ذبح الجنوب من دون فتوى
قبل 3 سنة, 7 شهر

في هذه الأيام الدموية السوداء التي يذبح فيها إخواننا في جنوب البلاد من الوريد الى الوريد، تذكرت الاعتذار الذي أصدرته حكومة الوفاق الوطني برئاسة الأستاذ/ محمد سالم باسندوة لإخواننا في جنوب البلاد عن الحرب والاجتياح لمدن وقرى الجنوب عام 1994م، والذي وصف تلك الحرب بانها خطأ تاريخي يجب ان لا يتكرر، وسميت تلك الحرب أسماء عديدة أبرزها حرب الردة والانفصال، وحرب الشرعية ضد المتمردين، وحرب صيف عام 1994م، وكما يقول المثل تعددت الأسباب والموت واحد، وهنا نستطيع القول تعددت الأسماء والذبح واحد.

وخلال مؤتمر الحوار الوطني الذي جرى في صنعاء بفندق موفمبيك، تصدرت القضية الجنوبية جدول اعمال المؤتمر وكانت القضية المحورية والأكثر جدلا وتعقيدا خلال جلسات ونقاشات المتحاورين في ذلك الوقت، وكان الحراك الجنوبي في مؤتمر الحوار الوطني هو الحامل السياسي للقضية الجنوبية ومتبنيا مظلوميتها وما لحق بشعب وارض الجنوب من ظلم وخراب ودمار مطالبا بالحل العادل والمنصف لإخواننا الجنوبيين وتعويضهم تعويضا مرضيا عما اصابهم من ضرر نتيجة حرب عام 1994م.

في تلك الاثناء وخلال جلسات مؤتمر الحوار الوطني أنظم الحوثيون الى جانب الحراك الجنوبي مساندين ومناصرين القضية الجنوبية ومؤكدين على مظلوميتها وعلى ضرورة حلها حلا عادلا ومنصفا ومرضيا للجنوبيين المظلومين، لدرجة ان صوت الحوثيين طغى على صوت الحراك الجنوبي في الدفاع عن القضية الجنوبية، الى حد يجعل المرء يتصور ان الحوثيين ملائكة الرحمة في زمن القسوة والشدة والوحشية.

واستمر الحوثيين في مساندتهم للقضية الجنوبية داخل قاعات واروقة مؤتمر الحوار الوطني وفي وسائل الاعلام التي تتبع الحوثيين وعلى رأس تلك الوسائل قناة المسيرة الفضائية التي جعلت القضية الجنوبية مركز اهتمامها وشغلها الشاغل مركزة على مظلومية الجنوبيين وكأن حرب عام 1994م كانت من منظور قناة المسيرة جريمة العصر التي لا تغتفر ولا تضاهيها اية جريمة او مظلومية في التاريخ الا جريمة كربلاء ومظلوميتها.

وهكذا استمر الضجيج الإعلامي الحوثي مدويا للدفاع عن القضية الجنوبية ومظلوميتها، لدرجة سحرت الجنوبيين واذهلتهم وجعلت قلوبهم ترنو لإنسانية الحوثيين واخلاقهم الكريمة، ولا ابالغ ان كثيرا من الجنوبيين اصبح حوثيا بسبب تلك الوقفة الحوثية العظيمة الى جانب القضية الجنوبية، ولم تدخر قناة المسيرة جهدا في التشهير بحزب الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام باعتبارهما الطرفين الوحيدين المشاركين في جريمة حرب عام 1994م، وانصب الغضب الإعلامي الحوثي على الإصلاح بدرجة اكبر كونه من اصدر الفتوى لاستباحة دماء الجنوبيين وممتلكاتهم وكونه من حرض واصر على تلك الحرب وفق المنطق الإعلامي الحوثي آن ذاك.

ودار الزمن دورته العجيبة الغريبة وبسرعة مدهشة رهيبة، واذا بالحوثيين يقعون في الفخ ويتورطون بحرب جديدة ضد الجنوب قبل ان يتم انصافهم وتعويضهم وجبر ضررهم كما جاء في مخرجات الحوار الوطني، بسرعة مدهشة تنكر الحوثيين للقضية الجنوبية التي دافعوا عنها دفاع الابطال في مؤتمر الحوار الوطني، وذبحوها ذبح الانعام مع نفس الطرف الذي شارك الإصلاح جريمة حرب عام 1994م، واذا كان الإصلاح قد اشترك مع المؤتمر من خلال فتوى دينية اجازت له المشاركة عام 1994م، فان الحوثيين اجتاحوا الجنوب عام 2015م، بدون فتوى وبلا رحمة ولا شفقة ولا تقوى، فعمقوا الجراح ووسعوا الشرخ وضاعفوا مظلومية الجنوب اضعافا مضاعفة، وكأن الحوثيين يريدون ان يوصلوا الجنوبيين الى درجة الكفر بالوحدة وان يمسحوا من قلب كل جنوبي ما تبقى من حب للوحدة او رغبة للبقاء معنا في الدولة الاتحادية الموعودة، لان الجنوبيين بعد الذي جرى لن يقبلوا بأي شكل من اشكال الوحدة مهما جرى ومها كان الثمن نتيجة لغلطة الحوثيين وذبحهم القضية الجنوبية من الوريد الى الوريد.

لا احد يصدق ما يفعله الحوثيين في الجنوب هذه الأيام، نظرا لان الانطباع السائد عند الجميع هو ان الحوثيين متحمسين لنصرة القضية الجنوبية ومصرين على تعويض الجنوبيين وحل القضية حلا عادلا، وكان المتوقع ان يقف الحوثيين للدفاع عن الجنوب بدلا من مهاجمته واجتياحه وقتل ابناءه، لكن حب السلطة والملك فعلا تعمي الابصار وتميت القلوب وتدفع الى الانتحار، حيث ان الحوثيين فعلا ينتحرون في الجنوب ايما انتحار خاصة وهم من كان يضحك ويسخر من الإصلاح جراء مشاركته في حرب عام 1994م فمن يضحك اليوم على الحوثيين ويشمت بهم وبمواقفهم اليوم في عام 2015م.