رحلة رقم YMIH 2011
قبل 3 سنة, 11 شهر

أقلنا باص اليمنية من صالة المغادرة إلى الطائرة،  دخلنا الطائرة . كان الجميع يتفحص أرقام المقاعد المطبوعة في البوردنج كارد لايجاد مقعده. فاجأنا أحد المضيفين حين قال :-" عادي ، عادي اجلسوا حيثما شئتم." تسابق الأطفال ففازوا بالمقاعد المحاذية للنوافذ. أخذ الكبار في السن مقاعدهم كلا حيث كان يقف تجنبا لمزيد من المشي و الانهاك. بينما جلس ولد في بداية سن المراهقة في المقعد خلف غرفة القيادة الخاصة بالكابتن مباشرة آملا أن ُيسمح له بالدخول إليها و مشاهدة الأزرار المضيئة و الكابتن بزيه المميز. كان هناك على متن الطائرة رجل مسن فوق كرسي متحرك و برفقته زوجه العجوز ، معهما ابنهم الشاب يدفع الكرسي و يدلهم  على الطريق. كان هناك ايضا عروسين فيما يبدو انهما في رحلة شهر عسل. كذلك كان هناك أباء مع عائلاتهم و شباب ما بين سن العشرين و الخامسة و الثلاثون، كانوا هم غالبية الركاب. أما أنا ، فكنت حاملة قلم.

أخذ كل منا مقعده. لم يختلف أحد. بل أنني رأيت شابا كان يجلس بجانب  النافذة و ما أن أقترب طفل ناظرا اليه برجاء ، حتى قام الشاب متنازلا عن مقعده للطفل. جلست عائلة كان لديها رضيع بعيدا عن منطقة الكبار في السن لئلا يزعج بكاء الطفل نوم الكبار. أما العروسين فلم يجلس بجانبهم أحد.

بعد جلوسنا سمعنا صوت الكابتن يرحب بنا ،أبلغنا أن الرحلة إلى أرض الأحلام ستستغرق ثلاث سنوات أو أكثر. طلب من الجميع ربط أحزمة المقاعد  و الإمتناع عن التدخين، ايقاف جميع الأجهزة الالكترونية. كان هناك راكب لفت نظري انه يراقب الركاب عن كثب. كان يرتدي قفطانا أخضر اللون و عمامة غريبة. بدأت المضيفات بالمرور على الركاب للتأكد من جلوسهم . كان هناك راكب ملتح، لحيته تصل لصدره، منهمك في التسبيح ،لم يربط حزامه. طلبت منه المضيفة أن يفعل غير انه هتف أن لا قيمة للحزام فإن الله يرعاه. هنا تهورت المضيفة و قامت بنفسها بربط حزامه فما كان منه إلا أن دفعها صائحا في وجهها أن تذهب لتستر جسمها  كي لا تتحمل ذنب كل الركاب في عنقها. تركته تلك المضيفة الوضيعة و هي تضحك ضحكة رخيصة! لاشك أن طاقم الطائرة لا يتمتع بالتصرفات اللائقة ، فتصرفها لم يكن أبداً التصرف الأمثل. دونت كل ما شاهدته في دفتري.

أقلعت الطائرة و بدأنا جميعا  نقرأ ما نحفظه من القرأن. أغمضنا أعيننا جميعا في تلك اللحظة المهيبة و هي مفارقة الطائرة للأرض . بعد الاقلاع و توازن الطائرة فككنا الأحزمة . بدأ الأطفال في التقاط صور للسحب من النوافذ. أخرج بعض الرجال كتبا و صحفا للقراءة. رأيت بعض النسوة يتجمعن لتجاذب اطراف الحديث. نام الكبار في السن. تفرج العروسين على صور توقعت أنها صور زفافهم. كذلك سمعت بشغف نقاشات رائعة بين الشباب حول أوضاع البلاد. تكلموا عن مستوى الخدمة الرديء في المدارس و الجامعات و المستشفيات و المصالح الحكومية. ناقشوا العقول الرجعية التي تتولى كتابة المناهج فيفاجأ الطفل في صف خامس و هو من يستخدم الاي باد و يلعب الاكس بوكس ان في درس اللغة العربية " أروى تحيك الثوب بالابرة!"  أستمتعت بنقاشاتهم و دونت كثير من التفاصيل حول هذه الرحلة. رأيت الرجل المشلول زوجته تمسح على يده و ابنه يقرأ له القرأن. كان الرجل – فيما يبدو –  يحتضربهدوء. سمعت البنات يتكلمن عن المراقبة في امتحانات الثانوية العامة هذا العام و الامتحان الذي تسرب. أما الشاب الصغير الذي أراد زيارة الكابتن فلم يكن قد أفلح بعد. اذ كانت المضيفات و المضيفين يأكلون و يضحكون. كان الطاقم لا يبدو لي كفء بل كان يبدو كجوقة يعربدون في حانة. لم أرتح لهم.

قررت عندئذ  أن أبدأ في رصد تصرفات الطاقم ففوق الطائرة كل المسئولية ملقاه على عاتقهم. هم من يُنجحون الرحلة و هم من يُفشلها و ليس الكابتن بمفرده!  بدأ مضيفين ذكور بتوزيع العصائر و الماء على الركاب. رأيت راكب يأشر للمضيف أن يدنو منه ليخبره شيئا. مال المضيف بجانب وجه الراكب و رأيت الراكب يوشوشه داسا في يده أوراقا مالية. أبتسم المضيف و عاد مقدما للراكب مشروبا فاحت رائحته بوضوح و أجزمت أنه خمرا و تأكدت عندما بدأ اللون الأصفر يظهر من خلف الكأس الأبيض الشفاف. استهجنت تصرف الراكب و المضيف! قام عندئذ الراكب صاحب القفطان الأخضر  و ذهب إلى الراكب الذي يحتسي الخمر منتزعا الكأس من يده و اتجه للحمام حيث صب الخمر في المرحاض. بينما نهض الراكب و لحق به و اخذوا يتجاذبون ياقات قمصانهم. تجمع المضيفين لفض الشجار ، قامت مضيفة لا يتصف زيها بأي حشمة بدفع الراكب صاحب القفطان الأخضر و أجلسته ثم جلست قريبه منه هامسه في اذنه بكلمات التهدئة بينما كان هو يشيح بنظره بعيدا عنها لكثرة الأجزاء المكشوفة من جسدها. أدركت أن المضيفة بائعة هوى كما يقال فلا يوجد مضيفة محترمة تفعل ما فعلته. الطاقم كله مبتذل!  

بعد حوالي نصف ساعة  عاد الهدوء تدريجيا إلى الطائرة. بدأت المضيفات في دفع عربة تحمل صحون فوقها وجبات. في تلك اللحظة قامت العروس با تجاة المرحاض. وقفت العروس و مرت المضيفتين بالعربه من امامها ثم واصلت هي سيرها. عند عودة العروس رأيتها تتحسس صدرها بقلق. أدرك الجميع أنها فقدت عقدها. عادت تبحث عنه في الممر و فتشت في المرحاض. طلب عريسها من الركاب أن يبحثوا اسفل مقاعدهم ، لم يجد العقد أحد. بدأت العروس تبكي. استغربت كون المضيفتين واصلين توزيع الوجبات كأنما الأمر لا يعنيهن. هنا لمحت العروس عقدها فوق صدر المضيفة و صاحت انه عقدها. نهرتها المضيفة بصوت عال قائلة أن العقد عقدها، و أمرتها أن تحترم نفسها و إلا تولت هي تأديبها بنفسها. هنا أحتد العريس و قال لها أن الأجدر هو أن تحترم هي نفسها و إلا أدبها هو ثم أضاف وسط استهجان كل الحاضرين أن عقد عروسه مكسور و أنها تغلقه بخطاف و طلب من المضيفة خلع العقد لتأكيد برائتها. هنا قامت المضيفة بنزع العقد مؤكدة أن عقدها هي الأخرى مكسور و انها ايضا لا تغلقه إلا بخطاف! ناس لطالما سرقت لا يخيفها إتهام و تحترف الكذب ! بكت العروس من شدة القهر و عادت هي و عريسها  الى مقاعدهم و رفضوا تناول وجبتهم حنقاً و كذلك فعلت أنا  مساندة لهم. بينما أكل جميع الركاب. مرت خمسة عشر دقيقة فحسب حين تفاجأت أنا و العروسين أن جميع الركاب يغطون في سبات عميق. هل كان الطعام مضاف إليه منوم؟ و لماذا؟ و أي طاقم مجرم هذا ؟ سمعنا صوت المضيف يتسائل :- " خلاص؟ نام الكل؟" اجابته المضيفة بنعم فتظاهرت أنا و العروسين بالنوم لأن هذا فيما بدا لنا هو المطلوب. أسترقنا النظر و يا للعجب! وجدنا الطاقم بأكمله يسرق ما في حقائب النساء و نزعوا الخواتم من ايديهن و لم تفتهم الدبلة و المحبس من اصبع العروس التي من شدة خوفها إما أن تكون أجادت دور النائمة أو أن المسكينة قد فقدت وعيها. كذلك رأيت المضيفين يسرقون الأجهزة الالكترونية التي كانت بحوزة الأطفال. كذلك التلفونات و ساعات اليد جذبوها من معاصم الركاب. فتحوا الخزانات التي تعلو المقاعد و أخذوا مالا و لاب توبات! لم يترفعوا حتي عن سرقة دفتر و أقلام تلوين! لهذا يا أعزائي طالت رحلتنا و لم تصل إلى أرض الأحلام. لأن الطاقم المتولي المسئولية سارق و نصاب! لأن الطاقم فاحش و محتال!  ثم هرع جميعهم إلى مؤخرة الطائرة لتقاسم الغنائم! كان الراكب صاحب القفطان الأخضر أول من أستفاقوا من التنويم. همس لي :- "سأتولى أنا أمرهم. هذا طاقم لصوص و ليسوا طاقم ضيافة." هززت رأسي بهلع ، لم أنبس ببنت شفة إذ ختقتني العبرة. كيف سرقونا و نحن أصلا فقراء؟ يا حياءكم من الله يوم الحساب. أقترحت على صاحب القفطان الأخضر أن لا يتولى أمرهم بنفسه بل أن يتجه للكابتن و يشكوهم. همس لي مجيبا :-" الكابتن يعرف و لا يأبه. أنه نائم. بل هو لا يعلم إلى أين يطير بنا!" نهض صاحب القفطان الأخضر و توجه إلى مؤخرة الطائرة حيث كانوا يتقاسمون! فزعوا حين رأوا صاحب القفطان الأخضر أمامهم. كان الرجل يعرف كيف ينتقم. أخذ أفراد الطاقم الواحد تلو الأخر و ألقى بهم في المرحاض ثم ضغط زر  الماء الخاص بالصرف الصحي و سقطوا جميعهم خارج الطائرة تتقاذف أشلائهم محركات الطائرة و تقطعهم أجنحتها. لكن أشفيت غليلنا يا صاحب القفطان الأخضر.عاد بعدها ليلطم الركاب الذين لم يكن جميعهم قد أستفاقوا. روى لهم ما جرى فعبروا عن امتنانهم الجزيل. ذهب بعدها إلى غرفة القيادة و أمر الكابتن أن يترك القيادة له. قام الكابتن قائلا :- " حسنا لكن مرة ثانية ايقظوني حين تحصل أحداث مسلية كهذه. إياكم تركي نائماً."

قام الرجل صاحب القفطان الأخضر باستخدام الأزرار كيفما شاء. لقد خلصنا من الطاقم المجرم صحيح لكنه ليس طيار. لازلنا في الجو نتعرض لمطبات هوائية. كدنا نرتطم بقمة جبل لولا لطف الله. و لا زلنا نطير حتى الأن... إحتمال نصل و نهبط فوق أرض الأحلام. قد نهوي . وارد أن تطول الرحلة حتى يشب الأطفال... نحن في علم الله لكن أدعوا معي أن نهبط بسلام فقد تعبنا من السفر، سئمنا سفر، كرهنا السفر.... أدعوا الله معي أن نهبط بسلام ،لا تدعوه مرة و لا خمس بل دعوات بعدد حبات المطر. 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص