عقد قراننا على صديد
قبل 3 سنة, 2 شهر

حفل زفاف لعروس يمنية والدها من نخبة رجال الأعمال الأثرياء ،هذا الزفاف اقيم في الخارج. عقب نزوح الكثير جدا من اليمنيين الى مصر بعد قيام حرب 2015.  ذهبت يومها الى حفل الزفاف خصيصا لكي اتسلل هربا من الحصار النفسي الذي كانت ضغوطات الحرب و النزوح تحيطنا به. كذا كان لدى فضول لأرى هؤلاء الأثرياء عند قيام حرب في بلدهم حين يسقط الجميع على وجهه كيف يكون سقوطهم هم؟ لم اجد يومها في القاعة من الحرب الا وشوشة جانبية سرية عن الحرب، الحوثي، عدن ، الدواعش، المقاومة، اللاجئين في جيبوتي، و طائرات الاغاثة و عفاش. اما الجو العام في حفل الزفاف فكان التصفيق و الموسيقى العالية و المأكولات و الفساتين الرائعة ، كانت كل الوشوشة الخافتة متبله ببهارات الحسد لآل العرس. كانت القاعة اسطورة ، الطعام وليمة خيالية، اثواب نساء العرس خرافة ، جمال العروس و وسامة العريس وضعهم في الفضاء  يدورون مع كواكب. العروس احلى من القمر. كان امامنا مطربة نصف شهيرة تغني و صبايا العرس يتسابقن لأخذ صور فوتوغرافية معها. لست ادري لما تذكرت صورة البنت في صنعاء القديمة التي بكت بفم مفتوح و شعر اشعث و هي تنظر الى انقاض بيتها بحثا عن اسرتها. طردت الصورة من بصري لترتاح حواسي و لو لساعة من احزان الحرب التي تلازمني. كانت كل ربع ساعة تميل فتاة عاملة في الفندق بزيها الأبيض و الكحلي لتسألني :-" تشربي إيه يا فندم؟" فطلبت عصير برتقال و المرة الثانية طلبت شاي لأنني كنت قد بدأت أتثائب و المرة الثالثة شكرتها مكتفية بما شربته. تأملت بتعجب النساء و البنات فوق طاولتي اللواتي لم يتوقفن عن الطلب. رأيت اكواب من البرتقال، العنب الأحمر، التفاح، الجوافة، المانجو و الفراولة و الكيوي و البن و الشاي و الكابتشينو و اللاتية...هاا و الليمون ،حتى استحيت من طاولتي. كن الضيوف يطلبن المشروبات بسرعة لم تسمح للعاملات برفع كؤوس المشروب السابق، فاكتظت الطاولة بالكؤوس!  صحيح اننا قبيل النزوح عندما كنا لانزال في اليمن قد يكون البعض منا جاع و قد يكون البعض عطش لكننا كنا مرويين و مشبعين بالكرامة فأين ذهبت من هؤلاء النسوة الكرامة و هن يظهرن كل هذا العطش و الشرب حد الفيضان حتى تحرجت من العاملات بالصالة! تجلس محاذية لي امرأة متقدمة في السن وتضع نظارة على انفها. سألتني:-" منذ متى انتِ في مصر؟ اين تسكنين؟ ايجار و الا ملك؟ معك اولاد؟؟ سمعتي التفجير الأخير في مصر بشارع الجلاء؟ كيف ستتصرفين بمادة اللغة الفرنسية الإجبارية في مدارس المصرية و اولادنا لا يدرسونها؟ هل قالوا لك انهم دراستهم اقوى من دراستنا و لابد من ارجاع ابنك سنتين  للخلف؟"  على كل الأسئلة كنت اجيبها :-" مدري، مدري والله، على الله، مدري. حسبنا الله ونعم الوكيل" كان تحقيق بمعنى الكلمة. فاختنقت. سألتني هل انا شمالية  ام جنوبية، فاستأذنتها للذهاب الى دورة المياه.  في طريقي اليها خارج القاعة سألت نفسي لماذا تحولت صنعاء الى جنسية و عدن الى جنسية اخرى و لماذا صارت اليمن التي تضم اليها المدينتين في المرتبة الثانية؟ دخلت الحمام و تأملت جبيني في المرآه العملاقة المضيئة الفاخرة، احزنني شكلي. سألت نفسي :-" اين انتِ يا سلوى؟ نازحة في مصر يا مسكينة؟ النزوح طعمه يشبه مذاق اليتم اليس كذلك؟ و اليمنيين اصبحوا يقيمون حفلات زفافهم في الخارج و لا يأجلونها، لانهم لا يرجون فرجا قريبا."  في طريقي للعودة الى الصالة وجدت سيدتين عائدتين الى الصالة مثلي احداهن منقبة و الثانية بحجاب، وجهها ظاهر مثلي. كن يتأملنني بشكل لفت نظري فسألتهن مبتسمة دون أي فظاظة :- " أيش في؟ بتشبهين على؟" اجابتني بات مان المنقبة :- " لا! ما نعرف واحدة تشبهك بس انتِ حوثية؟"  احسست بالهلع و شعرت بشعور من تلقى بوكس على انفه. اجبتها بانفعال:- "لا، لا ، لا طبعا مش حوثية ، ليش تسألي؟"  قالت لي صديقتها مبتسمة :-" تمزح، تمزح طيب انتِ صنعانية ؟ "   رديت :-" لا و لا من صنعاء ، انا من قرية تابعة لمدينة إب في الخريطة ، لكن زوجي، اولادي، بيتي ، وظيفتي، مدارس اولادي، جامعة اولادي  ، صديقاتي و روحي و نفسي كلها في صنعاء." خنقتني العبرة و انا اجيب. قالت لي بات مان كأنما تحققت من تهمة وجهتها لمتهمة :-" اذن حوثية!!"  صديقتها تكرر:-" تمزح ، تمزح." فبادرتهن بحدة :- "لا بس اسمحين لي ، مزاح سخيييييف ( و لم اقل اسخف من وجوهكن) و اذا جينا للحق الحوثيات لا يظهرن وجوههن ، بل يتنقبن مثلك انتِ و ليس أنا."  أشرت بأصبعي الى بات مان. دفعت الصديقة صديقتها بات مان  قائلة :-" خلاص بس  مله ، تقل لك مش حوتية." لم استوعب تفسير تلك المحادثة الشاذة المريبة الا بعد ان تباطأت فسبقنني للقاعة و عدت انا ادراجي للحمام. ماذا لو كنت حوثية؟  هل كانت بات مان ستهجم علي و ترشقني بشبكتها العنكبوتية؟! لم استطع ان اتخيل لوكنت حوثية و من مناصرات الحوثي بالذهب و سبائك الغباء ماذا كان سيحل بي؟ عدت الى الحمام لأجد نفسي وحدي فيه. أنا يقال لي حوثية؟! جدران الحمام كشظايا زجاج ، اضاءة فوق كل مرآة. و في اليمن الكهرباء اُغتيلت. صابون سائل و ماء في الحنفيات يطالب بترقيته الى رتبة شلال و مناديل و كنب للانتظار في حاله ازدحام الحمام. انتِ حوتية؟ لست ادري لماذا ظل صوت بات مان يكرر نفسه على مسمعي. هل بتنا نحن اهل الشمال جميعا في اعين اهلنا في الجنوب "حوثيين" جملة و تفصيلا و ظلما و قهرا و سعيرا؟ لست ادري لما لكنني استفرغت و انا ابكي . فجاءة وجدت ابنتي خلفي ، تأخرت فجاءت للاطمئنان علي ، سألتني :-" ماما ، مالك؟ تعبانة؟" اجبتها :-" اسكتي بس ، ماما طلعت حوثية."  ارتفعت يدها الى خدها في انزعاج و عدم فهم. ساعدتني لأجلس على الكنبة. طلبت منها ان تعود الى صالة العرس و حالما اهدأ اعود. رفضت ان تتركني. رجوتها ان تذهب و طمأنتها انني بخير. جلست بجانبي ترفض المغادرة. فهددتها ان لم تخرج من الحمام لأفتحن حنفيات الحمام و ابكي حتى اغرق الحمام و الصالة و الفندق و مصر كلها! قامت و خرجت متلفته الي في قلق. لم استطع شيئا اعمله سوى ان  عضضت على شفتي ،ضغطت على جبيني بإبهامي و سبابتي وتركت دموعي تسيل حارة مالحة كبحر الحديدة. الحوثي لم يقدم اليمن لقمة للحرب فحسب ، فالحرب مهما طالت سيأتي يوم و تنتهي. لكن الحوثي فعل شيئا لم  يفعله كل من سبقوه. فعل شيء لم يقم به من قبله احد. لقد فتن بيننا نحن اليمنيين. لقد حفر بساطور فتنته اخاديد عميقة في ارواحنا لن تلتئم الا بعد أجيال قادمة. بكيت حتى تبلل صدر ثوبي. دخلت عاملة الحمام فرأتني ثم سألتني :-" فيه إيه يا فندم؟ حضرتك تعبانة؟" اجبتها :-" حضرتي على آخر الزمن حوثية." لم تفهم شيئا لكنها ناولتني منديلا و خرجت. آه من جروح الفتنة التي تراكمت بداخلنا و اهملنا علاجها حتى تكاثرت و طال زمنها حتى قيحت. بدأت الفتنة في صعده ، و الله الغني عن رمانها ، هناك بدأ  تقسيم الناس الى قنديل و زنبيل. ثم تحرك القناديل و عبيدهم المزنبلين في ارجاء اليمن و احتلوها. ثم حدث ما حدث و قامت الحرب. فاقتسم الشعب ، قسم مؤيد للقناديل و لو زنبلونا فهم في البداية و في النهاية اخوتنا المزنبلين مثلنا و ابنائنا ضد قصف السعودية الغريبة و اسميناهم الحوثة، الفرس و قسم أيد قصف السعودية للحوثي و انقاذ اليمن من نفوذ فارسي و اسميناهم دواعش و تكفيريين. فتنة هذه و الا مش فتنة؟! هذا حوثي و هذا داعشي، فتنة هذه و الا مش فتنة؟  هذا حراكي انفصالي و هذا وحدوي ، فتنة هذه والا مش فتنة؟!ّ عدن حررها ابناؤها ام سقطت الحرة اسيرة القاعدة و داعش؟ فتنة هذه و الا مش فتنة؟! انصار ما يسمى بالشرعية يتقاتلون الان مع الانفصاليين ، فتنة هذه و الا مش فتنة؟! هذا دحباشي و هذا لغلغي ، فتنة هذه و الا مش فتنة؟!  ليس كل اهل عدن دواعش و لا كل اهل الشمال حواثش!

في تلك اللحظة دخلت شابتين الحمام. لمحينني و قد احمر انفي من البكاء و بدأن يعدلن من تسريحاتهم و زينتهن. قالت احداهن للأخرى:-" مساكين الدحابشة ،يبكوا دحين. عاد نحنا بننزل لهم لمن صنعاء نبكيهم مثلما بكونا. ليش يعني الا بس عدن يدمرونه و صنعاء ماهي الا محروسة بعين الرحمن ، لا حبيبتي بنرويلكم النجوم في عز الدوهر." سكت ... كنت منهكة. كيف خمنَ انني شمالية؟ هل في الملامح شمال و جنوب؟ فانا ساكتة لم انطق. تأسفت على جنسيتي اليمنية التي افتخرت بها طوال عمري كيف تشوهت بسبب الفتنة و اصبحت حوثية. انها الفتنة التي بذرها الحوثي ثم نفخها حتى استحالت جمرة. ثم تجمع انصاره من الجهلة و الأميين و التفوا حولها يأججونها بتخلفهم و حميتهم حتى صارت نارا فأحرقت اليمن و اليمنيين. و من يطفئها الأن؟ هل ستطفئها أنت؟ لا والله صعب. حسنا هل تطفئها انت؟ لا لا مش الأن. اذن هل تستطيع انت اطفائها؟ لا ، لابد من التوعية اولا. حسنا هل نتكاتف و نطفئها كلنا. لا لا مازال الوقت مبكرا ، النفوس لا تزال مشحونة ضد بعضها البعض. طيب اطفئوا النار يا جماعة ، اطفئوا النار ياهوه. اطفئوا النار سنحترق  جميعا. لا حياة لمن تنادي ، كلا، يسمن ذئب الفتنة في غابته.

تعالوا يا ناس... نتنازل، نتسامح، نتصالح. تعالوا ننظر الى احداق بعضنا البعض. ولو كنت لا تحب اخاك و لو كان اخوك لا يستلطفك لكن تظل الأم واحدة. فلنعمل لخيرها هي. هيا ندفن الفتنة و لا نقرأ عليها فاتحة. من ينطق بكلمة " الحوثي السبب" نسكته و نقول له نحن كلنا يمنيين. ومن يقول عبدربه والمقاومة هم السبب نقول له كلنا يمنيين. من يعمل منا فعل فيه فتنه نثنيه عن ذلك و نقاطعه. نقاطع الفتنة و نقاشات الفتنة في بيوتنا ، شوارعنا ، اعلامنا ، مدراسنا،  اسواقنا ، اجتماعاتنا. حتى لو جاء احدهم يستفهم " ما معنى شيعي؟" قل له، مش وقت الثقافة ، كلنا يمنيين. او كم الساعة. قله الوقت من ذهب ،كلنا يمنيين! فلنتوقف عن  نقاشات الفتنة، حوارات العنصرية و محادثات المناطقية لعل اليمن تسلم. ليست الحرب هي مصيبتنا ، و انما الفتنة مصيبتنا. انها هم كيف ُيلملم؟ منذ هذه الحرب التي نشر