ماهشيد، آل سعود
قبل 3 سنة, 1 شهر

فجأة، بدون أي تمهيد او مقدمات قرر جاري ان يضيق الخناق على اخوته المقيمين معه في نفس البيت  لدفعهم لمغادرة المنزل و النزوح الى أي منزل من منازل الجيران المحيطة.  ما كان جاري هذا مجنون و لا كان عاقل. بل هو متفاوت بين عقل الأمي و جنون البلطجي. لم يسبق في حارتنا بأكملها ان تسبب اخ بتهجير اخوة من بيتهم و هو بيت الآباء و الاجداد و هو الإرث. كان اسم هذا الأخ " لوثي" من طيلة ما كان يتسبب باللوثة و الاختلافات بين الأخوة و يثير الفتن و يأجج المشاكل. كان كثيرا ما يهتف بشعارات جوفاء و هو أبعد ما يكون عنها. مثلا كان يرفع شعارات الرجولة ، البطولة  و الفداء و هو اركك من عنكبوت كواه قيض في صيف القاهرة. كان باستمرار يحد من حرية اخوته داخل منزلهم و هذا اقسى انواع الشنق ، خصيصا لكي يمتد هو و يتمدد ، و يفتح ساقيه ، يفتح ذراعيه، يتقلب يمين و شمال ، يحتضن الوسائد، ينام حيث يشاء، وقت يشاء ،و يشخر حتى يصم الأذان. زد على هذا التحكم و السيطرة كلها ان لوثي كان يعشق النساء ، فتجد الغانيات الحسان من جنسيات اجنبية و اعجمية، تدخل منزلهم و تخرج على مدار الساعة فتسبب هذا بأن ساءت سمعة المنزل و آله. كانت احسن الغوان و اقربهن الى قلب اللوثي هي الغانية ماهشيد ، حيث كان الأخوة عند دخولها تتمايل بذاك القوام الرشيق و البياض المبهر المشع  تتسع حدقات اعينهم مسبحين الله في خلقه غير مصدقين ما يرونه من بهاء خلق الله .

بمجرد انهاء ماهشيد لمهمتها في غرفة الأخ اللوثي و مغادرتها للغرفة، يهرع الأخوة اليه ، يشتكون انهم ما ناموا الليل بطوله بسبب شخيره ، صوته العالي و خلاعة ضحك ماهشيد. طلبوا منه ان يقدر مشاعرهم فهم يغارون على الحلال و تغضبهم الفحشاء و المنكر، كما انهم شباب و يريدون منه ان يثق تمام الثقة ان كل منهم يتمنى لو ان ماهشيد فوق فراشه هو. الأخ اللوثي بمجرد سماع هذا الكلام قام يزمجر صارخا صرخته الشهيرة :-" من لم يعجبه الحال فليخرج." عبثا يفهمونه ان البيت بيت الكل. عبثا يشرحون له ان البيت ليس بيته لكي يقبل بمن يشاء فيه و يطرد من يشاء. لم يفهم حتى حين صارحوه انهم لن يخرجوا للإقامة في بيوت الناس ، لأن الانسان لا يظلله "الستر" الا في بيت الانسان نفسه.  اخبروه ان عواقب سلوكه و اخلاقه المشينة سوف تأثر على الجميع ، لم يفهم، لم يفهم ببساطة لأنه " لا يفهم"! انه انسان لا يجيد التهجؤ و الاملاء فكيف يفهم و هو من لم يقرأ و لم يكتب؟

في احد الليالي ارتفع صوت شخير الأخ اللوثي حتى بكت منه اختهم الصغيرة و هي تسد اذانها بكلتا يديها. تطوع احد الأخوة بأن اقترح على اخوته ان يتسلل على اطراف اصابعه و يدس وسادة تحت رأس الأخ اللوثي لعل شخيره يسكت او على الأقل يخفت. فعلا  دخل الأخ الأصغر من الذكور و قطع المسافة فوق ارض الغرفة بين اذرع و افخاذ الغوان حتى وصل لرأس اللوثي ، شد وسادة و ادخلها تحت رأسه ، لكن لسوء حظه ما ان استدار ليخرج حتى صحى اللوثي من نومه صائحاً :-" ماذا تفعل داخل غرفتي بدون استئذان يا غبي، تنتهك حرمه بيتي و آله؟" سكت الأخ الصغير و هو يرتعد خوفا، ثم تمتم :-" فقط كنت احاول ايقاف مشكلة الشخير." لم يجرؤ ان يقول له ان لا حرمه لبيته و هو متكدس بالمحرمات. وقف الأخ اللوثي و دفع بكلتا يديه الغليظتين اخيه الصغير حتى اسقطه ارضا ، ثم برك فوق ضلوعه اوسعه  لكما حتى ادماه. تجمع الأخوة يتفرجون بهلع و دموع لكن لم يجرؤ احد منهم ان يقترب لإنقاذه. حاول الأخ الصغير بكلتا يديه ان يدفع عنه الأخ اللوثي مما اغضبه فصاح :-" و تقاومني يا نذل؟"  ناولته ماهشيد مسدس فاطلق رصاصة في قلب اخيه فارداه قتيلا غارقا في دماه. كتم الأخوة عويلهم و هم يتابعون برعب مشاهد ذلك الكابوس ، حتى يبسوا و تسمروا في اماكنهم. جلس الأخ اللوثي و ماهشيد تتمايل حوله تدغدغ عنقه و تمسح على جبينه المتعرق بأصابعها الناصعة الجميلة .  التفت اليها معلقا :-" يعترضون كثيرا حتى بدأت اشعر بالصداع. لو كنت سكت لهم كانوا سيلحون علي ان اتزوجك بعذر الحلال ، و انا لا يروق لي الا الحرام. ارادوا رفع رأسي عن الأرض فوق وسادة، التكفيرين ، و انا من التراب و الي التراب ،لماذا الوسائد؟ لن المس طوال حياتي وسادة. كانوا سيتمادون فيحددون لي وقت ادخلك فيه البيت في غيابهم فقط لكي لا يرونك. و انا ""حر""  افعل ما اشاء وقت اشاء، حيث اشاء ، كيف اشاء. ومن لم يعجبه الحال فليخرج!"  خاف باقي الأخوة خوفا من اخوهم اللوثي فهو لا يتناقش ، بل يقتل لذا قرروا ان يهادنونه لتجنب ازهاق ارواحهم. اجتمعوا و دخلوا اليه ، فوجدوا ماهشيد تمسح دماء اخوهم القتيل ، دخلوا اليه و تكلم احدهم نائبا عن البقية. ابلغوا الأخ اللوثي بأن ما اقترفه الأخ الصغير القتيل يعتبر تدخل سافر، و تعدي على حقوق الأخ اللوثي. ابلغوه ان ماهشيد سيدة البيت و ساكنيه. ثم طأطأوا رؤوسهم و احدودبت ظهورهم و هم ينطقون بصوت خافت :- " فقط ان امكن ، اذا ممكن يعني ، و ليس فيها ازعاج لا تدخل اختنا الصغيرة البريئة لخدمتكم ، لا نحب ان ترى ما يحدث داخل غرفتك بينك و بين الغوان، هل توافق على هذا الطلب؟ نخاف على اختنا الصغيرة من الفتنة. هل توافق على هذا ؟ اذا لم يعجبك المطلب نلغيه فورا ، و نلعن اجدادنا اذا ضايقناك في مسألة آخرى. هدفنا الا تغضب." قفز هائجاً  و شرع يعد بأصابعه :-" انا ادخل اختي لخدمة اخيها، فما شأنكم انتم ، ثم هذه المطالب كثيرة. اولا طلبتم مني الزواج بماهشيد، ثانيا طلبتم مني وضع وسادة ، ثالثا اشتكيتم من الضحك المرتفع و رابعا طلبتم ادخال ماهشيد في غيابكم... تجاوزتم كل الحدود يا اشقائي." سارعت ماهشيد تناوله بندقية كبيرة حديثة و اطلق الرصاص بشكل عشوائي ، فتهشم زجاج النوافذ و اخترق انبوبة الغاز في المطبخ فانفجرت و تطاير جدار المطبخ ، هرب الأخوة في شتى الاتجاهات مغادرين المنزل و اللوثي يلاحقهم برصاصه صارخا:-" و من لم يعجبه الحال فليخرج." كانت ماهشيد تلتف حوله و تلتصق به و تقبل زنده. غانية نجسة هي ماهشيد. صرخ اللوثي صرخته المقيتة :- " من لم يعجبه الحال فليخرج." هنا ركض الأخوة فارين من منزلهم و جروا صوب الشارع. استقبلهم الجيران. كنت أنا احد الذين استقبلوا احد اخوة الأخ اللوثي ، الذي لوث قلوبنا، عقولنا ،عيوننا ، رئاتنا و دمانا. لم يبق داخل المنزل الا الأخ اللوثي و ماهشيد و الأخت الصغرى التي خافت الشارع و اختارت ان تبقى في كنف اخيها.

في منزلي جمعت اولادي الخمسة في غرفة لكي يسكن جاري المثير للشفقة في غرفة مستقلة به. فهو في حكم السوري و العراقي و الليبي أي نازح غير انه رفض ببسالة و صمم الا يعكر استقرار اهل البيت و اختار ان ينام تحت طاولة غرفة الجلوس. صمم لدرجة انه قال لي إما ان تتركني انام تحت الطاولة او اخرج الشارع فوافقت ان ينام تحت الطاولة. كنت ارقبه بوجع في قلبي يكاد هو يسمعني أتأوه. كان الشاب يصحو فيدق رأسه بالطاولة التي تعلو رأسه. لم يتعلم ان يحني رأسه حتى يخرج من اسفل الطاولة و انما كان دق رأسه عمل يومي. كان يخرج بعدها من اسفل الطاولة ليقف بلا حراك، حامدا الله انه لم يعد يشتم رائحة عطر  ماهشيد و ما عاد يسمع دوي قصف بندقية اخوه اللوثي. كنت انا اقترب منه و امسكه من ذراعه و ارشده للحمام قائلا له :- " اغسل وجهك و ابدل ملابسك و تعال لنتناول الافطار." فأجابني :-" لا ملابس معي سوى هذه التي ارتديها ، خرجنا حفاة يا جاري." فطبطبت على ظهره و وعدته ان أخذه للسوق بعد الإفطار. كنت اراه يمشي كأنه أعمى ، فيصطدم وجهه بالجدار و يمشي صوب التلفاز كأنما لا يراه و ادركت ان اول مراحل النزوح هي الحزن الُمعمي.

مرت الأيام و جاري يقيم تحت الطاولة لكن تحسن لدية البصر فأنبأني انه بصدد ايجاد أي وظيفة ليخرج و يستأجر غرفة خاصة به بدلا من احراجي و عندما اخبرته انني غير متضايق من وجوده البتة قال لي اذن اريد ان اشاركك في تكاليف الأكل. خرج يبحث عن وظيفة. كنت ارقبه من نافذة بيتي. كاد المسكين ان يطير جوا لأنه  اوشك على قطع الشارع دون ان يلتفت يمينا و شمالا فكادت سيارة مسرعة ان تطيره.  غير انه تلافاها. وجد يومها وظيفة منظف في مسلخ للدجاج . كان راتبه بخس غير انه فرح لان صاحب المسلخ كان يعطيه نصف دجاجة يوميا يركض بها الي لكي تطهوها زوجتي. كنت اشفق على جاري هذا للغاية لأنه كان يجسد امامي مثالا حيا لعزيز قوما ذل. استغربت ايضا كيف تهاوت صحته و ضعفت عضلاته و اشتعل رأسه شيبا و بات يعرج دون ان نعلم لما فهو في الرابعة و العشرون من العمر؟ لعلها ضريبة النزوح عن الأوطان عندما تكون هذه الأوطان تحت القصف.

لست ادري على من أدعي؟ هل ادعي على الاخ اللوثي؟ هل ادعي على ماهشيد ال سعود؟ هل ادعي على نفسي لأنني لم استطع ان أعين جاري في كربته عون حقيقي؟

لكن سيظل بيتك موجود يا جاري...لم يكن لك اختيار في ترك دارك، و ُاجبرت على النزوح الى داري... لكنني ادعو الله ان تموت ماهشيد و هي في حضن اخوك اللوثي لعل ذلك يبرد نارك يا جاري العزيز و يطفئ ناري. ففي زمن الفتن - الصبر و الدعاء - مفتاح الفرج يا جاري... اذا كان أي شخص يعرف مفتاح غيره ارجو اخباري.