التنوع ثراء ايجابي ...كيف نديره ؟!
قبل 4 سنة, 10 شهر

  يرى البعض ان التنوع الثقافي في المجتمع واختلاف الفئات الاجتماعية وتمايزها عن بعضها البعض عامل سلبي يهدد وحدة البلد وتماسكها الاجتماعي .

والحقيقة ان مثل هذا الاعتقاد هو خطا مجافي للصواب ،بل ويفتقر للنضرة الموضوعية لمعطيات الواقع الاجتماعي .

وبالنضر الى خصوصيات واقعنا اليمني نجد ان الاختلاف والتمايز والتنوع هو نتاج حتمي تقتضيه الطبيعة الديمغرافية للبلد فالجغرافيا بحد ذاتها تفرض علينا تنوعا سكانيا يضفي على الحياة الاجتماعية طابع التنوع والثراء واختلاف التضاريس الجغرافية في بلادنا تضفي على الحياة لمسة جمالية تكتنزها الصورة الجغرافية وتنعكس بدورها على المظاهر السكانية ،وهذه الاختلافات في بلد واحد نعمة تكاد تنعدم في كثير من البلدان الاخرى.

فالمتتبع الواعي لمعطيات خارطة الجمهورية اليمنية سيجد ان هناك مناطق ساحلية طويلة جدا بامتداد الشريط الساحلي الذي يجمع ما بين شرق البلاد وغربها ،حيث يتمثل الشرق بمحافظتي حضرموت والمهرة ومرورا بالمناطق الساحلية التي تمر في جنوب اليمن والتي تتمثل في كلا من عدن وابين وتعز وانتهاء بالمناطق الساحلية الواقعة في غرب اليمن والمتمثلة في محافظتي حجة والحديدة  وكل جهة لها تضاريسها الخاصة.

من جانب اخر تبدو على سطح الخارطة الجغرافية لليمن سلسلة جبلية طويلة هي الاخرى تشكل  السكان الواقعين عليها وفي مناطقها بوحدة سكانية واحدة .

كل هذه المعطيات الجغرافية المتنوعة تقتضي ان نكون مختلفين من منطقة الى اخرى وان نكون مغايرين لبعضنا البعض ونحن ابناء بلد واحد .

ولكن لايعني هذا الاختلاف اننا بعيدين عن بعض الى حد عدم الائتلاف .

بل نكون مختلفين تبعا لاختلاف الجغرافيا من منطقة الى اخرى حيث يختلف اسلوب بناء المساكن من حضرموت الى صنعاء مثلا وهذا الاختلاف يفرز على سطح الاهتمام المعماري فنيين معماريين أو مدرستين معماريتين كلاهما اروع من الاخرى .

لكن هذا الاختلاف في طريقة البناء المعماري الذي تحول الى فن يلفت انتباه الاهتمام العالمي لايلغي وحدة المجتمع اليمني من حضرموت الى صنعاء ،بقدر ما يؤكد على اهمية تنوعه .

فاذا كانت مدينة صنعاء القديمة تعتبر تحفة معمارية وتدخل ضمن المدن الاثرية في العالم فان مدينة تريم  في حضرموت هي الاخرى تحضى برعاية واهتمام دوليين باعتبارها تحفة معمارية من طراز اخر وتحضى بذيوع صيت وشهرة معمارية لاتقل اهمية عن مدينة صنعاء ،وكذلك الحال بالنسبة لمدينة زبيد غرب اليمن .

وهكذا نجد ان التنوع الجغرافي ينتج تنوعا جماليا يبهر انضار الاخرين بينما نحن لايعني لنا شيئا ،ليس هذا فحسب بل ان احد الوزراء الجهلة اقترح في عهد الرئيس السابق صالح ان يشجع القادة  والمدراء ان يبنو مباني في عدن وحضرموت تكرس الطابع المعماري الصنعاني حتى تتجسد الوحدة .

وفي هذه الحالة لايمكننا ان نقول الى "شر البلية مايضحك "لان العجز الرسمي عن فهم خصوصيات الواقع اليمني يدفع لابتكار افكار شمولية تخلط ما هو سياسي بماهو اجتماعي وجغرافي ،مع ان الحفاظ الحقيقي على الوحدة اليمنية يستدعي احترام التنوع والخصوصية ودعم الحفاظ عليهما فطمس الهوية الحضرمية مثلا لايحبذ الحضارم بالوحدة لكن احترام خصوصياتهم الجغرافية والثقافية هو الذي كان من شانه ان يحبذهم بالوحدة والحفاظ عليها .

لكن المشكلة الكامنة في وعينا اننا نفكر بالغاء هذا التنوع والاختلاف لاننا لانجيد طريقة ادارته وتنميته ،فتجد القائمين على امر هذا البلد يعملون بتعمد على طمس جميع الهويات المختلفة للامكنة وللسكان  ودمجها في هوية واحدة هي هوية الحاكم .

فعلا لقد ابدينا عجزا في ادارة التنوع والحفاظ عليه ،ليس في مجال البنا والمعمار فقط ولكن في مختلف المجالات .

فاذا عدنا بالذاكرة الى ماكانت تقدمه وتعرضه الفضائية اليمنية في سنوات ما بعد الوحدة اليمنية ،سنجد ان السياسات الاعلامية كانت تهدف الى تقديم اليمن بكل اختلافاته على انه يمن واحد مصبوب في قالب واحد ثقافي واجتماعي وجغرافي ،واذا سالت احدهم لماذا يتبعون هذه السياسات يجيب عليك حفاظا على الوحدة اليمنية.

فالتلفزيون اليمني على سبيل المثال كان يقدم الفن الصنعاني على انه التراث اليمني ويقدم البرع الصنعاني على انه الرقصة الموحدة لليمنين .

ليس هذا فحسب بل انهم كانوا يحاولون اقناع العالم من حولنا ان المزمار والطبل هما التا الموسيقى الوحيدتان في التراث اليمني .

وبهذا الخصوص اذكر ذات يوم قرات مقالا للدكتورة الرائعة رؤفة حسن رحمها الله في صحيفة سبتمبر وهي تنتقد السياسة الاعلامية للتلفزيون اليمني وطرحت بصريح العبارة مقترح على معدي السياسة الاعلامية ان ينزلوا الى الميدان الاجتماعي ،قالت لهم بدلا من ان تضلوا تدربوا فريقا على الرقص في المركز الثقافي  لماذا لاتنزلو بالكاميرا لتصوير الرقص المختلف في البيضاء وفي حضرموت وفي زبيد وستجدون انكم تقدمون مادة بالغة الثراء والتنوع.

لكن من مساوئي اقدارنا في هذا البلد ان الجاهلون بخصوصيات الواقع اليمني ومعطياته كانوا ومازال بعضهم يحكمون بلدا لايدركون شيئا عن خصوصيات هذا البلد وعوامل الثراء فيه .

مانخلص اليه  بهذا الخصوص ان التنوع الثقافي والجغرافي والسكاني في بلادنا هبة منحنا الله اياها ووهبتنا اياها الجغرافيا الطبييعية وينبغي علينا ان ندرك أهمية هذا التنوع ونحافظ عليه ونتعلم فنون ادارته وتنميته  باعتباره عامل ثراء ايجابي .

ونريد اعلاما يحسن الترويج لهذا الاختلاف على اكمل وجه وان لايعمل على الغائه وطمسه  بل على ابرازه والحفاظ عليه وتوثيقه من اوساط الناس انفسهم بعيدا عن الفرق التي تتدرب في الصالات المغلقة ،نريد اعلاما يعبر عن هويتنا الحقيقة بمختلف صورها الجميلة الفنية والمعمارية والثقافية .

[email protected] 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص