المفاخرة بإحياء العبودية
قبل 4 سنة, 7 شهر

لم يجد تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) في العراق مايفخربه ويعتز بانجازه امام الامريكان والاروبيون سوى انه يتفاخر باحياء العبودية والرق باعتبارها من خصوصيات الدين الاسلامي التي اندثرت بحسب وجهة نضر التنظيم المذكور.

وفي عددها الصادر الشهر الماضي زينت مجلة دابق الشهرية صورة غلافها الخارجي بعنوان مفاده "احياء العبودية قبل اوان الساعة".

و مجلة دابق تصدر شهريا عن تنظيم (داعش) وهي مجلة صادرة باللغة الانجليزية .

اي انها نافذة "داعش" الاعلامية لمخاطبة الشعوب المتحدثة باللغة الانجليزية  وفي طليعتها دول اوربا وامريكا.

بكل تاكيد ان هذا العنوان يثير الاشمئزاز في نفوس العرب المسلمين المتحدثين بالعربية فكيف سيكون وقعه على نفوس غير المسلمين وغير العرب من متحدثي الانجليزية .

مما لاشك فيه انه سيثير القرف والاشمئزاز في نفوسهم وسيكون وقعه على نفوس غير المسلمين هو نفس الوقع على نفوس المسلمين ،مع الفارق ان المتلقي الاوروبي والامريكي سيشعر بالسخط على الاسلام  على اعتبار ان هذا من الشريعة الاسلامية .ليس هذا فحسب بل ان الشعار اياه سيعمل على تحريك النزعات العدائية ضد الاسلام والمسلمين وسيسهم في تنمية مشاعر الحقد ضد المسلمين ،كون المتلقي الاجنبي حاليا يعتبر تنظيم "داعش" كيانا يجسد في سلوكياته وممارساته ومواقفه روح الشريعة الاسلامية ويترجم اصولها ويعبر عن مواقفها من الاخرين من معتنقي الاديان السماوية الاخرى.

في حين ان المتلقي العربي والمسلم يدرك جيدا ان مثل هذا الشعار لايمثل الاسلام الحقيقي ولا يمت للشريعة الغراء باي صلة.

فالاسلام في اسمى مبادئه ومعانيه جاء لتحرير الانسان من العبودية والرق بمختلف اشكالها وانواعها.

وعندما جاء الاسلام  كان بمثابة دعوة سماوية لاحياء قيم الحرية والعدالة التي اندثرت وتم انتهاكها والتفريط بها من قبل بني الانسان في المجتمعات العربية وغيرها من المجتمعات الانسانية انذاك.

لذلك كانت الدعوة الى وحدانية الله وعبادته وحده دون سواه هي دعوة صريحة للحرية لانها تقتضي تحرير عقل الانسان وجسده من الرق لالهة غير مجدية  ولاتمتلك صفة الحياة الدائمة ،فكانت عبادة الاصنام بحدذاتها وتعدد الالهة في حياة المجتمعات والشعوب تمثل عبودية فجة للانسان ومصادرة لحريته .

ومن هنا كانت الحاجة الاجتماعية والواقعية لمجئي الاسلام وبعثة الرسول بدافع تحرير الانسان من ربقة العبودية المتعددة الاشكال ،سوء كانت عبودية الانسان للالهة الخرافية أو عبودية الانسان لاخيه الانسان وهذه العبودية هي الاخرى متعددة ويصنفها المهتمون على ثلاثة انواع: النوع الاول عبودية الانسان لاخيه الانسان عبودية صريحة من خلال نظام الرق والامتلاك للانسان بموجب عقد شرائه او سبيه بالحرب.

وبهذا الخصوص جاء الاسلام ليحض الساده والملاك ويشجعهم على تحرير البشر المستعبدون لديهم ولم ياتي الاسلام بنصوص قاطعه في تحريم الرق لانه بدا يعالج الظاهرة بالتدريج ولم يحرمها عليهم باعتبارها تدخل ضمن تكوينات انظمتهم الاجتماعية وموروثاتهم الثقافية التي توارثوها جيلا بعد جيل.

كما ان نظام السبي في الحروب للنساء واسترقاقهن وامتلاك العبيد لم يكن خاصية للنظام المجتمعي العربي ولم يستحدثه الاسلام ،بل كان سائدا في كل انحاء العالم وكان احيانا يدخل ضمن اسباب قيام بعض الحضارات الانسانية التي قامت واحتلت مكانتها بنظام الرق والعبودية مثلما هو حاصل مع الحضارة الفرعونية في مصر .

فما كان للاسلام كدين عقلاني وواقعي ان ياتي بتحريم الرق والعبودية بصراحة بل اكتفى بالدعوة الى تحرير عقل الانسان وجسده من العبودية وقام هذا الدين بنشر حضارة عالمية انتشرت وسادت في معظم اصقاع الارض ، قام بنشرها وعولمتها معتنقي الدين الاسلامي وفي طليعتهم المسلمين العرب الذين تتجذر في ثقافتهم الاجتماعية نظامي الرق والعبودية .

فكان الاولى بالاسلام التدرج التشريعي في مناهضة العبودية والرق من خلال تشجيع قيم الحرية وابراز اهميتها الدينية والانسانية معتمدا في الاساس على تحرير الانسان من عبوديته لغير الله وهنا اقتضت شريعة الاسلام ان يكون الموقف الديني من عبودية غير الله موقف واضح بحيث اقتضت النصوص تحريم العبودية لغير الله واعتبرتها جريمة لاتغفر بالاصرار عليها .

وهنا تكمن اهمية التحريم باعتباره يلامس العبودية الاكثر خطرا على الحياة والاكثر عمومية ،في حين تعامل الاسلام مع امتلاك العبيد بحث الملاك على اطلاق سراح المملوك والحض على احترام قيم العدل والمساوة بين الناس بغض النضر عن الوانهم وانتمائتهم ووضعهم الاجتماعي.

وكان من الطبيعي والمقبول عدم ايراد نصوص تحريمية صريحة لنظام العبودية والرق لان لإسلام قد حرر العقول نفسها من قيم العبودية .

لكن مايحدث اليوم من تمثيل مغلوط للدين الاسلامي من قبل جماعات متطرفة ومتحوصلة بالجهل لايعبر في مضمونه سوء عن وجود قطيعة معرفية بين هئولاء المتدينين وبين الدين الاسلامي الحنيف ،فهم يحاولون احتكار تمثيل الدين ويدعون الناس الى العودة اليه في الوقت الذي هم يبرزون جهلا فادحا بتعاليم الدين وادعاء سافرا بفهمه وتمثيله .

وربما تكون نوايا بعضهم حسنة ومشاعرهم طيبة تجاه الدين ولكن بكل تاكيد ان عقولهم مضللة عن حقيقة الدين ،والثابت انهم لايعرفون من الدين الااسمه في ضل جهلهم المطلق باهداف الدين الانسانية ومراميه الحقيقية المتعلقة باعادة بناء النظم الاجتماعية التي جاء الدين ليلبي احتياجاتها ويراعي خصوصياتها .

وعندما يدعي هذا التنظيم المتطرف ان الدين جاء يدعو لاحياء العبودية والرق فهم لايتحدثون سوى عن جهلهم بالدين لان الدين لم يبتدع نظام العبودية والرق ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يشرعن لها ايضا وانما جاء الاسلام وهي سائدة وعمل على مناهضتها بطرق غير مباشرة .

أما لو بحثنا عن القيم التي اندثرت في حياة المسلمين ومجتمعاتهم والتي يجدر بنا ان نعمل على احيائها وهي في غاية الاهمية ،فسنجد انها قيم الحرية والعدل التي اندثرت أو كادت تندثر من تكوينات النظم المجتمعية الاسلامية  وليست العبودية هي المفقودة.

لان قيم العبودية مازالت موجودة وسائدة في انظمة المجتمعات الاسلامية بمسميات واشكال مختلفة بينما قيم الحرية والعدل والمساوة هي التي انفرط عقدها .

[email protected]