الرأي والموقف وأفة الخلط بينهما
قبل 4 سنة, 9 شهر

يسود لدى غالبية المهتمين والمتابعين خلط معرفي بين الراي والموقف، فتختلط عليهم حقيقة التوصيف بين الامرين .

فييصبح صاحب الراي في نضرهم صاحب موقف ويقولون عن صاحب الموقف انه صاحب راي .

وفي هذه الحالة يبرز على سطح الاهتمام خلط شائع ناتج عن خطاء معرفي غير مقصود لكنه في غاية الاهمية،اذينتج عنه تكريس وعي معرفي يتضمن خطاء فادح ومجافي للصواب.

ومن المؤكد ان هذا الخلط الشائع يجر نفسه على غالبية التحليلات والتوصيفات الكتابية الواردة في سياق الاهتمامات العامة.

سوء كان هذا الاهتمام محصورا في الشان السياسي أومنشغلا في فرعا من فروع العلم والمعرفة.

وهنا يحضرني مقالاً لاحد علماء الفقه الاسلامي عندما سئل ...لماذا لم تنشا خصومة بين أائمة المذاهب الفقهية في حين نشأت الخصومات والمعارك بين اتباعهم بين الحين والاخر؟

فكان الجواب الشافي من عالم الفقه الممعن النضر في حقيقة الخلاف انه قال" ان السبب في انعدام الخصومات الشخصية والفكرية بين أائمة المذاهب لانهم كانو اصحاب اراء فقهية ولم تتحول ارائهم الى قناعات ومواقف يدافعون عنها ويخاصمون من اجلها".

في حين ان اتباعهم من هذا المذهب او ذاك تعاملوا مع اراء مشائخهم على انها قناعات ومواقف وبسبب هذا الاعتقاد تحولت مسائل الخلافات الفقهية والتنوع في الاراء بين كلا من الامام الشافعي والحنفي والحنبلي والامام مالك الى منطلقات عداء وصراع بين اتباع المذاهب وكل جماعة جعلوا من ارء مشائخهم بمثابة مواقف عقائدية بالغة الثبوت وغير قابلة للنقاش والاختلاف .

وهنا تكمن أهمية التفريق بين الراي والموقف ،فالراي لايجلب الخصومة في حين ان الموقف يحتم الصراع بين طرفيه ويجلب العداء بيهما .

وللاستفادة اكثر من الجدل الفقهي بين الراي والموقف نجد ان الامام الشافعي وهو يصف ابي حنيفة يقولعنه :

                      لقد زان البلاد ومن عليها امام المسلمين ابي حنيفة

رغم ان الشافعي يختلف مع ابي حنيفة في كثير من المسائل الفقهية ،لكن لانه يدرك ان مخالفته لابي حنيفة في عدد من المسائل الفقهية لاتعدو على كونها تنوع في الاجتهاد وتعدد في الاراء الفقهية ،فان هذا الادراك جعله يقر بعظمة ابي حنيفة ويشيد باجتهاداته وارائه الفقهية وان كانت مخالفة للشافعي نفسه.

لكن عندما يتحول الراي الى موقف فغالبا ماتصبح العلاقة عدائية وتنشب فيها خصومات بين الاطراف المختلفة في المواقف.

وهذه المواقف عبر عنها الكثيرون من الحمقى والمتعصبون سوء للمذهب الشافعي أو الحنفي  وغالبا ما نشبت مشاجرات في المساجد والمحافل الفقهية عبر التاريخ.

وبالقياس على الشان العام اعود فاذكر وانبه الى ان الخلط بين الراي والموقف تترتب عليه اشكاليات كبيرة اهمها على وجه التحديد التأثير على ثقافتنا ووعينا المعرفي المتشكل من مصادر الخلط الكتابية .

وهذه المصادر لاشك ان معديها هم رجال امثالنا وغالبا ماتكون كتابات تاريخية أو مقالات صحفية واكثر ماينحصر هذا الاشكال في كتابة السير الذاتية.

والمهتمون غالبا ما يقدمون على قراة السير الذاتية بنهم ،والسبب في ذلك ان الكاتب في نضر القارئي هو شاهد على الحدث لانه عايشه ويكتب عنه .

وغالبا مانجد كاتب السيرة الذاتية يخلط بين الراي والموقف فتجده وهو يتحدث عن راي شخص عاصره في حدث ما فانه يتناول ذلك الشخص على انه صاحب موقف من هذا الحدث او ذاك وعلى هذا الاساس يتحول الكاتب الى قاضي يصدر احكام مسبقة في حق من يتناولهم او يذكرهم في سيرته الذاتية .

ولعل الصورة الاكثر شيوعا عن اللبس والخلط المتشكل في اذهاننا حول الراي والموقف هي نقاشاتنا اليومية التي تدور في مجالس القات.

اذيتجادل الناس ويتبادلون الاحاديث لكن الملاحظ انهم دائما مايختلفون حول الشأن السياسي ولايتفقون .

ثم يتسال احدهم او بعضهم وربما كلهم يتسالون في انفسهم لماذا نحن دائما مختلفون في الشأن السياسي بالذات ولانتفق فيه ؟!

والاجابة على هذا السئوال ببساطة اننا دائما مختلفون لاننا نتعصب لافكارنا والمتعصب لفكرته هو صاحب موقف وليس صاحب راي ،وكلما نلوكه في مقايلنا ومنتدياتنا وبرامجنا الحوارية المتلفزة ،اننا نستميت في الدفاع عن مواقفنا ونعبر عنها كقناعات وفي هذه الحالة لم تعد اراء لان الراي يجعل صاحبه ينضر للحدث من عدة زوايا ثم يمضي في حين الموقف يجعل صاحبه يتمترس في الدفاع عما يقول أو يعتقد .

والتنوع في الاراء بين الناس هو ان ينضر كلامنا من زاوية مختلفة عن الاخر وهنا تتباين الاراء وتتنوع ولكن تبقى اراء تحتم على طرفيها احترام بعضهم البعض فيقودنا التنوع والتعدد في الاراء الى اثراء المواضيع وتنوع طرق التفكير فيها في حين يقودنا التمترس حول المواقف الى معارك ضارية ،وهذا ما نجهله تماما للاسف الشديد.

[email protected]