شظايا فتن
قبل 2 سنة, 11 شهر

نكسوا جباهكم ، اخفضوا ظهوركم ، انبطحوا ارضاَ يا أهل اليمن ! الواقع صعب الاستئناس كفرس يرفض ان يمتطيه احد ، اشهدوا معي انه  صعب المراس  ، الاحداث مأساوية، المشهد حزين ، المحنة قاسية بل هي محنة كل المحن. احنوا – يا أهل اليمن – قاماتكم حتى يمر الإعصار و لست اقصد – هنا - عاصفة الحزم و التي فعلت كل شيء الا " الحزم" و لا اعني سقوط الصواريخ التي دمرت بلادي اليمن ،بل قصدت الحمم التي يقذفها بركان الفتن. نحن شعب لم تقتله الصواريخ و الطائرات فحسب بل فتكت به من داخله سهام الفتن و مزقته اربا و اوصالا انصال الفتن. على الأقل ، نتفق في هذه !:)  الذكي هو من ينحني لهذه العاصفة حتى تمر ، لأنها لا ُتواجه.  الذكي هو الذي لا يطيل الخوض فيها لأنها  بكثرة الخوض تنتشر. الذكي من يغادر مجالسها لأنها تتناسل بالبشر! الذكي من يقاطع حواراتها ،لأن المتبارزين فيها عادة ما يكون طرف غبي و الطرف الثاني غبي ايضا. فيا غبي كن ذكي و لا تأجج اللهيب فإنها ستتحول بسببك الى نار تستعر. اما النار فتنتشر لتصبح حريق. اما الحريق فيأكل اثناء اشتعاله كل البلد. يحرق منافذ المدينة و يسد كل مخرج طريق. ماذا استفدت حين احرقت وطنك ؟ التصرف السليم في مواقف الفتنة ان يوضح المرء الخطأ ثم يغادر مجلس الفتنة لكي لا تتفاقم و لا تنتشر . لكن يجب الا يترك المرء مجلس اشتعلت فيه فتنة الا و قد اوضح سوءة الفتنة و الا ُعدت مغادرته لمجلس الفتنة ضعف وخذلان . اذن اولا توضيح  لسوء الفتنة و ثانيا هجران. شبهت الحرب بلاعب كرة قدم ، له جسم و قدمين يلعب في ملعب السياسة النجس ، العفن ، اللاعب لديه عقل فخذه جانبا و تكلم معه ،ناقشه. سايسه. فاوضه. تنازل قليلا و اقنعه بأن يتنازل قليلا هو الأخر . خذ و ادي معه. اقنعه في ختام الشجار ان يعتزل. اما الفتنة فلا أعرف بما اشبهها. انها شيء مخيف ، غير ملموس يلوث نفس كل لاعب في الفريق. بل و نفوس المتفرجين المشجعين و المدرب و الحكم . الفتنة؟ ارحمنا يا رب من انتشارها و ارحمنا من نتائجها و اغسل نفوسنا منها كما الدمع ينظف مآقينا. الحرب في بلادنا ستنتهي ، إن لم يكن عاجلا فحتما هي ستنتهي آجلا. لكن الفتنة التي استعرت من يكبلها و كيف نكممها و أي زمن وعي في بلادنا ينهيها؟ انها تفتك كما يفتك الوباء من يغيثنا منها و اين المصل الذي يداوينا؟ الفتنة ليس لها لا قائد و لا جيش ،و لا تاريخ لمفاوضات ، و لا مبادرات و لا هدنة و لا قوات حفظ سلام  و لا طائرات و لا متارس ولا  عسكر. الفتنة ليس لها صواريخ و لا قنابل و لا غازات محرمة و لا قتلى و لا جرحى و لا صليب احمر! الفتنة لا تستطيع اخمادها و لا اسقاطها في كمين و لا توريطها في شباك و لا دفعها للمشي في حقل الغام. انها نار غير مرئية تحرق كل المدينة و تحرق النفوس ، و بعد احتراق و سواد النفوس ماذا عسانا نخسر اكثر؟!

هل للفتنة حل؟ اخبروني فأنا فعلا ارفع كتفي حيرة و اقلب شفتي عجزا و ارفع الرايات البيضاء تسليما. ادرك تعمق الفتنة في خلايانا و لا اجد في يدي غير قلم ... فمنذ متى كان القلم من ادوات الجراح؟ عند تصاعد ابخرة الفتن في الأجواء و عند استنشاقها من البشر، ما الحل؟ اجد ان تركها و تجنب النقاش فيها قد يخمدها صحيح لكن بعد كم؟ لن نحيا في سلام و تعايش الا بعد مضي وقت طويل جدا. اذا قلنا سنناقشها و نفهم المخطئ اسباب فتنته و نسرد عليه الصواب من الخطأ عندئذ – بسبب جهل المفتون – نصبح نحن خونة و عملاء و متآمرون . الجهلة ببساطة لا يفهمون! اذن ما الحل في الفتنة؟ هاتوها لي... و الله لو كانت اسداً لقتلته و انا من لم ادس  نملة. لكن اكرهها و امقتها بشدة و اجدها آفتنا التي ازدهرت فوق روابينا ونمت حتى في شق صخرة، لا يفوتني في هذا المقام ان ارفع يدي لرب الأنام داعية الله ان ينتقم ممن فعل فعلته هذه فينا. ادعو الله ان يمتع انظارنا بيوم نراه فيه مهزوم.  احيينا يا كريم حتى نتعظ من درس تلقنه اياه، من كان السبب في هذه الفتنة. عن نفسي اجده شخص واحد لا سواه. و البقية ُتبع. لا أريد تسميته لأنني بهذا افتح ثغرة للفتنة ان تغتصب مقالي هذا. انه – المهم – الشخص الذي أجج في بلادنا الفتن و كنا قبله اذا صادفنا فتنة في الطريق لا نلتفت اليها و لا نعرف من هي بل و لا نراها اصلا. اللهم يا رب ، احيينا لنعش يوما يفقد فيه نعمة البصر مثلما هو بفتنته اعمينا. اللهم قوينا لنعش يوما نراه كسيحا في زاوية غرفة معتمة مثلما هو بمعول فتنته حطم منا ظهورنا و مفاصل تسندنا و تمشينا  . لا اريد ان استرسل في دعاء " الولايا" على حد تعبير المصريين لأن ليس هذا هدفي فالله مطلع و هو من سوى النفوس و هو معاقبها و مجزيها. المهم، انني لا اجد "تعريف" للفتنة ، او ماهي لأنني فعلا لست أدري، فقط انا اعلم انها سهم مغروس في صدري. لا استطيع الحياة و هو في صدري و لم انجح في استئصاله ...و بالتالي فشلت في تحسين قدري. انا هذه المرة لست بصدد سرد قصة. بل سوف اعطي القارئ قطع مكتوبة من الحياة ، حياتنا و التي اصبحت معجونة بالفتنة عجن! لعن الله عاجنها و مخمرها و خابزها و اكلها. في كل موقف اجد ان الصواب هو توضيح الخطأ في الفتنة ثم مغادرة المكان. هذا رأيي الشخصي بإيجاز.

*الموقف الأول: عيد ميلاد مش حرب!

عزمت شين جارتها نون على عيد ميلاد ابنها في صنعاء . كلتا السيدتين من عدن. صادف في العيد الميلاد تواجد سيدة حوثية من الطراز التقليدي التي تردد كالببغاء ما يقوله السيد في خطاباته و ما تردده قناة المسيرة في نشراتها عن الدبابات التي اغتنمتها و الطائرات الي اسقطتها و الأسرى الذين تم تنظيف انوفهم . في عيد الميلاد سألت الحوثية السيدة نون :-"  انتي من عدن؟"  فأجابت :-" نعم ، لكن مولودة في صنعاء و عشت معظم عمري هنا." علقت :-" و ما بتفعلي ذاحينه عندنا؟ يالله برا، برا من هنا و الا عنبهذلش ونخطفش و نعمل بش ما يعمله "البراغله" بنا في عدن!"  اتسعت عينا نون رعبا و اجابت: -" اولا ، الدحابشة هم من راحوا عدن و دعششوا اهلها ، ايش وداهم عندنا؟! كي قولي لي!! ثانيا انا اعرف اهل صنعاء قبلما ما اعرفك. اخلاق اهل صنعاء مش مثلك. بعدين اللي يخطفوا او يقتلوا في عدن قلة مريضة ما تمثلش اهل عدن." تأمل عزيزي القارئ المصطلحات الدخيلة... تفكر في لغة التخاطب! ابحث في قاموس لغة عربية و لن تجد هذه الكلمات ! انها ليست لنا و لا اجدادنا عرفوها. شوفوا العملاء من فين جابوها ! كانت هذه المشاحنة و السيدتين تتمازحان! فكيف يكون الجد؟! بدأت الحوثية تدعو الله ان ينصر الحوثي  و سيدها عبدالملك نبي الله ابا جبريل صاحب الوجه المنور. و نون صامتة. ثم قالت نون:-" الفتنة فرقتنا. هذا عيد ميلاد مش ساحة حرب. انا برجع بيتي." خرجت نون و معها صغيرتها دون ان يلحق بها احد سوى صاحبة البيت. فقامت الحوثية تزمجر:-" العيد ميلاد بكله داعشي. انا الذي شخرج." غير ان نون كانت قد وصلت بيتها و غادرت العيد ميلاد. خروج نون و مغادرتها للبيت كان وقعه مدويا حيث لام الكل الحوثية و هناك من رفع صوته في وجهها سائلا اياها من الذي اعطى الحوثيين الحق في تحديد من يبقى في اليمن و من يغادرها؟ و من الوطني و من الخائن؟  طبعا لم تفهم فلم تجب. المشكلة من تكلم؟ ان الحوثيين في جملتهم جهلة ، حيث قالت سيدة للسيدة الحوثية :-" مش من حقش تفعلي بنون هكذا! من ادى لش الحق تقولي لها برا برا، هذا مشو بيتش؟!" اجابت الحوثية كأنما لم تفهم حرفا:-" ُحق مه؟ ( بضم الحاء)  انا معرف الا احقاق النيدو الفارغة ، بنفعل فيهن السكر و الشاهي، خلاص بس شخرج مادام و قد عتمنهجين النقاش للأحقاق. خاطركن."

*الموقف الثاني:  اشفعي له!

عقب اشتداد شراسة المعارك على الأرض بين الحوثيين و الإصلاحيين في تعز – و يشمل ذلك المقاومة – تدمرت تعز اكثر مما تدمرت صنعاء من قصف التحالف. واجه اهل تعز كذلك حرب تجويع و تعطيش . نزح الكثير من تعز و هربوا الى قرى و مدن اخرى. كان ميم من اهل تعز و زوجته فاء من عدن فقرروا النزوح الى عدن لتوقف الاقتتال فيها عندئذ و استقرار اوضاعها – نسبيا - الى حد يسمح بالحياة. في الحدود اوقف حرس الحدود سيارة ميم و حققوا معه فاكتشفوا انه من تعز أي منتمي للشمال و بالتالي من ارض العدو. بعد اصرار ميم وافق الحرس ان يمروا لكن بدون ميم الأب. بمعنى تدخل الزوجة كونها عدنية و قد كانت وقتها غارقة في دموعها و مسموح لها اصطحاب الأبناء. اما الزوج التعزي فحكم عليه الحرس بوجوب عودته الى اراضيه. حاول اقناعهم انه لا يستطيع ترك زوجته و صغاره يواجهون المجهول و توسلت الزوجة و انتحب الصغار و هم يرون والدهم ُيدفع الى خارج السيارة و الحرس يقولون له :- " يالله وصلها و ارجع وخلي السيارة رهن ." ثم قال احد الحراس فقد كان اكثرهم نباهه :- " او تشفع له زوجته مادام هي عدنية."  فعلا شفعت له و سمحوا له بالمرور في سيارته. عندما  اوصلها لبيت اهلها  ، كان يزمجر من شدة الغضب ، هاتفا تشفعين لي من اجل الدخول؟! لماذا هل سأدخل الجنة؟ اوصلها ثم وشوشها انه يحس انه مستهدف و ان حياته في خطر وعاد ليلا الى تعز. في الحدود وجد الحراس فقال لهم: -" قد شفعت لي زوجتي و كان من الممكن ان ابقى. لكن كرهت الاقامة في وسط اجواء متخمة بالفتنة. سأغادر. ليس كرها بل حزنا. انا يمني قبل ان اكون شمالي و انت مثلي يمني قبل ان تكون جنوبي. كنت قادر ابقى في عدن لو انا واثق منكم، لكنني لست واثق! بلادنا واحده و دمنا واحد. اولادي نصفهم جنوبي و نصفهم شمالي فهل ستقطعونهم و تقسموا الأوصال؟ الفتنة يجب ان نحاربها. السياسيين الكبار عبوا رؤوسنا بها و نحن ابرياء منها. نحن شعب واحد و يجب ان نبقى كذلك."  صاح به احد الحراس :- " يالله ، برع يا دحباشي! برع برع يا استعمار" و دفعه من كتفه كأنما هو فلسطيني وقع في ايدي جنود صهاينة. غادر هذا الزوج التعزي الى تعز و الله اعلم اين هو الأن؟

*الموقف الثالث: فيس بوك ليس الا !

نظمت  ادارة موقع التواصل الاجتماعي " الفيس بوك" مسابقة لترشيح مدينة لتفوز بلقب مدينة التراث لهذا العام. شروط المدينة ان تتميز بالقدم و الأصالة و الجمال. رشح  الكثير من اليمنيين مدينة صنعاء. رشحت شعوب اخرى مدن اخرى. ثم حدثت تصفيات متتالية حتى انتهت الترشيحات بمدينتين فقط هما صنعاء اليمنية و غدامس الليبية. طبعا اجتهد اليمنيين في استخدام الهاشتاج

# ارشح_مدينة_ صنعاء آملين ان تفوز صنعاء باللقب. استبسل في تلك الفترة النهائية  شباب و شابات اليمن في الترشيح و نشر صور جميلة رائعة لصنعاء التي كانت مضروبة، مقصوفة، مكسرة ،مكسحة، مغوبرة، باكية، آملين ان تبتسم للقب برغم الحرب. كان شباب و شابات جنوب اليمن حينئذ يدخلون الصفحة و يكتبون # ارشح_مدينة_ غدامس فقط لتفويت الفرصة على صنعاء بالفوز باللقب! هذا و كلي يقين انهم لا يعلمون اين تقع مدينة غدامس. الشباب وكلمة شباب يعتبرون " صنعاء " هذه بيت امنا الغولة. لا يريدون لها ان تفوز و لو كانت مثلهم يمنية لاعتقادهم " الخاطئ"  انها مأوى كل حوثي . على الرغم من ان المسابقة في حد ذاتها تافهة ،و الترشيح لا علاقة له بأي لقب رسمي او جاد، و الموضوع برمته عابر لكن يا جماعة استوقفني كم الحقد و الفتنة التي شقت نفوس اخوتنا الجنوبيين. أيش فيها لو فازت صنعاء باللقب؟ ماذا فعلت بكم صنعاء  حتى تمقتونها؟ ومن قال ان صنعاء حوثية؟ او ان كل اهلها حوثيين؟ اما كان سيفرحكم فوز صنعاء باللقب قبل فتنة الحرب الطائفية الأخيرة؟  اما كنتم ستتباهون بصنعاء اليمنية كونها مثلكم يمنيين. اما تحمسنا و استبسل الشباب في التصويت لوليد الجيلاني  فقط كونه يمني و صوت له الجميع ؟ اما الأن فلو كان وليد شارك لقاطعه الحوثيين لأنه تعزي و لقاطعه الجنوبيين لأنه تعزي...و لقاطعه التعزيين لانهم غارقين في الدم و الرصاص و مثله مثل تعز لن ينصفه احد. أليست هذه فتنة يقشعر لها البدن عند تذكر ان غدامس ليبية و صنعاء يمنية و يصوت للمدينة الليبية مرشحين يمنيين. في شي غلط بالموضوع! الغلط في الفتنة!

*الموقف الرابع: كلنا سنموت!

الموقف هذا حدث لي انا نفسي و لا استحي من ذكره. لكنني اعتبرته اكبر و اشرس شظايا الفتن. أتدرون لما؟ لان بطل الموقف هذا   " ميت"!  بمعنى شخص متوفي . لا يثير فتنة و لا يستمع الى فتنة و لا ينشر فتنة و لا يمنع فتنة و لا يحارب فتنة بل ارتاح – بالصلاة على النبي – من الفتنة! الميت كما لا ُيخفى على احد لا يجوز الا الترحم عليه كونه سكن التراب. توقفوا قليلا عند هذه الجملة. سكن الترااااب.  بمعنى لا يستطيع الدفاع عن نفسه . الموقف هذا حصل معي شخصيا بعد وفاة الدكتور عبد الكريم الارياني حيث ان علاقتي به على وجه التحديد هو ان والداي ابناء عم و الدكتور عبدالكريم رحمه الله ابن عمهم .اكن له كل الاحترام و التقدير و افتخر به و احبه.  ارجح  ان موت عمي عبدالكريم كان " حزناً" حيث لم  ينجح الساسة في ايقاف الحرب و لا حتى في وقف اطلاق النار و بدء المفاوضات لذا مات بحزنه او مات من شدة حزنه. او قتله حزنه. تلقيت التعازي مثلي مثل كل آل الارياني. فالمصاب كان جسيم علينا. خسرنا عم عبدالكريم في فترة نحن في امس الحاجة اليه. تلقيت التعازي وجها لوجه، هاتفيا  و عبر الفيس بوك و الوتس اب. شكرت كل من عزاني. هناك اسماء محددة من صديقاتي ، معارفي و انسابنا لم اتلقى منهم أي تعازي و نحن اساسا على تواصل شبه يومي. في اليمن و لدى الحوثيين الدكتور عبدالكريم مصنف " خائن". كثيرون يذكرون اسمه عندما يتكلمون عن هادي و رجاله. يتهمونه انه  احد من جلب الدمار لليمن متغافلين انهم هم من جلبوا الحرب لليمن. يكذبون على انفسهم ثم تنطلي عليهم كذبتهم فيكونوا اول من يصدقها.   في تلك الفترة – أي عقب وفاته- تجلى امامي ان من لم تعزيني هي "حوثية" من صديقاتي و معارفي او جيراني او انسابنا او او او. لم يكلف احدهم – أي الحوثيين ممن اعرف – نفسه بكلمة عظم الله اجرك يا سلوى ، او الله يعصم قلوبكم يا آل الارياني او حتى الله يرحمه باعتبار انه لا يجوز على الميت الا الرحمة. فأي حقد هو هذا الذي لا يستحي منه الحوثيين، حيث يعتمل داخل قلوبهم" لميت"؟ ميت يا بشعين ميت! مستكين تحت التراب ، لا يحل و لا يربط و لا يبني و لا يهدم.  ميت بلا حول و لا قوة.  لم احزن من صديقاتي اللواتي لم يعزينني و لا من انسابي لكنني فقط احسست بالذهول فعلا.  تحقدون على ميت؟ تشمتون في ميت ، وكأنكم لن تموتون؟ مجرد كلمة " الله يرحمه" لم تستطع السنتكم نطقها؟ اذا كانت اطنان حقدكم هكذا تثقل عليكم فكيف تحكمون؟ يا عيباه ، لهذه الدرجة ؟ سمحتم للفتنة تعض منكم القلب و العقل واللسان . لهذه الدرجة تمكنت منكم الطائفية ؟ لهذه الدرجة حولتكم الى اسخف من السخف؟ انا تعزيتي لن تعيد الي مرحومنا و لن تدخله الجنة لكنها تفضح سواد قلوبكم فكيف تحكمون؟ ستقطعون الشعب و تفرمونه على حقدكم هذا؟! يا عيباه... من ناس منعت لسانها ينطق " الله يرحم ميتكم" على متوفي. و لا حول و لا قوة الا بالله.

الموقف الخامس : بالمداكي لا!

جلسة نسائية في ديوان في صنعاء. فيها صديقات و غريبات. فيها قات و مداكي و ماء و دخان، حيث صار الخروج و الاجتماع في بيت هو المتنفس الوحيد في ظل ضغوط الحرب و الخوف من القصف و النساء خارج البيوت. خشية مفارقة الأبناء و هموم اخرى كثير مثل عدم أمان المواصلات، عموما ليس هذا هو مجال السرد. المهم ان الجلسة كانت طبيعية تماما فيها نساء من الشمال و فيها نساء من الجنوب ، طبيعي يا ناس فنحن شعب واحد، فكيف تغربل الشعب من نفسه؟ اقترحت احداهن ان تقوم ألف بإلقاء نكت حيث كانت معروفة بالمرح و القدرة على الإضحاك. كانت ألف هذه من عدن. اخرجت موبايلها لتغش منه النكت . ضج الديوان بالضحك و التعليقات. كان هناك ضيفة واحدة كلما نطقت ألف القاف كماهي في اللغة العربية و الجيم كما هي عند المصريين كانت هذه الضيفة تسد اذانها وتتقنفذ داخل نفسها. بعد تكرار هذا لاحظنها جميع الحاضرات فقالت لها ألف :- " خير يا اختي؟ مالك؟ تعبانة؟" لم تجب بل عدلت من جلستها و بدأت تلملم حاجياتها كأنما تهم بالخروج. اقتربت صاحبة المنزل تسألها ما بها ، و قدمت لها اخرى كأس من الماء و السكر. ارتدت البالطو و هي تدمع و القت حقيبتها فوق كتفها و هي تبكي بصوت مسموع. بدأن الحاضرات يتبادلن نظرات التعجب. قامت الف تسألها اذا كانت تريد احد يرافقها حتى البيت فدفعتها عنها بعنف هاتفة:-"  وخري!" .استغربت الف. بدأت بعض الحاضرات يسألن الضيفة الباكية ما بها فاذا بها تنهار في كلام يقطر دموع :- " مالها هذه بتنكت؟  مشي دارية انها من عدن؟ بلاد الدنبوع و بخاخ؟ البلاد التي دخلت لنا الدواعش و خربت لنا اليمن." هنا ضج الديوان بالاعتراضات و اجابتها الف :- " والله اني من اليمن ، مش من بلاد تانية. و الحرب هذه مش انا بدأتها ولا انا اقدر انهيها. و لوجينا للصدق يا حبيبتي هو انتم جيتم لمن باب عدن و دخلتونه و حاربتوا نحنا ." هنا تصاعد التوتر و ارتفعت الأصوات و تداخلت " يا عملاء" " عينصر الله الحق" " الانفصاليين طول عمرهم دمويين" " الحوثة دواعش كلاب" ...... و لعنات كثيرة. فجأة قذفت احداهن الماء في وجه هذه الضيفة الباكية و هي تقول :-" قتلتم اولادنا ، خربتوا بيوتنا. " و بدأن النساء في رمي قوارير على بعضهم البعض. ثم تطور الموضوع الى المداكي. كانت صاحبة المنزل تصيح :- " لا لا بالمداكي لا." لكن لم يستمع اليها احد. لمن يضحك ، الموقف ليس مضحك البتة! الموقف مبكي.  لم يهدأ  العراك الا بسقوط الضيفة مغشيا عليها. عندئذ رفعنها الى فوق الفراش حيث كانت الأرض قد تبللت تماما. سكبن ماء في وجهها فلم تستفق المغشي عليها. هل تصدقوا انها ماتت؟ الفتنة تقتل مثل الصاروخ فقاتلوها. لنبدأ كلا بنفسه. حديث الفتنة لا نخوض فيه. اذا كان ضروريا التحدث يكون ذلك بإيجاز شديد ثم التزام الصمت و مغادرة المكان. اخيرا ادعو الله فهو القادر ان يوقف عن اليمن الصواريخ و يجنبنا استفحال فتن هذا الزمان.