (حوار أحزاب المعارضة مع كوادرها وقواعدها وأنصارها في إطار كل حزب "حوار داخلي")، ثم حوار حزبي بيني (بين قيادات أحزاب اللقاء المشترك مجتمعة وبين كوادر وقواعد هذه الأحزاب وأنصارها "بمعنى حوار حزبي بيني").
ثم حوار " حزبي شعبي ": أي حوار الأحزاب وقياداتها مع المواطنين اليمنيين غير الحزبيين؛ لأن المؤتمر الشعبي -أو بمعنى أصح النخبة الحاكمة- ليست جادة في الحوار مع المعارضة، لأن ثمة استعلاء أو " غرور سياسي " بسبب أن المؤتمر يحصل على أغلبية الأصوات في الانتخابات (أغلبية مريحة – أغلبية كاسحة).
* ما يؤرقني كيمني، أن كثيراً من التحالفات السياسية، والمبادرات والاتفاقات والحوارات السياسية التي تشهدها الحياة السياسية اليمنية هي أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ "الحمل السياسي الكاذب" تحسبه سيلد إنجازات وإصلاحات سياسية، ولكنك تفاجأ أنه كان سراباً سياسياً لا يطفئ الظمأ السياسي الذي تشهده الحياة اليمنية، بل إنه أحياناً يكون حملا يلد أزمات وحروباً وعدم استقرار سياسي.
ثورة قامت منذ 46 عاماً، ووحدة أعيدت منذ 18 عاماً، ومازلنا نتقاتل فيما بيننا، ونسمع لهم دعوات انفصالية، تقابل بعمليات فساد وإفساد وهروب رسمي من تحمل المسؤولية، والخاسر هو اليمن مجتمعاً ودولة.
إن التحالفات السياسية في اليمن في أغلبها، عقيمة سياسياً لا تثمر، وقصيرة العمر، تفتقر للمصداقية وغياب الثقة بين المتحالفين وإن أعلنوا ذلك.
2 – تحليل الأزمة الراهنة على مستوى النظام السياسي:
يعاني النظام السياسي اليمني أزمات عدة بدءاً بأزمة تكامل وطني، وأزمة تغلغل، ومروراً بأزمتي شرعية ومشاركة، وانتهاءً بأزمة توزيع وتدني قدراته الاستخراجية والاستجابية.
أ- أزمة تكامل وطني (أزمة هوية):
يقال إن مجتمعاً ما, يعاني من أزمة تكامل وطني وأزمة هوية عندما تكون انتماءات أفراده وولاءاتهم متجهة نحو كيان محلي محدود, أدنى من الوطن والدولة(كالولاء للقبيلة, الطائفة القوية, السلالة, المنطقة).
على الرغم من أن اليمن عبر تاريخها السياسي الطويل قد عرفت ظاهرتي التوحد والتجزؤ، فإن قيام دولة الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م قد أعلن دخول اليمن عصر الدولة الموحدة. ولكن الأحداث الأخيرة التي عاشتها اليمن بدءاً من عام 1994م وحتى الآن، تجعلنا ننبه إلى خطورة دخول اليمن أزمة تكامل وطني، وربما أزمة هوية.
صحيح أننا أثبتنا في بعض دراساتنا أنه رغم أن اليمن بلد القبائل والعصبيات الكثيرة، إلا أنها تتمتع بهوية حضارية واحدة، حيث يُجمع اليمنيون بشتى انتماءاتهم القبلية والمذهبية على هوية حضارية مشتركة هي " الهوية اليمنية " في إطار هوية أوسع وأعم هي الهوية العربية الإسلامية، إلا أن ما يحدث في المحافظات الجنوبية من اليمن الموحد ينذر بحضور أزمة تكامل وطني. حيث ظهرت شعارات ومفاهيم في غير صالح الوحدة اليمنية، مثل ترديد مقولات ومفاهيم مثل " المسألة الجنوبية"، و "دولة الجنوب العربي"، وكذلك مفهوم "القضية الجنوبية" بدلاً من أن تكون " القضية الوطنية ".
والخشية هنا، أن يتحول ما يحدث في المحافظات الجنوبية من قضية مطلبية إلى أزمة هوية وتكامل وطني.
صحيح أن النخبة الحاكمة قد استنزفت شرعية الوحدة دون الانتقال إلى شرعية الإنجاز وفاعلية الأداء، ولكن من الصحيح أيضاً أن القضية ليست قضية جنوبية أو قضية شمالية، بل إن القضية تتمثل في غياب كثير من الحقوق وانتهاك الحريات في غالبية المحافظات الجنوبية والشمالية على حد سواء.
ورغم أنني أتفهم ما يعنيه أخوتي في الحافظات الجنوبية عندما يرفعون بعض الشعارات، لكنهم يقدمون للنخبة الحاكمة الحجة لاستخدام وسائل القهر والبطش، وظلم الوحدة اليمنية، فالوحدة اليمنية براء من تدني أداء النخبة الحاكمة.
وفي هذا السياق ينبغي التنبيه والتحذير معاً إلى أن اليمن قد عرفت عبر تاريخها الوسيط والحديث ما عُرف بالدويلات أو الكيانات السياسية المتزامنة والمتعاقبة، حيث زادت على اثنتي عشرة دولة (خلال الفترة من عام 821م إلى ما قبل سبتمبر 1962م).
إن الأحداث الراهنة توشي بفشل النخبة الحاكمة في الحفاظ على الوحدة، وترسيخ مفهوم الوحدة من خلال التعدد، فلا يكفي أن يكون نائب رئيس الجمهورية من محافظة جنوبية ما، أو رئيس الوزراء من محافظة جنوبية أخرى. فليتم تمثيل هذه المحافظات كبقية المحافظات اليمنية شمالها وجنوبها، ولكن في إطار ما يمكن تسميته بـ " التمثيل في إطار الأكفاء، بحيث يتم تمثيل المناطق جغرافياً ولكن في إطار الكفاءة وقوة الشخصية والنزاهة وحضور الإرادة، وليس في إطار تقديم الثقة على الكفاءة كما يحدث الآن، أو قبول الكفء حبسه لكفاءته؛ ثمناً لبقائه في منصبه الرسمي لأطول فترة ممكنة.
كما يتعين التذكير هنا، أنه عندما تغيب عدالة الدولة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية يحضر الانتماء إلى ما قبل الدولة، ويتم تهديد التكامل القومي والهوية الوطنية.
ب- أزمة تغلغل (عدم تكامل إقليمي):
يقال إن نظاماً سياسياً ما يعاني من أزمة تغلغل أو عدم تكامل إقليمي عندما تعجز السلطة المركزية عن فرض سيطرتها وسياساتها على كامل إقليم الدولة، أو عدم قدرتها على التغلغل والوصول إلى كافة مكونات المجتمع وقطاعاته.
على الرغم من أن حرب أو أحداث صعدة تعد بمثابة أحداث كاشفة لعدة أزمات يعاني منها النظام السياسي؛ إلا أن هذه الأحداث شاهدة على وجود أزمة تغلغل. إذ يلاحظ عدم قدرة الحكومة اليمنية على التغلغل والوصول إلى جميع أنحاء إقليم الدولة اليمنية (مهما قيل حول صعوبة التضاريس ووعورة جبال منطقة صعدة). فها هو اعتراف رسمي (حكومي) عبر وزير الداخلية السابق بأن حسين بدر الدين الحوثي قد استطاع ممارسة نشاطات غير دستورية منذ العام 1997م وحتى عام 2004م، منها منع المواطنين عن أداء الزكاة لأجهزة الدولة، والقيام بشراء أسلحة، وانتشار مليشيات مسلحة.
ورغم سعادتنا بإعلان وقف إطلاق النار في محافظة صعدة ووقف نزيف الدم اليمني وهدر الإمكانات، إلا أن ما يحز في النفس أن الحكومة اليمنية ما يزال أسلوبها في تعاملها مع الأزمات اليمنية، أقرب إلى استخدام أسلوب المهدئات والمسكنات بدلاً عن تبنيها لاستراتيجيات حل الأزمات اليمنية المتكاثرة.
ج - أزمة شرعية: العجز عن الانتقال من شرعية الوحدة إلى شرعية الانجاز والإشباع والأداء
* إن اتساع الوطن اليمني عقب توحيده يعد من أهم مصادر شرعية السلطة الحاكمة القائمة. ومن ثم فإن كلفة محاولة تهميش النهج الديمقراطي أو تغييبه قد يؤدي على المدى المتوسط والطويل إلى تمزيق الوطن وتشطيره، وهذا يفترض ألا يقبل به الحاكم الذي يعتبر الحفاظ على الوحدة من أهم المنجزات التاريخية لحكمه.
* يلاحظ أن الوحدة اليمنية تعد بمثابة "المتكأ" الذي تستند إليه الديمقراطية اليمنية، إذ غدت هذه الوحدة من أهم مصادر شرعية النظام السياسي اليمني، بل يمكن القول إن شرعية الوحدة قد حجبت شرعية الإنجاز التي يفترض أن تستند إليها الحكومة اليمنية.
إن من أهم مواطن ضعف التجربة الديمقراطية في اليمن أن اليمنيين يصفون الحدث أو المنجز دون السعي لجني ثماره!
فقد أعاد اليمنيون توحيد وطنهم الواحد، وأعلنوا التوجه نحو التعددية السياسية والحزبية، وأجروا انتخابات نيابية ورئاسية ومحلية، ولكنهم اقتتلوا عام 1994م، وكذلك عرفت صعدة حروباً خمسة منذ 2004 وحتى الآن.
وهكذا يلاحظ أن اليمنيين يصنعون أحداثاً ويوجدون من المؤسسات والآليات الحديثة، ولكنها لا تؤتي أكلها ولا يجني اليمنيون ثمارها.
* إشكالية استنزاف شرعية الوحدة دون الانتقال إلى شرعية الإنجاز وفاعلية الأداء:
على الرغم من ارتباط إعلان التوجه نحو الديمقراطية والتعددية السياسية بإعادة تحقيق الوحدة، واستنتاجنا بأن هذه الوحدة كانت بمثابة "كاريزما" الشعب اليمني وشخصيته الملهمة، إلا أنه يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
-إذا كان ضمن ما يحسب للرئيس على عبدالله صالح (ومعه كل الوحدويين من أبناء الشعب اليمني وقواه الاجتماعية والسياسية) على دولة الوحدة إبان أزمة الانفصال، إلا أن المتتبع للواقع اليمني يلحظ أن النظام السياسي لدولة الوحدة، قد اتكأ كثيراً على شرعية الوحدة بحيث جعل من الوحدة اليمنية بمثابة المعين في توليد قدرته الرمزية، دون السعي الجاد لتعظيم بقية قدراته ووظائفه.
كما يبدو أن الحكومة اليمنية قد اكتفت إلى حد "الزهد" بالركون إلى شرعية هذه "الوحدة الكاريزما" دون الالتفات إلى ضرورة الانتقال من شرعية الوحدة إلى شرعية الإنجاز والإشباع وفاعلية الأداء.
د- أزمة مشاركة وأزمة وعي سياسي رغم حضور الانتخابات:
على الرغم من أن الجذور التاريخية للمشاركة السياسية في اليمن تعود إلى التاريخ القديم, حيث يذهب كثيرٌ من الباحثين إلى أن اليمنيين قد عرفوا نوعاً من المشاركة السياسية عبر المجالس النيابية التي كانت بمثابة مجالس استشارية للدولة, مكونة من ممثلي المدن ورؤساء القبائل، وكانت هذه المجالس تسمى ب"المزواد" أو "المسود" ؛إلا أن النظام السياسي اليمني الحالي يعاني من أزمة مشاركة سياسية. فبالرغم من معرفة اليمن لثلاث دورات انتخابية برلمانية, ودورتين انتخابيتين رئاسيتين, وكذلك دورتين انتخابيتين للمجالس المحلية؛ إلا أنة يمكن القول إن ثمة أزمة مشاركة يعاني منها النظام السياسي اليمني, بل وأزمة وعي سياسي رغم حضور الانتخابات.
صحيح أن كثيراً من اليمنيين يذهبون إلى صناديق الاقتراع ويشاركون في الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات, وهذا قد يبدو مؤشراً على أن اليمني يشارك سياسياً عبر الانتخابات, حيث تعد الانتخابات من أهم مؤشرات المشاركة السياسية وشواهد وجودها. وكما أنها من أهم وسائل تداول السلطة وتناوبها سلمياً في إطار المجتمع والدولة.
إضافة إلى أن الانتخابات العامة لا تقتصر على القوانين والإجراءات المنظمة لها فحسب, بل هي عملية اجتماعية, وسياسية, وثقافية تتأثر بإطارها المجتمعي العام.
إلا أن من الصحيح أيضاً أن ثمة إشكالية في هذا السياق, حيث إن الناخب اليمني يشارك في الانتخابات اليمنية، ليس على أساس المفاضلة بين البرامج السياسية والانتخابية للأحزاب ووفقاً للاختيار الرشيد، بل وفقاً لثقافة "داعي القبيلة" أو تلبية لمصلحة شخصية أو مناطقية, أو رغبه في الحصول على المال السياسي، أو خوفاً من الترهيب, بل يبدو أن كثيراً من الناخبين اليمنيين ما زالوا أسرى لمقولة "سيف الحاكم وذهبه".
وبالتالي فإن المحصلة النهائية لهذه الانتخابات -سواء كانت برلمانية أو رئاسية أو محلية- العجز عن تحقيق أهدافها المعلنة، إذ عجزت من إدارة الصراع السياسي سلمياً, وفشلت في تفعيل مبدأ تداول السلطة وتناوبها سلمياً!
<p class="MsoNormal" dir="R
 |
| 1 - شهد |
| صنعاء |
 |
|
|
|
|