اليمن ومأزق الحرب
قبل 14 سنة, 2 شهر
بقلم :عبد الباري طاهر
تدخل الحرب في مران في جبال صعدة شهرها الثالث. ورغم التعتيم الاعلامي والاعلانات الحكومية المتكررة عن نهاية الحرب الا ان ذيول الحرب لاتزال مستعرة.
لاشك ان لوعورة جبال شمال الشمال في اليمن دخل في اطالة امد الحرب. ولكن وعورة المنطقة على خطورتها لا تكفي لتفسير استمرار المواجهة. فالجيش اليمني يمتلك خبرات وقدرات كبيرة تسمح له بتحدي البيئة التي هو ابنها. ولكن تعقيدات اخرى تسهم في استمرار الحرب..
لعل اخطرها دخول القبائل على خط المواجهة. فالنظام القبلي في اليمن بالغ الحساسية والتعقيد. وتمتلك القبائل اليمنية ذاكرة راعبة في الحرب والفتن الداخلية ومواجهة الآتين تمتد لمئات السنين. فقد استعصت هذه المنطقة تحديدا على الخلافة الاموية والعباسية.
واقام الهادي يحيى بن الحسين الدولة الزيدية والتي استمرت متقطعة حتى قيام الثورة 1962. وقاومت هذه الدولة الايوبيين والرسوليين لقرون والاتراك لاكثر من قرن من الزمان. كما قاومت الثورة وجيش عبدالناصر لما يقرب من ثماني سنوات.
والواقع ان هذه المنطقة قد حرمت من الخدمات وبقيت معزولة عن جسد الدولة منذ انبلاج فجر سبتمبر 62 اولا بسبب المواجهة العسكرية، وثانيا كمراعاة للجارة العربية قبل ترسيم الحدود. ومنذ السبعينيات بعد المصالحة الوطنية بين الجمهوريين والملكيين بقيت المنطقة او أصبحت ميدانا لتجارة السلاح والتهريب وظل تواجد الدولة فيها شكليا. وانحصرت علاقات وصلات الدولة فيها بكبار المشايخ وزعماء العشائر الذين اصبحوا او شكلوا سندا منيعا بين الدولة والمواطنين. فالقبيلة لا تتعامل مع الدولة الا عبر شيخها كما ان الدولة هي الاخرى تتعامل مع المنطقة عبر الشيخ الذي هو شديد الحرص على بقائها معزولة كحرصه على انفصالها عن الدولة والمجتمع اليمني.
وكانت تجارة السلاح والحروب والثارات والتهريب هي " الصناعة الثقيلة" . وقد استجد عامل اضافي ساهم في مأساة المنطقة ومأزق وضعها. فقد فر مطلع الثمانينيات احد اتباع جهيمان العتيبي ـ زعيم تمرد الحرم المكي واسس مدرسة سلفية في دماج ـ صعدة ـ ووفد اليه المئات والآلاف من مختلف المناطق وكان يلقى الرعاية والعون من الحكومة اليمنية وغيرها. فاليمن يهمه اضعاف انصار الامامة والتشيع بينما تطمح احدى الجارات في نشر مذهبها في منطقة حدودية وحساسة ويكون رد فعل ابناء المنطقة ابعد من الزيدية والهادوية.
فقد بدأت بذور اتجاه مذهبي متشدد حظي بدعم الدولة لاسباب سياسية تكتيكية لها علاقة بالتنافس الحزبي والمكايدة السياسية وبالأخص بين الاصلاح والمؤتمر الشعبي وحزب الحق ـ ذي القاعدة الزيدية. ومن البديهي ان تكون الغلبة للتشيع في منطقة تمتد ذاكرتها فيه الى ما يقرب من الف عام. فانتشر الاتجاه سرعة البرق ووصل الى مساجد صنعاء وذمار رافعين راية " الشباب المؤمن ".
ومثل ترسيم الحدود اليمنية السعودية واغلاق الحدود من جانب السعودية ذروة الازمة. فالمنطقة التي عاشت على التهريب وتجارة السلاح تجد نفسها فجأة بدون مورد. كما ان المنطقة قد حرمت ولعقود متطاولة من الاندماج الوطني ومن الخدمات الاساسية وتكون المفارقة ان المواطن الذي يعيش على مقربة من القرية السعودية فيشاهد الخدمات الماء والكهرباء والمواصلات والخدمات العامة في حين يعيش جاره بل اخوه اليمني في الجانب الآخر محروما من الرعاية والخدمات. بحيث يصبح الاحساس بالتفاوت والبعد الاجتماعي وغياب العدالة والمساواة عنصرالتفجير. وقد عالجت الدولة الداء بما هو أسوأ منه فبدلا من الدخول الى المنطقة عبر اضعاف المشايخ والقوى المتنفذة ومد الخدمات الاساسية واستئصال شأفة التعليم المذهبي. ودمج المنطقة بالكيان الوطني واسقاط الوسائط بينها وبين مواطنيها ونشر الافكار والاتجاهات الديمقراطية والاعتناء بحياة الناس ومعيشتهم اقدمت على الحرب المباغتة لتبعث في المنطقة كلها ذاكرة الحرب التي تعيشها منذ قرون وآماد. وللأسف الشديد فان غياب صوت المعارضة القوي والحي قد ترك الساحة امام التطاحن العسكري.
لقد بدأ التملل رويدا يدب في الجسد اليمني بالدعوات الخافتة لوقف الحرب ومعالجة الازمة المتفجرة بطرق تحفظ هيبة الدولة وتجنب اليمن ويلات الفتن والحروب. وتخمد التمرد الذي لا يجد السند والعون الا في غياب الدولة وارتهانها للقوى البالية والتقليدية والتيارات المعادية للحياة والعصر. والامل ان تنبعث الحكمة اليمنية من مرقدها. وان يكون ذكاء الرئيس صالح كفيلاً باخماد نيران الفتنة.
ــــــــــــــ
" البيان " الإماراتية
 
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص