عاصفة الحزم هل توحد اليمنيين ام تفاقم حدة الانقسام؟
قبل 3 سنة, 5 شهر

 لا نستطيع القول ان اليمنيين كانوا على قلب رجل واحد قبل انطلاق عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية، وانما الواقع السياسي اليمني مليء بالجراح والانقسامات والخلافات والاحقاد والضغائن ونزعات الثأر والانتقام التي تحرك عواطف وتفكير القيادات السياسية اليمنية لمختلف القوى والأحزاب والتنظيمات السياسية والفكرية والدينية منذ عام 2011م وحتى قبيل إطلاق عاصفة الحزم ضد الجمهورية اليمنية.

الفرضية التي نناقشها في هذا المقال هي هل توحد عاصفة الحزم اليمنيين كونها تدخل خارجي في الشؤون السياسية اليمنية الداخلية، ام ان عاصفة الحزم ستزيد من حدة الانقسام السياسي الراهن وتدفع الأمور نحو مزيد من الفرقة والانقسام بين الفرقاء السياسيين اليمنيين وتعمل على توسيع الشرخ وتعميق الهوة بين مختلف القوى السياسية اليمنية المتصارعة.

وللإجابة على هذه التساؤلات لا بد من العودة الى الفترة التي سبقت عاصفة الحزم وخاصة المعارك التي نشبت بين الحوثيين وحلفائهم من جهة وبين الإصلاح وحلفائهم المعروفين من جهة اخرى، حيث ان تلك الحروب كانت غير متوقعة لأنها جاءت في وقت كان اليمنيين ينتظرون جميعا تنفيذ مخرجات الحوار الوطني وعبور المرحلة الانتقالية وصولا الى الاستقرار السياسي الدائم المبني على الديمقراطية والتعددية السياسية والتعايش السلمي والمواطنة المتساوية.

في ظل تلك الأجواء تفاجأ الشعب اليمني بحرب ضروس تندلع في دماج بين الحوثيين والسلفيين المتحالفين مع حزب الإصلاح، ودخل على الخط الشيخ حسين بن عبد الله الأحمر وانتهت الحرب بخروج السلفيين من دماج وبوساطة من الرئيس عبد ربه منصور هادي، واخذ منطق الحرب يفرض نفسه على كل منطق اخر فكانت حرب كتاف بين الحوثيين والسلفيين وانتهت بخروج السلفيين من كتاف وتفجير دار القران هناك، وما ان انتهت حرب كتاف حتى تفرغ الحوثيين لعدوهم التاريخي اللدود وهم أبناء الشيخ الراحل/عبد الله بن حسين الأحمر، ودفعوا بكل قواهم نحو جبهت حاشد الملتهبة وقد تمكنوا من دخول الخمري وفجروا قصر الشيخ حسين بن عبد الله الأحمر ثم واصلوا زحفهم حتى وصلوا مشارف عمران.

وما هي الا فترة وجيزة حتى اشتد الخلاف بين الحوثيين وحزب الإصلاح في محافظة عمران على إثر إصرار الحوثيين على تغيير المحافظ الإصلاحي والعميد حميد القشيبي قائد لواء عمران وأيضا تغيير مسؤول الامن في المحافظة، ولم تفلح الوساطات حينها لحل الخلاف سلميا وتفجر الموقف في عمران بين الحوثيين والإصلاح واللواء الذي يقوده حميد القشيبي وانتهت الحرب في عمران بسقوط المحافظة في ايدي الحوثيين ومقتل العميد القشيبي في ظروف غامضة لا يعرف أحد تفاصيلها حتى الان.

ومع كل معركة كان الشرخ يتسع والاحقاد تتزايد ونزعة الثأر والانتقام تتسع في أوساط حزب الإصلاح ومناصريهم من السلفيين والقوى القبلية التقليدية التي شعرت بالهزيمة والاهانة والغبن خاصة بعد الامعان في تفجير المنازل ودور القران والحديث في المناطق التي استولى عليها الحوثيين وشردوا منها خصومهم السياسيين، وهكذا استمر الحوثيين في مهمتهم المفضلة التي تقوم على اسقاط المدن والمحافظات في أيديهم بحجج وذرائع مختلفة، حيث كان ابرز عمليات اسقاط المدن والمناطق في أيديهم هي معركة اسقاط صنعاء بحجة اسقاط الجرعة وقد تم ذلك للحوثيين في 21 سبتمبر من العام الماضي بعد معارك سهلة مع الفرقة الأولى مدرع، وتم ان ذاك توقيع اتفاق السلم والشراكة.

ومع ان الحوثيين اعلنوا التزامهم لجميع القوى السياسية اليمنية بالعمل معهم وفقا لاتفاق السلم والشراكة الوطنية دون اقصاء او تهميش لاحد، الان ان مرارة الهزيمة قد اوغرت صدور خصوم الحوثيين وخلقت اثقالا من الحقد والكراهية والنزعة الانتقامية في صفوف القوى المعادية للحوثيين والتي بالتأكيد تتحين الفرصة لرد الصاع صاعين، ولم يكتف الحوثيين بالسيطرة على صنعاء وانما ارسلوا كتائبهم الى ذمار واب والبيضاء والحديدة للسيطرة عليها وتصفية ما تبقى من مراكز القوى التابعة لخصومهم، وهذا ما عزز الانقسام واستفز حزب الإصلاح وحلفاءه.

ومع إطلاق عاصفة الحزم تنفس خصوم الحوثيين الصعداء وراوا فيها فرصة تاريخية لا تعوض للخلاص من سيطرة الحوثي وهيمنته عليهم، فسارعوا الى اعلان بيانهم غير المحسوب سياسيا لتأييد عاصفة الحزم ضد خصومهم الحوثيين، رغم ان العاصفة في النهاية تستهدف اليمن بكامله وليس الحوثيين وحدهم، ذلك البيان دفع الحوثيين الى رد فعل لا يقل غباء من بيان الإصلاح فتم مداهمة مقرات الإصلاح ومنازل قياداتهم لاعتقالهم على خلفية بيان التأييد.

والحقيقة ان إجراءات اعتقال قيادات الإصلاح في هذا الظرف الحساس يزيد من حالة الاحتقان السياسي الحاصل بين الفريقين ويدفع باتجاه المواجهة المسلحة والحرب الاهلية المرتقبة، ولذا نستطيع القول ان عاصفة الحزم لم توحد اليمنيين كما يفترض وانما ساهمت بشكل كبير بتعميق حدة الانقسام السياسي ومهدت الطريق لبوادر حرب أهلية وشيكة في المستقبل القريب.

ان عاصفة الحزم في حقيقة الامر عقدت المشهد السياسي اليمني وخلطت الأوراق وجعلت الصراع السياسي المسلح في اليمن في الوقت الراهن يبدو وكأنه حرب تدور بين الشمال والجنوب وليس بين أحزاب سياسية وقوى اجتماعية ودينية تتصارع على السلطة، وكل ذلك يجري تحت شعار الدفاع عن الشرعية وارغام القوى الانقلابية على التسليم للسلطة الشرعية في البلاد، وهذا بعد جديد اضافته عاصفة الحزم الى ابعاد الانقسام السياسي اليمني والصراع السياسي الراهن بين القوى السياسية اليمنية المختلفة.

ان عاصفة الحزم تخلق ابعادا جديدة للصراع الساسي القائم في اليمن وتخلق حالات جديدة من الاستقطاب السياسي على المشهد السياسي اليمني الذي بقي لفترة طويلة متسما بالثبات من حيث عملية الاستقطاب السياسي وطبيعة التحالفات السياسية الواضحة والتخندق السياسي القائم، حيث اوجدت العاصفة تحالفا سياسيا جديدا واستقطابا سياسيا جديد على المشهد السياسي اليمني، وهو البعد الجهوي للصراع والمتمثل حاليا بالمقاومة الجنوبية التي تشهدها محافظات الجنوب ضد الحوثيين والقوات الموالية لهم، وبهذا اتخذ الصراع السياسي في اليمن منحنيين الأول صراع الجنوب مع الشمال والثاني صراع الحوثيين وخصومهم من القوى والأحزاب السياسية اليمنية التي بدأت تقاوم في تعز واب والبيضاء وقد تمتد الى مناطق ومحافظات جديدة، ليشهد البلد حربا أهلية شرسة تمتد رحاها على امتداد الخارطة اليمنية في بلد منهار اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وامنيا واجتماعيا وثقافيا. الخ.