تفاصيل الأزمة اليمنية و مساراتها
قبل 6 سنة, 21 يوم

الحرب اليمنية الداخلية و التدخل العسكري الخارجي نتيجة طبيعية لفشل النخب السياسية اليمنية في تجسيد الأرادة الشعبية في تحقيق التغيير الديمقراطي و تنامي حدة التناقضات الأقليمية التي انعكست بشكل مباشر على الوضع الداخلي لأهمية اليمن الجغرافية و الأستراتيجية، وعجز الأمم المتحدة في إدارة المرحلة الأنتقالية. و المرحلة الأنتقالية كما هو معروف جاءت نتيجة ثورة فبراير 2011 م ضد نظام الفساد و المحسوبيات و الأدارة السيئة. و بداية هذه الثورة يرجع إلى عام 2005 م عندما قامت الأحتجاجات و المظاهرات الشعبية الواسعة التي شملت العديد من المدن اليمنية لأول مرة وبشكل عفوي دون أي مشاركة من قبل أحزاب المعارضة "بسبب رفع الدعم عن المشتقات النفطية حينها بصورة مفاجئة الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار في ضروف انخفاض دخل الفرد و البطالة واتساع دائرة الفقرو أنتشار الفساد في كل مفاصل الدولة " و قد سبقها العديد من الأحتجاجات و المظاهرات العفوية المحدودة في كل مرة كانت الحكومات تواجه فشلها برفع الدعم عن المشتقات النفطية تحت مبرر الأصلاحات المالية و الأدارية ابتداء من عام 1998م، و أخمدت جميعها بأساليب قمعية و وحشية و سقط العديد من الشهداء من المواطنين، و لكن عدم وجود قيادة منظمة لهذه الأحتجاجات حال دون تحولها إلى ثورة على الرغم من قناعة و رغبة الشعب اليمني في التحول الديمقراطي منذو بداية التسعينيات، اضافة إلى الحراك الجنوبي الذي بدأ عام2007 بمطالب حقوقية تحولت تدريجياً إلى مطالب سياسية، وقد كان للنجاح السريع لثورة الربيع العربي العفوية في تونس دوراً معنوياً في أعادة الأمل لشعب اليمني في أمكانية التغيير دون الانتظار للمبادرة من قبل أحزاب المعارضة التي كل ماكان يهمها هو المشاركة في السلطة والتي لم تكن مطلقاً جاهزة للعملية الديمقراطية و قد تفاجئت هي الأخرى مثلها مثل الأنظمة الأستبدادية بثورات الربيع العربي وركبت موجة هذه الثورة.                                                                                                          

الأزمة اليمنية معقدة التركيب متعددة الجوانب و متداخلة الأطراف و تتكون من شقين داخلي و خارجي، الشق الأول يتمثل بالصراع على السلطة بين القوى السياسية اليمنية التى لا تملك أي مشروع وطني مشترك حتى بالحد الأدنى. وغياب المكون السياسي المنظم الحامل للمشروع الوطني ساعد إلى حد كبير في حدة الصراع في ظل نظام المحاصصة و الفساد و المحسوبية و الأدارة السيئة، و أستمرار غياب هذا المشروع يجعل بكل تأكيد حل الأزمة أكثر تعقيداً وتحقيق الأستقرار الدائم أمراً مستحيلاً. والثاني يتجسد بالتناقضات و الصراعات الأقليمية و خاصة بين السعودية وأيران اللتان تتنافسان على الدور الأقليمي و السعي نحو بسط استراتجياتها في ظل المعطيات و المستجدات الدولية و إزدياد التحديات الأمنية بشكل غير مسبوق في المنطقة العربية في ظروف عملية الأنتقال التدريجي إلى النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب.                                                                                                              

طرفي الصراع السياسي اليمني يضم كلاً منهما قوى وجماعات و كيانات سياسية " متعددة الأيدلوجيات و المذاهب و مختلفت الأهداف مهما بدأت متحالفة "غير متجانسة و غير متكافئة من حيث القدرات و الأمكانيات و لكنها تشترك في عدم جاهزيتها لبناء الدولة المدنية الحقوقية - دولة النظام و القانون التي تمثل اساس الأستقرار والتنمية و العدالة الأجتماعية و المواطنة المتساوية و تكافؤ الفرص. التتنافس أو بالأرجح الصراع يجري حتى داخل كل طرف أن لم يكن داخل كل مجموعة بحد ذاتها، وهذا ما بدأ واضحاً في الصراعات بين القيادات السياسية اليمنية "المتراكمة في الرياض حسب وصف الدكتور محمد المسفر " هذا الصراع يجري في إطار المصالح الذاتية و الحزبية و المناطقية و ليس ضمن إطار المشروع الوطني بل على الأصح على حساب المصالح الوطنية، وهذا ما يوضح السبب الرئيسي لعدم أمتلاك هذه المكونات مبادئ ثابته ويبين سبب تقلب مزاجها السياسي و تخلي بعض الأفراد عن الأحزاب أو التنقل بين الأحزاب و المجموعات و الأطراف بين لحظة و أخرى.                                                                                                    

على الرغم من أن اليمن جزء لا يتجزأ من المكون الجغرافي و الثقافي و التاريخي ... الخ لدول شبه الجزيرة العربية و أنظمام اليمن إذا ماحصل بكل تأكيد سيوفر عوامل وإمكانات استراتيجية وأمنية واقتصادية واجتماعية تسهم في تعزيز خطوات التكامل الخليجي، وترفع من مستوى أداء المنظومة الخليجية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، إلا أن دول مجلس التعاون قامت بأقصائه عن هذا المحيط لأعتقدات قديمة و خاطئة وحسابات ضيقة أو على الأقل لا تتجاوب مع المتغيرات الأقليمية و الدولية.                  

 

و إزاء التطورات السياسية في اليمن دول مجلس التعاون لم تتبنى موقفاً موحداً إلى أن سيطرت جماعة انصار الله "حركة الحوثيين" على مقاليد الحكم في اليمن وحاولت فرض سلطتهاعلى الواقع العملي. فالسعودية و الأمارات ومعهما البحرين و الكويت فضلت اصلاح النظام السياسي في اليمن "الغير قابل اصلاً للأصلاحات" على التغييرات الديمقراطية الليبرالية، و لكن من دون تمكين حزب التجمع اليمني للأصلاح في إدارة المرحلة القادمة "الذي يعد من أقوى الأحزاب اليمنية في بلد تملك معه السعودية حدود مشتركة يبلغ طولها 2000 كم2" لأعتبارات إيديولوجية و سياسية، خاصة باعتبارها أن هذا الحزب هو امتداد لجماعة الإخوان المسلمين التي صنفتها بالجماعة الأرهابية ولن ندخل بالتفاصيل لهذا الجانب لأنه ليس محوراً من محاور هذا الموضوع. و خدمة لهذا الغرض سعت الأمارات العربية المتحدة بدرجة رئيسية إلى أقامة علاقة مباشرة مع حزب المؤتمر و أن كانت لم تقبل المملكة السعودية بتحالف الرئيس السابق الذي هو في نفس الوقت رئيس حزب المؤتمر مع جماعة انصار الله و رأت في ذلك عمل استفزازي يهدد أمنها وحددت موقفها من الرئيس السابق على هذا الأساس، وهذا ما عزز من موقع الرئيس الأنتقالي و جعله يتخلى عن علاقته القديمة و الحزبية بالرئيس السابق و يتبنى موقفاً مستقلاً و أن كان ليس خالياً من المراوغة و التقرب من القيادة السياسية في الرياض، بينما قطر التي تطمح إلى أن تكون دولة محورية في المنطقة دعمت حزب الأصلاح مثلما دعمت الأسلام السياسي في جميع بلدان الربيع العربي وحاولت احتواء جماعة انصار الله مع الحفاظ على العلاقات القديمة الطيبة لأن هذا لا يتعارض مع توجهاتها الأستراتيجية.                                                       

المواقف المختلفة لدول مجلس التعاون الخليجي من التطورات السياسية في اليمن إلى جانب سعي بعض القوى السياسية اليمنية في عدم حصول إي تغييرات ديمقراطية حقيقية وحرص بعض القوى على الأحتفاظ بالسلطة وغياب الأستراتيجية المحددة و الواضحة للأمم المتحدة للمرحلة الأنتقالية "على الرغم من الموقف الموحد و الثابت لمجلس الأمن فيما يتعلق بالمستقبل السياسي لليمن" اثرت إلى حد كبير في عدم تحقيق الأنتقال السياسي في اليمن في الفترة المقرة في المبادرة الخليجية وآلياتها المزمنة، وهذا بدوره لم يؤثر فقط على تدهور الوضع العام في اليمن وخروجه عن نطاق السيطرة إلى مستويات خطيرة وأنما اعطى فرصة مناسبة لأيران في التدخل في العملية السياسية في اليمن.                                                                                                                    

ايران حاولت بقدر الأمكان استغلال بقاء اليمن خارج منظومة دول مجلس التعاون والظروف اليمنية المشحونة بالصراعات العقيمة لتوسيع نفوذها وخلق مجال سياسي جديد من النفوذ في المنطقة إلى جانب نفوذها في العراق و سوريا و جنوب لبنان، فقدمت ايران الدعم السياسي و الدبلوماسي و إلى حد ما العسكري لجماعة انصار الله كأقلية مذهبية لها مظالم في اليمن و لها بعض الخلافات العقائدية مع المذهب السائد في المملكة، و هذا ما أثار المخاوف الخليجية خاصة السعودية و البحرينية و الكويتية التي يوجد فيها أقليات شيعية.

المملكة وبعض دول مجلس التعاون بأستثناء قطر التي لا تدخل ضمن الدول الخليجية الموقعة على المبادرة الخليجية، في بداية المواجهات العسكرية الداخلية في اليمن مارست موقفاً محايداً أو غير واضح أن صح التعبير و من المحتمل أنها أعتقدت أن هذا الصراع لن يخرج عن النطاق اليمني و سينحصر الحرب بين مسلحي حزب الأصلاح و جماعة انصار الله، وهذا ما سيؤدي حسب هذا الأعتقاد إلى أضعاف الأسلام السياسي وعلى وجه التحديد حزب التجمع اليمني للأصلاح "خاصة بعد ما نجح هذا الحزب الذي يملك حضوراً كبيراً في مختلف مناطق اليمن ، في تجنيد الآلاف من أنصاره داخل الهيئات الحكومية المختلفة، بما في ذلك وزارتا الداخلية والدفاع وهيئات الحكم المحلية"، و في نفس الوقت أضعاف جماعة انصار الله لما لها من ارتباطات ايدلوجية و سياسية بأيران، إلا أن انسحاب حزب الأصلاح من المواجهة العسكرية أثناء إجتياح صنعاء من قبل جماعة أنصار الله غير المعادلة التي كانت تراهن عليها كثير من الأطراف السياسية الداخلية و الخارجية ومكن أنصار الله في نفس الوقت بكل سهولة من أنتزاع السلطة قسرياً وبطريقة غير دستورية و التوسع في مناطق عدة في اليمن.                                                                                                              

هذه التطورات الخطيرة للأحداث أجبرت دول مجلس التعاون على أعادت حساباتها حسب المعطيات الجديدة في المشهد اليمني بأبعاده الأقليمية و أن كان بمستوايات ليست بالضرورة متساوية "لأن كل دولة لها رؤيتها التي تنسجم ومصالحها". وعلى الرغم من التباين فيما يتعلق بالموقف من الأسلام السياسي وخاصة بين قطر و الأمارات و السعودية إلا أنها تمكنت في تبنى موقف موحد تمخض عنه أتخاذ القرار بالتدخل العسكري بأستثاء عمان التي مارست موقفاً محايداً نظراً لعدد من الأعتبارات من بينها التوجهات الرئيسية لسياستها الخارجية القائمة على النأي بالنفس و الحدود المشتركة مع اليمن و أيران وعلاقتها المميزة مع طهران وعدم قناعتها بأفق الحل العسكري.                                                                                                                                         

فقد أدركت المملكة أن مناهضة حزب التجمع اليمني للأصلاح في اليمن أدى إلى تمكن جماعة الحوثي من السيطرة على اليمن وأن عليها في هذه الحالة أعادة قراءتها السياسية للمشهد اليمني و تحديد موقفها حسب المستجدات ، وهذا ما جعلها تعمل على إيجاد علاقة تعاون مع حزب الأصلاح في مواجهة العدو المشترك ونجحت في ذلك إلى حد كبير، و بدأ هذا واضحاً من خلال اعلان حزب الأصلاح التأييد لعاصفة الحزم و استقبال الرياض لغالبية قادته وتقديم الدعم السياسي و العسكري، و قد لعب دوراً في هذا الشأن وصول الملك سلمان إلى الحكم وموقفه المعتدل من حركة الأخوان المسلمين في الدول العربية و الذي من المرجح يعتقد أن هذه الحركة هي من الممكن أن تقف أمام التمدد الأيديولوجي الأيراني في المنطقة، و التوصل إلى الاتفاق الدولي بشأن الملف النووي الأيراني و التقارب الأمريكي - الأيراني جعل المملكة تتجاوز بعض الخلافات و تتنازل عن بعض الصراعات و تغيير موقفها تجاه الإسلام السياسي إلى حد معين حسب المعطيات الجديدة والتعامل معه على أنه ليس عدو المرحلة.                                                                                   

الرئيس الأنتقالي كان يمثل الحلقة الأضعف في دائرة النفوذ وحاول كل طرف أن يستغل وجوده بصفته رئيس الدولة لتحقيق غايات خاصة و حزبية و تمرير الممارسات التي تخدم هذه الغايات بمنحها المشروعية. حول الرئيس وجدت جماعة أخرى لها مصالح فردية ليست بالضرورة سياسية فهي بدرجة اساسية تسعى للحصول على المنافع و الوظائف و التعيينات خاصة في المناصب الدبلوماسية.  

الرئيس الأنتقالي من جهته حاول أن يلعب على جميع التناقضات الدخلية و الخارجية من خلال المراوغة مع جميع الأطراف و مستعن بمجموعة من المنتفعين تفتقر إلى المهنية و الكفاءة سواءً المقربين اسرياً أو مناطقياً أو من بعض الأحزاب التي لا تفكر إلا في مصالحها الذاتية.                                                                                                                                              

مجموعة الرئيس الأنتقالي حاولت بقدر الأمكان في البداية إلى جانب تحقيق المزيد من المنافع الشخصية أولاً :استغلال الصراع الدالي في تعزيز نفوذها بإزاحة الشركاء الذين يشكلون ثقل سياسي كبير يحول دون الأنفراد بصنع القرار )و غير مرحب بهم في السلطة من قبل بعض الدول الخليجية المؤثرة) من خلال المراوغة مع انصار الله الجهة المحسوبة على ايران و محاولة الدفع بحزب الأصلاح إلى مواجهة عسكرية مباشرة في حرب خاسرة، وهذا ما تؤكدة من ناحية التطمينات للدول الأجنبية الصادرة من قبل المقربين للرئاسة و التصريحات الرسمية بأن الوضع تحت سيطرة الدولة و لا توجد أي مبررات للقلق حول تطورات الوضع في اليمن، و من ناحية أخرى سيطرة جماعة انصار الله على العاصمة دون أي مقاومة تذكر من قبل الجيش ، و ثانياً: الصراع الأقليمي و الأستفادة منه في تحقيق اهدافها في التخلص من جماعة انصار الله من خلال الرفض لما يسمى بالمشروع الأيراني و أعلان الوفاء للمملكة العربية السعودية و الأمن العربي "خاصة بعد أن فقدت القدرة في التحكم بمجرى التحرك العسكري و السياسي لجماعة انصار الله و اتضاح أهدافها الحقيقية و تحالفها مع الرئيس السابق" فكان الخيار المتاح أمام مجموعة الرئيس الأنتقالي هو تبني موقف المواجهة السياسية و هذا لن يمكنها فقط من خلق تحالف جديد مع القوى الرافضة لمشروع انصار الله و خاصة حزب الأصلاح و أنما ايضاً سيمكنها من الحصول على الدعم السياسي أو العسكري أو كلاهما من دول مجلس التعاون التي لن تقبل مطلقاً بأنفراد هذه الجماعة أو حتى بأن يكون لها دور مؤثر في صنع القرار، اضافة إلى أن هذه الدول ستكون مصدراً اساسياً للتمويل نظراً لقدراتها المالية الهائلة و هذا ما حصل.                       

و بشكل موازي الرئيس السابق و مناصريه مستعيناً بدول اقليمية لا ترحب بأي دور مهم لحزب الأصلاح في مستقبل اليمن حاول استغلال تحرك الحوثيين العسكري وتوظيف أخطاء الرئيس الأنتقالي و حكومته بطريقة و أخرها من أجل الأنتقام من خصومه السياسيين و لحسابت سياسية ذيقة أخرى. و قد ساعدت القيادات العسكرية الموالية للرئيس السابق الحوثيين في السيطرة على مؤسسات الدولة في صنعاء بصورة غير معلنة وهذا ما ما غير حدود مسار السيناريو المخطط له أو المتوقع من قبل بعض الجهات في السلطة التي قد لا يكون لها صلة مباشرة بخطط الرئيس السابق و المتمثل هدفها فقط في إزاحة مراكز القوى من السلطة و خاصة حزب التجمع اليمني للإصلاح من المشهد السياسي تماشيا مع التغييرات التي طرأت في المنطقة.                                                               

و هكذ يكون أنصار الله قد استفاد وا من الصراعات السياسية داخل و خارج السلطة وتعدد الولاءات في الجيش و أختلاف الأجندة السياسية و استغلوا الأوضاع السيئة في مختلف مجالات الحياة بسبب أخطاء الحكومة السابقة و ضعف الحكومة البديلة و حصلوا على التسهيلات العسكرية المتمثلة بتسليم المعسكرات و المعدات من قبل الجيش الموالي لجهات داخل السلطة و المساعدة المباشرة من القادة المواليين للرئيس السابق في خوض معارك محدودة وتمكنت من السيطرة على مقاليد الحكم في اليمن دون مقاومة سوى من قبل بعض الوحدات العسكرية المحسوبة على حزب الأصلاح التي أنسحبت من المواجهة العسكرية في الوقت المناسب، وتمددوا في مناطق يمنية شاسعة تحت مبرر محاربة ما يسمى بالجماعات الأرهابية.                                                                                  

على الرغم من انتهاء الفترة الأنتقالية وفق المبادرة الخليجية و آليتها التنفيذية إلا أن الأمم المتحدة اعترفت بشرعية الرئيس الأنتقالي و الحكومة التوافقية الي أنتهت ولايتهما، وذلك من أجل عدم حدوث فراغ سياسي و من أجل تحقيق الأنتقال السياسي الذي طال أمده في ظروف الأستيلاء القسري على السلطة من قبل انصار الله.                                                                                 

الأمم المتحدة في نفس الوقت دعت جميع اطراف الصراع إلى الحوار ولم تعترف بسلطة الأمر الواقع الذي حاول انصار الله فرضها "و هذا ما جعل مسألة الأعتراف الرسمي من قبل بعض الدول المؤيدة لجماعة أنصار الله أمر غير متوقع على الأقل في الفترة الراهنة" و أتخذت بعض العقوبات و الأجراءات بهذا الشأن الذي تضمنها قرار مجلس الأمن 2216، بما في ذلك حث جميع الفرقاء على إجراء الأنتخابات الرئاسية و البرلمانية في أسرع وقت ممكن، و لم تؤيد ولم تعترض الأمم المتحدة بشكل صريح التدخل العسكري في اليمن من قبل الحلفاء العرب "لحل الأزمة" الذي حصل قبل أتخاذ قرار مجلس الأمن المشار إليه ، و هنا يجب التنوية إلى أن قرار مجلس الأمن تم أتاخذه تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنه لا يتضمن أستخدام القوة ولا حتى الأشارة إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذه ، لأن هذا الأجراء يتطلب قرار خاص من قبل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي "و تظل هذه مسألة واردة إذا تطلب ذلك". و لهذا الأمين العام طالب مراراً وقف الحرب الداخلية و الضربات الجوية و طالب جميع الأطراف الدخول في مفاوضات سياسية لأنه من غير الممكن حل الأزمة بأي طريقة آخرى.                                                                                              

أن سوء إدارة الرئيس الأنتقالي وضعف الأرادة السياسية و ذيق الأفق" على الرغم من المساندة الشعبية الواسعة في بداية ولايته و الدعم الدولي الكبير، إلا أن عدم ثقته بقدرة الشعب وعدم تواصله و شفافيته مع الشارع السياسي وعدم أمتلاكه مشروع سياسي يرتقي عن مشاريع القوى السياسية المشاركة في الحكم افقده هذه الأمكانيات الهائلة " كان له دور كبير في إيصال اليمن إلى هذه الأحداث المئساوية. المملكة السعودية و دول مجلس التعاون تدرك جيداً أن الرئيس الأنتقالي ليس هو رجل المرحلة القادمة، و لكن شرعية سلطته المؤقتة و تمسكه بسيادة و و حدة الأراضي اليمنية جعلها تراهن عليه مرحلياً لأن شرعيتة و أن كانت بأعتراف اقليمي و دولي وليست مستمدة من إرادة الشعب كافية لأعطاء الصفة الدولية القانونية بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة للتدخل العسكري، الذي اصبح خياراً مؤكداً يمكن فقط من خلاله ابعاد الخطر الداهم القادم من اليمن حسب تصورات المملكة العربية السعودية و حلفائها، و سيادة و وحدة اليمن تشكل مكون اساسي من مكونات الأستقرار في شبه الجزيرة العربية وهذا ايضاً ما جعل كثير من القوى المناهضة لجماعة انصار الله تلتف حوله.                                                                                                                                        

الحكومة الثانية التي تم تشكيلها بعد الأحتجاجات الشعبية الواسعة ضد السياسة و القرارات الخاطئة والعشوائية للحكومة السابقة "التي أسهمت في إيصال انصار الله إلى السلطة" وأن كان اعضائها أكثر نزاهة إلا أن أهم أكثر ضعفاً من الناحية المهنية و التخصصية وهذا مايظهر بشكل واضح في عجز الحكومة بتوفير ابسط الخدمات في المدن التي اصبحت تسيطر عليها قوات الشرعية و تتواجد فيها قوات الحلفاء، أو حتى الأهتمام بجرحى المقاومة الشعبية، و أن كان يعول عليها فقط بتصريف الأعمال و التهيئة للأنتخابات لفترة وجيزة وليس بأعتبارها حكومة كاملة الصلاحيات في حل المهمات ، لكن هذا لن يعفيها من الأهتمام بأحوال المواطنين و توفير الخدامات الضرورية، و للأسف تتشابه هذه الحكومة إلى حد كبير مع سابقتها من حيث حب بعض أعضائها السفر والترحال و الظهور الأعلامي، و قد بدأ العديد منهم يتخلى عن النزاهة شيئاً فشيئاً ويلجأ إلى البحث عن المنافع الشخصية لأنهم وجدوا فرص كثيرة للإثراء السريع و لن يكون من المفاجئ أن يظهر بينهم رجال أعمال منافسين في الأسواق التجارية خلال أيام.                                                                

القوى السياسية المشاركة في الحكم التي وصلت إلى السلطة بعد الثورة لم تستطيع أو لم يكن بأمكانها تقديم النظام البديل الأفضل عن النظام السابق و أستمرت تفكر بنفس الطريقة و تمارس نفس الممارسات في إدارة شؤون الدولة وهذا سبب رئيسي من أسباب ضعفها و سبب بقاء نفوذ الرئيس السابق إلى حد ما مؤثر و الذي كان من المفروض أن تكون صفحته قد طويت، اضافة إلى ذلك ما زالت حتى اليوم لا تفهم وتجهل الأمكانيات و القدرات الهائلة للشعب اليمني الذي اسقط النظام السابق بأرادته السلمية و ليس بقوة السلاح و لم تدرك أن اقصاء الشعب من المشاركة في العملية السياسية هو سبب فشلها.                                                                          

قرار مجلس الأمن لم يتضمن الأليات لتنفيذ بنوده المتعلق بتسليم الأسلحة و المؤسسات الحكومية و الأنسحاب من المناطق التي تم السيطرة عليها عسكرياً وهذا ما اعاق عملية التفاوض السياسي إلى حد كبير و تطبيق القرار نفسه.

ولكي يتم التوصل إلى حل الأزمة في اليمن وتحقيق الأستقرار المستدام يجب الأخذ بعين الأعتبارمايلي:                             

_حل الأزمة اليمنية لن يكون إلا سياسياً من خلال التفاوض بين جميع الأطراف اليمنية والمشاركة البناءة من جانب الأطراف الإقليمية المؤثرة وخاصة السعودية و أيران و شراكة المجتمع الدولي ، فأضافة إلى أن الأستمرار في الحرب له آثار انسانية كارثية و تأثيرات أمنية و مادية و سياسية و ليس له أفق في حل الأزمة و ستكون له مؤثرات سلبية على دول التحالف نفسها "و خاصة المملكة" وعلى السلام و الأمن الدوليين.                                                                                                                            

_الأعتقاد بأن الدستور يكون فقط توافقياً بين القوى السياسية و لا يعبر عن أرادة الشعب اعتقاد خاطئ و غير صحيح و يتنافى مع كل القيم الديمقراطية و مبادئ الحكم الرشيد.                                                                                                    

_تحقيق السلام الدائم الذي يؤسس للعدالة والنظام والقانون لا يمكن أن يكون إلا من خلال صياغة دستور ديمقراطي يؤسس لدولة مدنية حقوقية و إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة و نزيهة.                                                                                         

_غياب المشروع الوطني و أستبداله بنظام المحاصصة يؤدي حتمياً إلى تشكل مراكز للنفوذ والأستقطاب و أستمرار الصراع.          

_التوافق السياسي يجب أن يقوم على أساس الشراكة مع الشعب وهذا يتطلب منح أطراف الصراع نسبة 30% من قوام الحكومة المؤقتة فيما إذا تم التوافق على تشكيلها، لأن هذه الأطراف اثبتت فشلها و ليس بوسعها إلا قيادة اليمن إلى الحروب و الأزمات و الصراعات التي لن تنتهي و 70% للمستقلين من القوى الثالثة التي لم تشارك في صراع الأطراف، و قد يبدو من السابق لآونه الحديث عن وجود القوى الثالثة المنظمة و لكنها في تطور التبلور و التكون و بأمكانها حالياً المشاركة في العملية السياسية بفعالية و قادرة على قيادة المرحلة القادمة بكل جدارة. الحكومة يجب أن تكون مهمتها محددة و لفترة لا تزيد عن ستة أشهر وضمن المهمات الرئيسية لهذه الحكومة صياغة الدستور الديمقراطي و الأعداد للأنتخابات الرئاسية و البرلمانية.                                                                               

_إذا تم تجاوز المطلب الرئيسي للثورة اليمنية المتمثل ببناء الدولة المدنية الديمقراطية خاصة بعد الحرب و فرض نظام سياسي لا يجسد إرادة الشعب اليمني من قبل دول التحالف ، ممكن في هذه الحالة وصف التدخل العسكري في اليمن بصفة قانونية آخرى يكون لها تبعات سياسية مؤثرة على علاقة الشعب اليمني مع دول الحلفاء. الشعب اليمني يريد التخلص من نظام الفساد والمحسوبيات و الأدراة السيئة و الحكم الأسري و المناطقي و لا يريد العودة مجدداً إلى الماظي وأن كان بوجوه وشرائح جديدة، و على الجميع أدراك هذا الواقع و التعامل معه بمسؤولية. و عدم ضم اليمن إلى مجلس التعاون في المستقبل القريب من كل بد سيهدد أستقرار هذه الدول لا محالة و ستفتح ملفات جديدة و ملفات كانت كما يبدو قد أغلقت تماماً.                                                                                                  

_ تطبيق قرار مجلس الأمن 22416 سيكون بداية النهاية للأزمة اليمنية إذا ما وجدت الآليات اللازمة لتنفيذه.                              

_استراتيجيتة الأمم المتحدة فيما يتعلق بالأنتقال السياسي في اليمن يتطلب صياغتها و بلورتها بما يتجاوب و تطلعات الشعب اليمني لأنه مصدر السيادة و العلاقة يجب أن تقام بناءً على مبدأ الشراكة في تحقيق الأستقرار و السلام في اليمن بأبعاده الوطنية و الدولية و ليس على مبدأ الوساطة و المساعي الحميدة فقط، لأن هذا المبدأ الأخير ممكن يكون ضرورياً بين الدول التي تشهد علاقاتها خلافات سياسية أو قانونية و لا يكون فعالاً فيما يتعلق بالحروب الداخلية خاصة لو الحديث يجري عن قضايا حقوق الأنسان و الديمقراطية و سيادة القانون و الكوارث الأنسانية التي لا تعتبر شأناً داخلياً و أنما شأناً عالمياً يخص المجتمع الدولي بأكمله خاصة في ظل وجود الأسس القانونية و الدولية و قرارات مجلس الأمن التي تم أتخاذها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.                                                

و الأعتماد على مبدأ الوساطة و المبادئ الحسنة فقط و عدم أمتلاك الرؤية المستقبلية و عدم المهنية في إدارة الأزمات كان سبب من الأسباب الرئيسية لفشل مندوب الأمم المتحدة الأسبق في مهمته الخاصة في اليمن.                                                             

_أولوية المصالح الوطنية أمام المصالح الحزبية و الشخصية في جنيف 2 ليس فقط ستشكل الضمان لنجاح التفاوض و أنما ستعيد الثقة بين جميع الفرقاء السياسيين و أطراف الصراع.                                                                                              

   "نقلاً عن موقع التغيير"