فصل من رواية ( جولة كنتاكي )*
قبل 3 سنة, 8 شهر

الجمعة الثانية، أو الخامسة من جمع ساحة التغيير، ولكل جمعة أسم، والجمعة الواقعة في 18 مارس 2011م اسمها جمعة الكرامة. وكل جمعة في الفضاء المفتوح على الخط الدائري، بل على جزء من الخط الدائري، وكما تزحف الخيام جنوباً، وشمالاً يزحف جموع المصلين. وفي كل جمعة يستيقظ الشباب المعتصم مبكراً للاستعداد للصلاة، ولاستقبال المصلين المقبلين على جمعة ساحة التغيير. ولجمعة الكرامة وقع مختلف في خيمة الحياة: حلمي المشغول بسوسن..فتحي الحائر في التغيير الذي لمسه في أخيه ثابت..رمزي الشارد في ذلك الحوار، بينه وبين عمر، ويزيد شروده وعمر يقول: خنق جبلي نقم، وعيبان طموح وحدتنا، وأخشى أن يتكرر المشهد على ساحتكم. الشارد، والمكتئب، حالة لم يعشها في واحدة من الجمع السابقة. ينتظرون الجمعة بفارغ الصبر. تجمع الناس للاستماع لخطيب مختلف، الداعي للتغيير، وجمعة اليوم وقعها مختلف في خيمة الحياة: نوري مفعم بالقلق من حلم والدته..وبالندم، لم يقبل والدته قبل عودته إلى الساحة، استيقظ مبكراً، كانت والدته نائمة، وهو الخائف من أبيه، ربما يمنعه من العودة إلى الساحة. خاف من هاجس الشيخ. هاجس يسكن والده، إذا أستيقظ الهاجس أيقظه من النوم، وقبل أن يستيقظ والده كان يذرع الشارع عائداً إلى الساحة. وفهمي: لن يسامح نفسه إذا لم تحصد والدته ثمرة ساحة التغيير، وإذا قُتل، ولم تحصد، فكيف سيكون حالها؟..ونظمي لم يعد أمامه من خيار إلا ساحة التغيير.

جمعة وقعها مختلف في خيمة الحياة، كانت جمع الخيمة السابقة تعج بالحياة، كل واحد فيها يرسم لنفسه طريقاً إليها، وفي مخيلته مشهد الجمعة، وصوته الذي يردد مع جموع المصلين: الشعب يريد إسقاط النظام..والمستعدون للانطلاق، لا ينتظرون لصوت المنادي للصلاة.

خيمة الحياة، آخرهم حلمي، وصل متأخراً، الساعة العاشرة. دخلها حلمي حزيناً، لم تعد سوسن، شعور غريب لا يدري ما كنهه، قبض على صدره لحظة وضع قدمه على ساحة التغيير. رمى عليهم السلام، إلا أنه لم يرم ليصيب، كانت في الهواء. لعلها رجعت فأصابت نظمي، أم أن الساحة خياره الوحيد؟..رد (غير مكترث بالآخرين):

- وعليكم السلام.

وحلمي غير مكترث بصمتهم، كانت في الهواء. وهم في الخيمة سواء، إذا كان لكل واحد ما يشغله، إلا أن الهم واحد. القاسم المشترك في كل جمعة سابقة فرحة الصلاة الاستثنائية، وجمعة اليوم هم، ما بعده هم. مهمومون، صديقهم الصمت. ونظمي صاحب الخيار الوحيد يرمقهم بصمت..قال فجأة:

- الساحة خيارنا، وهمّنا..فهل هناك غيرها؟

- ...........

- نمت هنا في الخيمة، وعندما فتحت عيني شاهدت نوري، ولم يسألني..لماذا يا نوري؟

- ............

- قلت: لماذا؟

- المعذرة يا نظمي.

- لم تجب على سؤالي.

- عدت بهمّ حلم أمي.

- وما هو؟

- مش مهم..ولكني قلق من وقع الحلم إذا صدق..وهو مبعث ندمي لأني لم أودعها قبل عودتي إلى هنا.

- وهمّ الساحة.

- همّنا كلنا، إلا أني لا أستطيع أن أمنع عن نفسي هم آخر، مثل أمي.

- وحال الباقي يوحي أن هناك ما يشغلهم غير الساحة..ليتني أعرف.

- .............

- الساحة يعني الأمل والحماس من أجل إزالته، والانتصار عليه..وهمّكم البادي على وجوهكم الحزينة، الكئيبة يعني أنه يختلف.

استفز فتحي..فقال:

- بصراحة..نعم.

- فما هو؟

- لا أستطيع أن أصفه.

- ونوري لم يستطع، لعلكم جميعاً..أما أنا فهمّي الوحيد الساحة. همّنا جميعاً. معروف، الغني عن الوصف..نظر إلى ساعته..ثم قال:

- الساعة الحادية عشر..حان الوقت للاستعداد للذهاب إلى الصلاة.

قال نوري:

- أما أنا فمستعد..سأسبقكم حتى يكون لي شرف الحصول على مكان في الصفوف الأمامية.

وقف على مدخل الخيمة، رده شيئاً ما..أدركه فعاد إليهم..يحضن كل واحد، ويقبله قبلة حميمة، لها طعم قبلة الأم..ثم قال:

- إلى اللقاء، وإلا فهي لأمي..ثم خرج مسرعاً.

 والخيام الأخرى، وخيمة سلوى تعج بالحياة..وسلوى المهمومة..همّ المتردد: تناول حلمي الرسالة قبل الصلاة، أم بعدها؟..المترددة لأنها لا تعرف محتوى الرسالة، إذا كان فيها ما لا يسر حلمي، لن تسره الصلاة. وهي لا تستطيع أن تبوح، فلم تشارك غيرها همّها..قالت لنجلاء:

- أحمل أمانة، فهل أؤديها قبل الصلاة، أم بعدها؟

ارتسمت على وجه نجلاء ابتسامة عريضة..ثم قالت:

- عرفت الآن سر الهم البادي على وجهك.

- والأمانة همّ..فهل تجيبي على سؤالي؟

- صلاة الجمعة وسيلة من أجل إيصال الأمانة إلى مستحقيها..التغيير أمانة.

- والأمانة التي أحملها ربما تكون وسيلة لإيصال شيء ما..ليتني أعرفه.

- خلاص يا سلوى..خير البر عاجله.

لم تبح بالسر، وأشركتها في همّها. خير البر عاجله، ولمَ لا، فهي لا تدري عاقبة الصلاة. خرجت من الخيمة، المشحونة بخير البر. المستعجلة لإيصال الرسالة. وخيمة الحياة قريبة من خيمتها، والأمانة التي أنستها فهمي. ذكرته عندما غادرت خيمتها، فكان البر برين، المشحونة مرتين، إلا أن الساحة المشحونة أوقفتها عند حدها، وهي بالكاد تتلمس طريقها إلى هدفها، وهدف المعتصمين صلاة الجمعة. تلتمس طريقها ضد التيار، فهل هي مصادفة أن تمضي ضد التيار في يوم صاحبه جمعة الكرامة؟. لا تيار إلا تيار الشباب، فهل ستكون جمعة الكرامة، ما بعدها الآخر، أقوى منهم؟. تمنت أن تعود من حيث أتت، الخائفة من التيار الآخر. عرفت سر غياب (سوسن) عن الساحة، فهل تحمل رسالة حلمي سراً غيره؟..لن يكون إلا أبوها في كل الأحوال. وأبوها سيزعج حلمي..تقول في سرها: خير البر عاجله، إلا أن يكون مجهولاً مثل هذه الرسالة. ثم تقول، وهي أمام خيمة الحياة: وأنا لست مسئولة عن ذلك المجهول..نادت من خارج الخيمة (كأنها تنادي جارتها):

- يا حلمي.

قلب المحب دليله..هرع الاثنان، صوتها أوحى له أنها تناديه ، وهو أنه صوت سوسن..ولو كانت منقبة، كان هاجسه سيوحي له أنها عينها..كاد حلمي أن يعود خائباً، لكنها أسرعت بالقول:

- هذا الظرف لك.

لم تبح باسمها، فمن يكون غيرها؟..لم يتردد، التقط الظرف، وعاد إلى الخيمة..ولم تتردد من القول لفهمي: لماذا تنظر إليّ هكذا؟

- هل غيرها..نظرة المشتاق؟

- حسبتها الرسالة.

- الرسالة منها، وأنتِ لي.

- إذا أرادت الساحة.

- أرادت اليوم، وستريد غداً.

- المهم غداً.

- ومن أجل الغد، كان حبنا.

- غلبتيني.

- سنلتقي بعد الصلاة.

- أو بعد العصر..إلى اللقاء.

 

(عزيزي حلمي: بدون مقدمة، المقدمة بحاجة إلى نفس طويل، وتصالح مع النفس، وأنا لا ذلك، ولا تلك..كيف أكون وأنا المقهورة بمنع أبي..منعني من العودة إلى الساحة، بل ومن الخروج من البيت إلا برفقة السائق..سائقه الخاص. منعني بعد معرفته لقائي معك. لأبي عيون، وآذان بالساحة..ومنعني من التواصل بالهاتف مع الساحة، وأنا لا أستطيع خفية عنه، أبلغني أن هاتفي مراقب..وعدتني صديقه برقم اسم صاحبه مجهول، سأتصل حال حصولي على الرقم.

عزيزي حلمي: آن لك أن تعرف أسم أبي، وهو غني عن التعريف..اسمه فايد..لا يعجبني أسمه، يذكرني (بالفيد)

، إلا أنه أبي. وأبي في مثل هذه بلاد، فلابد أن أخاف، وأخاف عليك منه. فهل تحبني بعد أن عرفت اسم أبي؟. هل سمعت فريد الأطرش يغني: الحب من غير أمل أسمى معاني الغرام. أحبك من غير أمل، وأحبك والأمل هاجس طوال يومي..أمل الساحة، فهل تحبني بعد أن عرفت اسم أبي؟)

دس الرسالة في جيبه، وانطلق إلى الصلاة بحماس. بددت الرسالة هواجسه كلها، لا أمل بسوسن إلا إذا انتصرت الساحة.

*           *           *           *

فرقت جمعة الكرامة بين معتصمي خيمة الحياة، أتخذ كل واحد منهم مكاناً له مع جموع المصلين. أعتلى الخطيب المنبر المفتوح: منصة ساحة التغيير، والمصلون يحتلون مساحة كبيرة من الخط الدائري، على يمين الخطيب، ويساره، وأمامه على شارع وزارة العدل، وخلفه بوابة جامعة صنعاء الجديدة. كان جموع المصلين أمامه على مد البصر، نظر إلى يمينه، كانوا أبعد من البصر، وعلى يساره لا يستطيع أن يميز إن كانوا على مد البصر، أو أبعد من البصر. فأين يكون وجهه؟. أعتاد على مصلى مقفل، عدد المصلين فيه محدود..يمسحهم بنظرة واحدة، وإذا أراد جالت عينه على وجوههم، الواحد تلو الآخر. وفي ساحة التغيير يفترشون الثرى، ويلتحفون السماء. جاءوا من الخيام، ومن كل حدب وصوب. ينشدون التغيير من فم الخطيب، في البدء كانت الكلمة. منظر مهيب، وجليل..وهو يسأل نفسه: أين يكون وجهي؟. أغمض عينه، قرر أن يكون وجهه في السماء، وعينه على الشمس. لولا الشمس ما كانت الحياة، ولولا الشمس ما تعاقبت الفصول. التغيير سنة الحياة، أرادته الشمس، فلماذا لا يريده البشر؟..قال الخطيب: ( أرادت الشمس لبني البشر أربعة فصول في السنة، لولاها ما شعرنا بطعم الحياة: حرها، وبردها..واعتدال مناخها. لولاها ما تمتعنا بالورد، تبعث لنا أريجها في فصل الربيع، لولاها ما لبسنا الحزن والأوراق تتساقط في فصل الخريف. الحياة في كل فصل جديدة، والجديد تغيير، لو لم تتغير ماتت، ونحن معها. ولولا الشمس ما كان النهار، والليل. في النهار نعمل، وفي الليل ننام لنستعيد نشاطنا لاستقبال نهار جديد. تصورا لو لم يكن ذلك التغيير، كانت الحياة انقرضت، أو في أحسن الظروف توقفت، وإذا توقفت انعدمت جدواها، وخفي بريقها. أرادت لنا الشمس التغيير، فلماذا لا يريده بني البشر؟. قيضت الشمس لنفر منا أن يتولوا شأننا، إلا أنهم خانوا الأمانة التي منحتها لهم، فاستشرى الفساد في البر والبحر، وكادت الحياة أن تتكلس..لماذا؟..لأنهم وجدوا أمامهم شعباً خانعاً..استكان لمشيئتهم، وخانوا الشمس..نعم خنا الشمس. منحتنا التغيير..التغيير أمانة، لم نحترمها ونثور على من منحتهم الشمس مقاليد شأننا. إلا أن الشمس قد كلفت شباب الساحة، المعتصمين تحتها: تمنح من لهيبها إرادة التغيير، وليلها التفكر بقيمة التغيير..الشعب يريد إسقاط النظام..أقم الصلاة).

يسلم إمام المصلين، ويسلم المصلون من بعده على الملائكة. لم يمهلهم الرصاص إلقاء السلام الثاني. انهالت على المصلين من بيوت تطل على من هم في الصفوف الأولى..أصابت الرصاصة الأولى (نوري)..رمقه الجاثي إلى يمينه بنظرة غير مصدقة، أصابته الرصاصة ووجوههم إلى الكعبة الشريفة. رفع رأسه..شاهد أحد القناصة، أعتلى واحدة من العمارات..غير مصدق أنه من بني البشر. المحتار بين الجلاد، والضحية، شلته نظرته غير المصدقة..المشلول المحتار، ومثله بقية المصلين، والرصاص يتساقط على الصفوف الأمامية. لحظات ثم هبوا إلى الأمام هبة رجل واحد نحو مصدر الرصاص..يتسابقون للقبض على القناصة..يعبرون على جثث المصابين. إرادة التغيير أقوى من الرصاص. الثأر لزملائهم، أو الموت. وفجأة خرست أصوات الرصاص، شلت أيديهم عيون المتحفزين للتغيير. وهم من بني البشر، خانوا الأمانة، ولن يخونوها بعد اليوم..شباب الساحة. من القناصة من هرب، ومنهم من وقع في أيدي الشباب، وواحد منهم في يد حلمي. إرادة التغيير، والثأر منحت حلمي قوة الشمس. لا يدري كيف صعد إلى الدور الثالث، ولا يدري كيف جره ورائه كما يجر النعجة..وإرادة المذنب، منحت القناصة، المجرمين الضعف والسكينة..نعاج، نعاج فهل ستحررهم ساحة التغيير.

عاد حلمي إلى الأرض، كانت الأرض مغطاة بالجثث، وبالشباب، منهم من يجر ورائه واحد من القناصين..لمح فهمي، ورمزي..يحملون أحد المصابيين. هرع نحوهما، والقاتل ورائه، كان ربطه بحبل لفه حول رقبته. لم تخنه عينه، كان نوري..صرخ بأعلى صوت:

(إلى الأمام يا شباب..إذا لم تسقط الأنظمة اليوم، فمتى ستسقط..)

لحظات يتردد فيها: إلى الأمام..إلى الأمام..إلى الأمام، حتى تجاوب لها الجامع الطويل، أطول من البصر..والعريض على مد البصر..ثم إلى الأمام يندفعون، تدفعهم إرادة التغيير، والثأر لأصحابهم..إذا عبروا جولة كنتاكي أسقطوا النظام.

وقبل بضعة أمتار من الجولة كان يقف أمامهم حائط – بعرض الخط الدائري – من الجنود المدججين بالسلاح، وخلفهم مصفحات، ودبابات..ولافته من القماش حملها الجنود..مكتوب عليها: (قرر الآخر، الانضمام إلى ثورة الشباب..ونحن هنا من أجل حمايتكم.)

- دعونا نمضي، إذا لم يسقط النظام اليوم، فمتى سيسقط..لن يسقط إلا اليوم؟

- أمر الآخر أن تعودوا من حيث أتيتم؟

- لماذا؟

- لا ندري.

- وإذا مضينا.

- حصدتكم الرشاشات المنصوبة على المصفحات والمدرعات.

- أتيتم لحمايتنا، أم لحصدنا.

- لحمايتكم منهم..هم ينتظروكم في الناحية الثانية من الجولة.

- دعونا نمضي..ذلك شأننا..لن يسقط إلا اليوم.

- لا.

- دعونا نمضي..وانتشروا من حولنا، وأمامنا، لحمايتنا.

- لا.

- لم تأتوا لحمايتنا إذن.

- لا ندري..لا ندري..وكفى عودوا إلى خيامكم.

ران الصمت..قال نوري (بصوت خافت..صاحبه يقترب من الموت):

- أنزلوني..تعبت، وأتعبتكم معي.

أنساهم، إذا لم يسقط النظام اليوم..فمتى سيسقط؟، أن يسعفوا نوري إلى المستشفى الميداني الذي أقامه شباب الأطباء على ساحة التغيير. وأنساهم أنفسهم، لا يشعرون بالحمل الساكن على أكتافهم. صدهم الحائط، وجرحهم صوت نوري. شعور من الخيبة، وآخر من الإحساس بالذنب. لم يخترقوا الحائط، ولم يسعفوا نوري. ودمائه لم تجف بعد، ينزف من كتفه المصاب..أنزلوه برفق..قال بصوته:

- من الذي ردكم؟

- المهم حياتك..المعذرة لم نأخذك إلى المستشفى..كم نحن أغبياء يا رمزي..هيا نسرع بأخذه إلى المستشفى.

- بل شكراً لكم..كنت معكم، فمن الذي ردكم؟

- حياتك أهم..هيا يا رمزي.

- لن استجيب لكم، حتى تجيبوا على سؤالي.

- الآخر انضم إلى ثورة الشباب..وجنوده جاءوا لحمايتنا، ردونا.

- الآخر، وأبي المرافق للأول الآخر، وهو معه..هتفنا: الشعب يريد إسقاط النظام، فسقط الوجه الآخر للنظام على الساحة..لماذا؟ يا خوفي وهواني، وأنا أموت من أجل أن يسقط الأول الآخر على الساحة..يا خوفي وهواني وأنا المرافق..حتى على الساحة..فهل كان عليّ أن أثور على الأول الآخر أولا؟ غاب صوته، فارق الحياة..بادر فهمي إلى احتضانه، ولمح بطرف عينه أمه الواقفة على (الشرفة)..أغمض عينه خجلاً، لعلها لن تحصد ما زرعه أبوه على أرضها..وقال رمزي:

- لن اغني بعد اليوم.

عادوا إلى خيمة الحياة بدون نوري، لكنهم عادوا ومعهم القاتل، إذا لم يكن هو، فهو شريكهم. القاتل الذليل في زاوية من زوايا الخيمة، وهم يخيم عليهم الحزن. أندفع – فجأة - رمزي نحو القاتل، وقبل أن يمد يده عليه..قال:

- ليتني أستطيع أن أمد يدي عليك..فلماذا قتلته؟

- ... .

- حرمتني من لحنه، فحرمتني من صوتي..لماذا قتلته؟

- ... .

- قتلت الراكع العابد..لماذا؟

- ... .

- حتى الجامع ليس له حرمة لديكم..لماذا؟

- ... .

- من الذي دفعك لقتله؟ من دفعك هو المستفيد..من هو؟

- ... .

- الأول، أم الآخر؟

- ... .

قال نظمي:

- لا تتعب نفسك..لن يجيب.

- هل أسلط ما بقلبي عليه..حتى أشفي غليلي، ولن يشفيه، حتى ولو أجاب.

- هل تستطيع؟

- لا.

- لا تتعب نفسك إذن..وربما يجيب على الأسئلة غداً..وأما أنا فأكاد أموت من الحسرة والألم على نوري..ليته لفظ أنفاسه قبل أن يعرف بالآخر، والأول الآخر..وعلى نفسي وأنا هنا إذا سقطت على الساحة، كأني مخيم من أجله..لم يعد هناك فرق إذا رجعت إلى حضن الثاني الآخر، وأبي المرافق، كلاهما وجهان لعملة واحدة.

قال حلمي:

- لم يعد هناك مجال للتراجع.

- نعم، ولابد أن نكمل المشوار، أيً كان.

قال فهمي:

- أذكرك يا حلمي..وأنت تقول: لماذا لا نهتف: الشعب يريد إسقاط الأنظمة..والآخر وجه من وجوه النظام..أخشى أن يعيد التاريخ نفسه.

أطرق حلمي لحظات..ثم قال:

- لم يعد أمامنا من خيار، إلا أن نمضي حتى الخاتمة..لعلها تختلف، ساحتنا تختلف..لم يكمل، دهم الخيمة ثلة من الجند..قال أولهم:

- سنأخذ المجرم المحجوز لديكم.

- إلى أين؟

- إلى الآخر.

- لماذا؟

لم يجب، كان رفاقه يجرونه ورائه..وهم مذهولين، ذهول العاجز. عادوا إلى مربع الصفر، صفر العاجزين عن الثورة. التغيير، والتغيير يعني لفظهم عن الساحة. قُتل نوري، ولم يقتصوا من القاتل، وإذا اقتص أعلن أن الفضل له..اعتصموا من أجل الآخر. وإذا لم يفعل أعلن الفضل له، سيقول:لم ننضم إلى الثورة إلا لحمايتكم منهم، وهم في الحفظ والصون. صلوا ولن يقنصوكم بعد اليوم..قال فهمي: ليت الأرض تبتلعني، أو رصاصة تخترق بدني قبل أن يصدق قول نوري..وليته لا يصدق..لا يصدق.

قال نظمي:

- ولابد أن نكمل المشوار.

قال حلمي:

- صدقت

وقال رمزي.

- أما أنا فصوتي يكاد أن يختنق..لن أغني بعد مقتل نوري، كَسر المشوار..سأعود من حيث أتيت، وسأعتصم هناك..خاطركم.

تركهم رمزي، وهم لا يشعرون..رن هاتف حلمي..رنين الرسالة، لم يكن الرقم معروفاً..ضغط على الزر..قرأ:

(أنا سوسن، وهذا رقمي الذي وعدتني به صديقتي. لا أستطيع أن أعبر عن حزني، وألمي الشديدين. نحن نستعد للانتقال إلى منزل بعيد عن سيطرة الأول..قرر أبي أن ينضم إلى ثورة الشباب..لا أدري إن كنت سأعود، أم لا؟ سأوافيك برسالة مع سلوى، أو نلتقي في الساحة..رقمي ينتظرك في أي وقت.)

قال حلمي:

- كأن الساحة ستقسم صنعاء بين الأول..والآخر.

*صدرت عام 2014