BAR
قبل 2 سنة, 10 شهر

 انتقلت داخل قميص صاحب المنزل الذي كنت اسكن فيه في اليمن الى هذه البلاد الصحراوية. سافر  صاحب المنزل فسافرت معه و مع افراد اسرته الى بلاد شوارعها ساخنة مثل وصف جهنم و النكتة ان اسمها رياض وكأنما هي من رياض الجنة. البرودة داخل منازلها و اماكنها المغلقة تُشعر الوافد كأنه في فريزر للدجاج المجمد. اما انا فكنت عالقة في قميص صاحب المنزل تحت ياقته، أرتدى صاحب المنزل القميص و سافر فسافرت برفقته. نملة سوداء ، صغيرة من اليمن . في الرياض مكثت داخل جيبه لفترة طويلة. اتعبني من كثرة تجواله و استنفذت صبري سفرياته. غير انني ادركت - مؤخرا -  ان لا أمل لي في العودة الى اليمن بلادي الا معه، فأي معجزة تعيد نملة من السعودية الى اليمن الا اذا كانت في ثنايا ثياب عائد؟ كان كلما عاد الى الفندق في الرياض ، القى بقميصه فوق السرير ابدأ انا في زحفي لعلي اغادر القميص قليلا لأتفرج على الدنيا من شرفة الفندق في الدور الثالث. لكنني كنت صغيرة و بطيئة و عند شروق شمس الصباح  التالي لا اكون قد اجتزت الا منتصف الطريق و اكاد اصل للكم في القميص .صباحا يأخذ صاحبي قميصه و يرتديه و اخرج معه حيث يخرج . كان الفندق شديد النظافة و الفخامة و ارضياته كلها رخام املس كأنها سطح ثلجي للرقص على الجليد. ارى برفقته العجب العجاب. اشتاق في كل ليلة الى موطني، تلك الزاوية في بلاط مطبخ المنزل ، خلف الدولاب في اليمن .

صباح اليوم التالي غادر صاحبي  الفرن ، غادر مطبخ يطبخون فيها مصائر الشعوب البائسة، و انا خلف زر قميصه لا احد يراني ، الى بلد اوروبي شديد البرودة . ارتدى صاحبي ربطة عنق، شال صوفي و جاكت باهظ الثمن. كيف لا و هو مسئول ، مسئول مش باب ...  يتحدث باسم حكومتنا الرعشية و يعمل لصالح ما يسمونه "الشعب" . اما انا فشعرت بالدفء داخل نسيج الصوف في شاله  فغفوت. هبطت الطائرة و خرج صاحبي من الطائرة و حوله رجال ، امامه، خلفه ، على جانبيه. يحرسونه و من معه. معالي الوزير، حضرة الأستاذ،  فخامة رئيس المفاوضين و القاب اخرى القاب . يتحدثون اليهم بصيغة الجمع و هم لا يسوون في سوق النمل نملة -  لكن لا بأس "ارزاق" - ،  صاحبي تلاحقه الكاميرات و تسجل معه سيدة شقراء لقاء في قناة تلفزيونية. ارهقني يا ناس ارهقني. ما عدت انام من اضواء فلاشات الكاميرات ، منذ علقت في قميصه في ذلك اليوم المشئوم حين هرب من اليمن و لحظي التعس كنت فوق قميصه هذا. من يدري ماذا بررن امي و اختي اختفائي ام انهن من شدة القصف لم يلحظن غيابي اصلا. كان يترجل  نخبة او كوكبة من رجال الحكومة الشرعية الذين يفترض انهم يتوسمون توقف الحرب و يسعون لإنهاء قصف اليمنيين.

استرقت النظر من داخل نسيج شال صاحبي الصوفي ، سمعت اسماء  تتكرر " جنيف" " امم متحدة" و" ملف اليمن". تشبثت بصوف شال صاحبي من خوفي ان تطيرني ريح شتاء جنيف القاسية. تفرجت بذهول على احمرار ارنبة انفه ،  انفاسه و هي تتكثف من شدة الصقيع فيبدو كأنما هو يدخن  بدون سيجارة بين اصابعه، و جربت انا ان افعل مثله لكي اشاهد تكثف انفاسي ، نفخت ، نفخت دون جدوى، ليس للنمل انفاس مرئية لكن لنا تنهييييييد .  فهمت من الاجراءات التي تحيط بصاحبي ان الرجل له اهميته، نظرت من حافة جيبه ، تفرجت على جنيف. ساحرة ، رائعة، مضيئة بالذات بالمقارنة بركني في المطبخ خلف الدولاب و يحيط بحفرتي في البلاط اكوام من فتات الخبز للشتاء القادم . فيما كان واضحا بالنسبة لي ان صاحبي مرسل من الرياض من حكومتنا الشرعية للتفاوض مع الحوثيين. عن نفسي – و لو كنت نملة بنت نملة – لكنني لا احترم الطرفين ، فالحكومة الشرعية مثلا من شرع لها ان تعزم دول الدينا لتأتي لقصفنا و في شرع من يجوز هذا يا حكومتنا الشرعية يا من لا تتحرجين – جهارا نهارا -  من طاعتك للمملكة السعودية؟ اما الحوثيين ،الطرف الثاني و الذي يضرب كل من يرفضه بحجة انه داعشي واذا لم يكن داعشي من يقتل اخوه اليمني فمن هو الداعشي اذن؟ يدعون محاربة القاعدة و داعش و هم شكل مُحدث من القاعدة و من داعش.  ينكرون عمالتهم لإيران فمن سمح لهم ان يكونوا رقيب بعصى او صميل ، يقومون بالتأديب و هم اول الفاشلين و اجهل العصاة ؟ بين السعودية و ايران ، بين البالوعة يا شعبي و غطاءها من اقحمنا ؟ انهم المستفيدين من الحرب و ما اكثرهم . صاحبي كثير الحركة، سريع فيها. اضطرني لتثبيت نفسي تحت زر قميصه كي لا اسقط او تطيرني حركاته الأكروباتية. الرجل – على فخامة بذلته و عطره - لا يشكل في مصانع تنسج  وشاح الحرية  وحرير السلام لا يشكل لا خيط و لا ابرة. والرجل، يا شعبي ،  لا خير فيه ولا معروف و لا نية خالصة و لا حتى خبرة. وصلنا قاعة المؤتمر، جاء دور صاحبي في التحدث. اقترب من المايكروفون  فسددت اذناي. قرأ ورقة تلو الورقة. تحدث عن ميليشيات مسلحة تمردت على الشرعية ، و انتم ، من انتم؟ انكم في الرياض قطيع  هارب ارسل صواريخ الغرباء الينا، تخلى بجبنه عن الشعب ، بعد ان ورطنا بقراراته ، و ضيعنا بتخطيطه ثم نفذ بجلده الى المملكة. انتم  قتلة  مثل الحوثيين- ضعنا نحن بين اقدام القتلة  و القتلة! تكلم صاحبي امام الحضور كذا عن محاصرة تعز و تعطيش اهلها. اسهب في ذكر ارقام القتلى و كم نسبة النساء و الأطفال منهم. الذي يسمعك يا صاحبي يقول يااا عيني كم قلبك على الناس. لماذا لم تذكر ايضاَ  قصف السعودية و اعداد القتلى و الجرحى ، المشردين و المعوقين، و الا يعني عشان السعودية قدمت لك و لأسرتك و اولادك السكن ، و المأكل و المشرب و الملبس ، السيارة و الأرصدة و هذا الرغد الصريح تغلق فمك و تسكت... فتخفي وجود قتيل و تنكر وجود جريح! لا ُتلام، يا صاحبي لا تلام! كل انسان يحافظ على مصلحته.  فليس من الذكاء ان تضيع نعمتك من اجل اناس ضعفاء،  اسقف ديارهم بعدما تم قصفها غطوها بالصفيح؟ بلا شعب مغلوب،  بلا يمن بلا وطن بلا رمسسة !  اكمل صاحبي كلمته و صفق له الحضور و صافحه الرجال المجاورين له في المقاعد. مبروووك. تأثر الحضور بما قلت يا صاحبي.

انت ممثلنا  و المتحدث باسم الشعب ، فما بك يا بابا لم ُتذكر مطلقا اننا ُنقتل من الجهتين ؟ مالك يا بابا ؟ اذا ُقد- يا بابا - سيارتك  مسرعا نحن " حَرَمنا" نكون في انتظارك. ُقد سيارتك مسرعا كالريح فلم نكن يوما في انتظارك.  ما دمت يا صاحبي في رغد الرياض ، طز في الشعب ، فلنفهم نحن الشعب هذا ، نموت قصفا، نموت جوعا، نموت عطشا... لنمت بحمى الضنك او حتى بجملة أمراض. ما دخلك يا صاحبي تتحمل وزر المساكين ..طز فيهم ،هذا قضاءهم و اقدارهم. عش حياتك و انتعش و استجم و لو فوق ركام الاجساد المحترقة و فوق اكوام الأنقاض. سو وت  so what?

سو وت لو قصفت طائرات السعودية اخر فرد يمني حي؟ عادي جدا... مجرد شعب و مات مثلما الديناصورات تعرضت للانقراض.  اكمل صاحبي المؤتمر و عاد الى الفندق. امتد فوق سريره حتى غلبه النعاس فنام. نام يا شيخ ، نوم الظالم عبادة! بدوت انا نملة مسرعة اريد الفكاك بأخلاقي من هذا الرجل،  يلعن ابو من يرعى مع الراعي و يأكل مع الذيب .  قبل ان ينام خلع قميصه و رماه متعبا في اتجاه الحائط فضربت رأسي بالحائط و سقطت ارضا. عضلات يا رجل ، لا تمهر في استخدمها الا على المساكين امثالي. لكن لا بأس انا مجبورة في العودة الى قميصك ، لعلني اعود الى اليمن يوما عندما يرغموك ان تعود. خرج صاحبي من الحمام و لم يرتدي قميصه الذي اسكنه بل قميص آخر  ابيض و ربطة عنق و غادر  الى قاعة التفاوض بعد ان بخ عطر حتى سعلت. لم يأخذني معه ، لا بأس ، سوء حظ لكنني لم اتحسر كثيراً فهو في كل الأحوال سيفاوض على امور ليست متعلقة بي. سيفاوض الحوثيين على بنود اتفاقية ،على القرار 2216 ، على ارصدة علي عبدالله صالح ، على تسليم السلاح الثقيل ، على خروج الميليشيات من المدن ، على مشاركتهم في المشهد السياسي و على و على...و سيفاوض الحوثيين عن حلم ايران في ان يحكم اليمن إمام ونحن لا يهمنا الا توقف الحرب. طيب ماذا عن اعادة الاعمار؟ ماذا عن قوت النمل؟ لا احد سيحس بنا و استطيع ان اجزم لا بل و اقسم. لذلك كان من الافضل انني لم اذهب معه. كانت الضربة على الجدار قد المت جانبي الايمن ، مشيت زاحفة ببطئ مستهدفة القميص ، لن اعود الا اذا عاد صاحبي  اللعين. استطعت ان اصل القميص و دخلت الجيب. وصلت قاع قاع الجيب. سبحان الله... انه أمل، أمل في لقاء الوطن. فلماذا يا حكومتنا الشرعية – و يا رئيسا انتخبناه( للأسف) لينصفنا – بأي حق استضفت الغرباء في سمانا لينسفونا ؟ سماك  يا هادي ام سمانا؟ بلادك  يا واحد ام هي بلادنا – انظر - كم نحن كثير؟ عندما – ُشلت ايدينا انتخبناك - اردنا ان تنصفنا لا ان ينسفونا .هل ستحيى و تموت اناني؟ اتقي الله فينا. جلست اتفرج من حافة جيب القميص الملقي على السرير على التلفاز. حضرته – صاحبي -  كان يتابع الأخبار! في تلك اللحظة لم يكن في الغرفة  احد سواي. تلفت يمين و شمال... وحدي في جنيف. وحدي. في شاشة التلفاز اخبار اليمن ،دوي قذائف وغبار يتصاعد،  صواريخ تتطاير و ادخنة ترسم محن ، هذه – يا مرتزقة الحرب - بلادي اليمن .طابت نفسك يا حوثي و يا عبدربه و يا علي صالح؟ طابت انفسكم؟ شاهدت الاخبار حتى اكتشفت ان النمل يبكي، و انا لم اكن ادري. ذكرت امي.. ذكرت صديقاتي و اختي. تفرجت على موبايل صاحبي الملقي على السرير. تفرجت على فيديوهات يرسلونها له اصدقاءه. انهم فوق هذا كله يعرفون الحقيقة. شاهدت فيديو لغنمة صغيرة تحاول مناطحة ثور. مكتوب على الفيديو هذا حال اليمن. لا الثور ترفع عن مناطحة الغنمة و لا الغنمة استوعبت انه سيريق دماها. رأيت فيديو لجبل عطان الذي كلما قذفت الحكومة الشرعية بصاروخ الى اليمن فتح ذراعيه ملئ السماء و تلقى بصدره من الصواريخ اطنان. حبيبي  : رائد الجبال عطان ،  و صاحبي مرتاح، جبل عطان يقصف ذاته! يا الله... انت الشاهد : فقط قبل ثمانية أشهر لم يكن في اليمن حرب. لم يكن اليمنيين ينامون ولا يعلمون ان كانوا سيصحون صباحا ام لن يصحوا ؟ قبل ثمانية أشهر لم نكن قد رأينا صور لأمعاء تخرج الى الأرض امام الأنام. قبل ثمانية اشهر لم نكن قد اهتزينا. قبل ثمانية اشهر لم اكن انا نازحة و لم يكن من بين موتانا من مات قصفا. قبل ثمانية اشهر لم تكن البنات قد امتهن تجارة القوام المليح. قبل ثمانية اشهر ما كان بيننا فرعون و لا كان يتخللنا اشباح الف قتيل و انين الف جريح. قبل ثمانية اشهر لم يكن قد اقحم بالمساكين حربا لاهم سببها و لا هم يعلمون مداها كنت ابكي حد النشيج، لله الحمد لم اجد في جنيف أي حشرة تحرجني برؤيتي انتحب ، بكيت حتى فاض دمعي من جيب القميص.

قطع بكائي عودة صاحبي. مسحت بقميصه دموعي. دار حول نفسه من شدة الحرية و السعادة. هل انتهت الحرب؟ لاااااا بل جاء وقت الراحة. لبس القميص الذي كنت فوقه و نزل الى الدور الأرضي حيث البار. قبحك الله ، ظننتك ستتجه للمطار و منه الى اليمن . كانوا نزلاء الفندق يصلون الى البار من ممر مضيء أما داخل البار فمظلم الا من اضواء خافتة حمراء. اين ادخلتني يا صاحبي ، اهذه غابة؟ انا انافقك حين اسميك صاحبي ، مصلحة يعني لكي تُعيدني الى اليمن اما اذا امنتني اقول الصدق فأنت غريمي. جلس صاحبي و طلب حليب بالفراولة. شرب حتى سكر. لحق به بقية المسئولين. من مصائرنا بأيديهم .  تصافحوا و على وجوههم سعادة الدنيا. تصوروا بطريقة – سيلفي -  في البار بمناسبة الحرب السعيدة. جلسوا كلهم يشربوا و يشربوا و انا اسد انفي. هذا الحليب بالفراولة رائحته مقرفة. انصت الى احاديثهم. تكلموا عن فيديو  فضح وزير في حكومة الحوثيين و فتاة داخل سيارته خلف الجرائد و تكرر على مسمعي اسم " هنادي".  قال احدهم و هو يكاد " يُشرغ" من شدة الضحك :-" في هذه الأمور لازم " الرجل" يكون ذيب... والله اننا راحم له ذيه ال نهيان." صحح له المخمور الثاني :- " اسمه بال هيان." قلت في نفسي: ذيب؟  لستم الا جراء في ساحة الوغى فهل تتحول جراء الوغى الى ذئاب في اوكار الدعارة، لخبطتم النملة يا جماعة ،  صارت محتارة! ثم بدأوا يتجاذبون اطراف الحديث

  :-" ذلحين  قد سألتوا كم عتكن بدل السفر؟

:-" مثل كل مرة. بس انا ما قد ستلمتش حتى قيمة التذاكر."

:-" ياخي سعليك ، عيدفعوا لنا كل شي حن نرجع. الجماعة سخيين و كرماء."  و لساني يكرر بل وسخين ، بل وسخين . قال صاحبي:-" انا المرة الجاية ناوي اعترض رسميا على السيارة التي بتقلنا للتفاوض. يا خي يدوا لنا سيارة ساع الجن. احنا مفاوضين جن محناش رجال عاديين !" تضاحكوا حتى مال احدهم عن كرسيه فسقط  ارضا و اعاده الجرسون الى كرسيه. قال احدهم :-" انا الحمدلله قد اشتريت للمدام الخاتم الذي طلبت. اشتي اهجع حن نرجع من زنها. احنا ناس بندير

 " دولة" مش فاضيين للتوافة." ضرب صاحبي جبينه و عض شفتيه هاتفا :-" اوبااااااا... اشتريت خاتم لمرتك؟ ذلحين زوجتي عتفعل لي حرب. هي صاحبة مرتك ! مالك ما تقل لي؟ شدي لك قيمة الخاتم و انت سير ادي لي اخوه." استسخفت الحرب التي ستفعلها له زوجته ، ليت حرب اليمن مثل حربها. اجاب الرجل :- " شادي لك العنوان و انت سير بنفسك." غمز صاحبي له مبررا :-" ما عاد معانا الا الليلة ، ونا  ، اصلا ، معي موعد الاااان  طالع مع هنادي. سير انت انفعني، هيا انما المؤمنون اخوة." تضاحكوا ضحكات كالقنابل حتى احاط بهم جرسونات البار من خشية ان يكونوا محزمين بأحزمة ناسفة. عندما قام صاحبي للمغادرة القى فوق الطاولة مبلغ مالي كبير لم يكن واعيا كم هو.. لكنه كان قيمة الخاتم. اما صديقه الذي كان يفترض ان يشتري الخاتم فقد نام و رفعه الجرسونات الى غرفته امام جميع نزلاء الفندق القاعدين في اللوبي. صعد صاحبي الى غرفته للقاء هنادي. قرصته من شدة غضبي في صدره. مسح بيده على صدره و امسكني باصبعيه و رماني ارضا...فصحت :-" دوس... انا ميته ميته."

و داسني ... و ذهب الى هنادي و فوق صدره قرصة حمراء... و فوق الأرض نملة يمنية ماتت في جنيف.