القضية الجنوبية وتكرار الخطأ التاريخي
قبل 3 سنة, 4 شهر

      تصدرت القضية الجنوبية جدول اعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل وكانت القضية الرئيسية والأكثر أهمية من بين كافة القضايا الأخرى التي تناولها مؤتمر الحوار الوطني الشامل، حيث تمحور الخلاف بين مختلف المكونات الوطنية اليمنية بشان القضية الجنوبية حول رأيين الأول يرى ان الحل العادل للقضية الجنوبية يتمثل في قيام دولة اتحادية من اقليمين شمالي وجنوبي على أساس الحدود التي كانت بين الدولتين قبل قيام الوحدة اليمنية، والثاني يرى ان الحل يتمثل في قيام دولة اتحادية من ستة أقاليم، وهو ما تم اقراره في مؤتمر الحوار الوطني.

لقد طالب مؤتمر الحوار الوطني حكومة الوفاق برئاسة الأستاذ محمد باسندوة بالاعتذار للجنوب عن الحرب التي شنها عليه الشمال عام 1994م، وقد استجابت حكومة الوفاق الوطني وأصدرت بيان اعتذار رسمي للجنوب عن تلك الحرب الظالمة، ووصف البيان تلك الحرب بانها خطأ تاريخي فادح يجب ان لا تتكرر، واكد البيان على ضرورة جبر ضرر الاخوة في الجنوب عما اصابهم من ظلم نتيجة تلك الحرب الخاطئة.

وفي الوقت الذي كان إخواننا في الجنوب ينتظرون من الحكومة في صنعاء تعويضهم وجبر ضررهم وتضميد جراحهم وإزالة رواسب حرب عام 1994م، تفاقمت الخلافات السياسية في صنعاء بين الحكومة والحوثيين الذين سيطروا على العاصمة صنعاء وفرضوا وصايتهم على الحكومة اليمنية والمجتمع اليمني بشكل كامل، وهو ما أدى الى استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي والحكومة برئاسة الدكتور خالد بحاح، الامر الذي دفع الحوثيين الى فرض الإقامة الجبرية على الرئيس هادي وأعضاء الحكومة.

تلك الخطوة دفعت الرئيس هادي الى مغادرة صنعاء الى عدن لإعلانها عاصمة مؤقتة وصنعاء عاصمة محتلة، وبدأ الرئيس هادي يمارس مهامه الرئاسية من عدن، وهذا اثار غضب الحوثيين في صنعاء ودفعهم الى الإعلان ان الرئيس هادي فار من وجه العدالة، وقرروا اجتياح الجنوب والوصول الى عدن للقبض على الرئيس هادي، وبهذا التصرف ارتكب الحوثيين خطأ تاريخي اخر بتكرارهم حرب عام 1994م ضد إخواننا في الجنوب.

الحرب التي يشنها الحوثيين على إخواننا في الجنوب، تعد حربا مجنونة بكل المقاييس كونها جاءت في توقيت حساس كان الجنوبيون يتطلعون الى مستقبل مشرق وتعويض منصف وعادل يعيد للجنوبيين حقوقهم وكرامتهم وحريتهم في إدارة شؤون بلادهم وبناء علاقات اخوية وندية مع إخوانهم في الشمال بلغة الحوار والتفاهم بعيدا عن لغة السلاح والعنف والسيطرة عليهم وعلى مصادر ثرواتهم الطبيعية وغير الطبيعية وحرمانهم منها لصالح قوى النفوذ والبطش والهيمنة في الشمال.

ان هذه الحرب الخاطئة التي يكررها الحوثيين مع شديد الأسف ستعمق الجراح عند الجنوبيين وتشعرهم بالإهانة والاذلال وهذا ما سيترتب عليه مواقف متشددة من الجنوبيين حيال إخوانهم بالشمال، كما ان هذه الحرب اكثر فظاعة ووحشية وتنكيلا بحق الجنوبيين من حرب صيف عام 1994م، كون هذا الحرب تدور في المدن الرئيسية الجنوبية ذات الكثافة السكانية الكبيرة، مما جعل الاحياء السكينة في المدن الجنوبية ساحات حرب حقيقية بين الحوثيين والجنوبيين المقاومين لهم، وهو ما أدى الى دمار وخراب المباني السكنية وسقوط اعداد كثيرة من الجنوبيين ضحايا لهذه الحرب الحوثية الهستيرية.

لقد تسببت هذه الحرب الحوثية على الجنوب بدمار كبير لمنازل المواطنين الذين فروا من بيوتهم طلبا للنجاة من القصف الحوثي الجنوني للأحياء السكنية في المدن الجنوبية التي تدور فيها المعارك بين الحوثيين والسكان المحليين المدافعين عن مدنهم وبيوتهم وعن كرامتهم وشرفهم، وهذا ما سيولد احقادا تاريخية ثقيلة بين الجنوبيين والشماليين وسيحول مستقبلا دون التلاقي والاتحاد بين الشمال والجنوب، كما ان هذه الحرب ستترك احقادا وثارات طائفية ومذهبية بين الحوثيين وبين من يعتبرون انفسهم من اتباع المذهب السني سواء كانوا جنوبيين او شماليين، وأخيرا نخلص الى الحوثيين قد اسسوا بتهورهم لصراع مستقبلي بين اليمنيين شماليين وجنوبيين لن ينتهي الا بعد عشرات السنين.