هيكل..بين راضٍ عنه وساخط عليه ؟!
قبل 4 سنة, 6 شهر

ـ (عندما كان هيكل قرب القمة.. كان الكل يهتمون بما يعرفه، وعندما ابتعد عن القمة.. تحول اهتمام الكل الى ما يفكر فيه!)انتوني ناتنج– وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية الأسبق – في رده على سؤال حول تقييمه لهيكل.. ببرنامج عن هيكل بالإذاعة البريطانية.. في 14 ديسمبر 1978م

ـ في عام 1985م.. اثناء دراستي الاعلامية العليا في الولايات المتحدة الامريكية، دخل استاذ نظرية الاعلام قاعة المحاضرات، ولاحظ انهماكي بقراءة كتاب باللغة الانجليزية بعنوان (Autumn of fury) – خريف الغضب. الذي ألفه محمد حسنين هيكل عن الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات، والذي ركز فيه على الاسباب التي أدت الى اغتيال السادات اكثر من تركيزه على سيرة السادات الذاتية .. وهو الكتاب الذي ترجم الى عدة لغات وأثار عاصفة قوية من الجدل.. بين مؤيد ومعارض ومتحفظ حول مضمونه .. ربما بسبب علاقته بقوى عربية ودولية.!.

وطلب الاستاذ مني الكتاب، ليفاجئني بأنه قد قرأه منذ أشهر بجانب قراءته لعدة كتب لهيكل.. منها: (عودة آية الله) والذي جاء عنوانه بنسخته العربية (مدافع آية الله).. إضافة الى قراءته لبعض مقالاته التي تنشر اسبوعيا ببعض الصحف الامريكية ... الخ.. ثم طلب رأي الحضور وكنا لانتعدى 13 وأنا العربي الوحيد بالقاعة أو بالفصل.. فيما اذا اراد ان تكون محاضرته بتلك اليوم عن صيغة الخبر وتحليلاته في اسلوب هيكل.. وبالطبع كانت الموافقة بالإجماع .. ليظل يتحدث بأسلوب رصين واعجاب بهيكل وتناولاته لمجريات الأحداث بمنطقة الشرق الأوسط عبر سرده لمعلومات جمة وتأكيدها بوثائق هامة نادرة ولقاءات ومشاهدات وتحليلات عميقة.. ولمدة ساعتين ظل يشرح أسلوب هيكل وطريقته في طرح الخبر أو بسط الموضوع.. وفحوى ما خلص إليه.. أن هيكل من ضمن صحفيين قلائل على مستوى العالم والذين حينما يتحدثون عن موضوع أو قصة خبرية، فإنهم يحرصون على معالجة ذلك مع استيفاء شروطه من كل الجوانب.. حتى أن هيكل وأمثاله.. يجيبون أحيانا على أسئلة أو تساؤلات كانت تدور في خلد القارئ للكتاب أو للمقال وحدث ليفاجأ بالرد عليها وهو يقرأ.. الخ.. (انتهى حديث الأستاذ المحاضر ).. ولأنه يهودي فقد أشار بنهاية محاضرته أن من أهم الاشياء التي لاتعجبه بهيكل.. هي تعصبه لعروبته أو لقوميته.. قالها وبنبرة حادة :(fanatic man)

ثم ترك الحديث للنقاش حول الموضوع .. وكنتُ أول المتحدثين فأكدتُ له أن أكثر ما يعجبني بهيكل هو تعصبه لقوميته أو لعروبته ومناصرته لقضايا أمته .. - ولو من باب إغاضته!.

ـ هذا هو محمد حسنين هيكل ـ الذي يعد من ألمع الصحفيين على مستوى العالم رغم ان كتبه ومقالاته وتحقيقاته كانت في الغالب تتمحور حول الشرق الاوسط .. المنطقة الاكثر سخونة واضطرابا في العالم، ولأنه إبن هذه المنطقة التي كانت ولاتزال تغلي بالأحداث، فكان بالطبع يعيش كل الوقائع والاحداث التي تجري في منطقته أو يرقبها عن كثب، فلا يكتفي بمظاهرها فقط، بل يتتبع خيوطها ومحركاتها ليطلع على أسرارها وخفاياها ويستكشف أبعادها وخلفياتها.. خطوطها وتفاصيلها .. ثم يقرؤها بتعمق وتمعن فيدرك كنهها وماهيتها ويعرف حقيقتها ومؤثراتها ويستجلي نتائجها وتبعاتها بعد تحليلها وتعليلها بدقة وعمق .. وحينئذ يجسدها في ذهنه فيحسن وصفها ويسهل عليه توصيفها.. لهذا كانت كتاباته صورة صادقة للواقع ونظرته عميقة فيه..

ومع ذلك فإن هيكل يختلف البعض معه حسدا وغيرة.. والبعض بسبب أراء أوتصورات ذات علاقة بالجوانب الدينية والسياسية.. والى درجة العداء المطلق أحياناً .. مع ان بعض هؤلاء المختلفين معه والمهاجمين له، لا يملكون الا ان يعترفوا بمكانه ومكانته وقدراته وإمكاناته! وهناك من يتفق معه الى درجة الاعجاب المطلق ويعتقد أن كل ما يقوله في مقالاته ومحاضراته وكتبه صحيح لا شائبة فيه .. وهو اعجاب مفرط وغير سليم.. فهيكل مجرد صحفي أصاب وأخطأ وله مزاياه وله عيوبه كأي إنسان.. وان كان قد مثل ظاهرة إستثنائية في الصحافة العربية منذ منتصف القرن المنصرم وحتى وفاته ..حتى الضباط الاحرار الذين ارتبط هيكل بزعيمهم وثورتهم منذ بداية انطلاقها عام 1952م .. اختلفوا في نظرتهم إليهومواقفهم منه فانقسموا إلى فريقين , محبٌ غالى في مدحه ومبغضُ أوغل في قدحه .. ومن هذا القسم الثاني من يعتبره ((خرب مصر وعبدالناصر والناصرية))  كما جاء ذلك في كتاب (هيكل او الملف السري للذاكرة العربية)تأليف رياض الصيداوي ص16 .. لكن المؤلف لم يذكر إسم الضابط حسب رغبته كما قال! بينما بنفس الكتاب ص17 قال عنه محمد فائق وزير الاعلام بعهدي عبدالناصر والسادات ((انطلاقا من موقعي كوزير للإعلام يمكن ان اقول .. انه لم يخدم احد الصحافة والصحفيين في مصر كما خدم وفعل محمد حسنين هيكل ..وان تميزه يعود الى اجتهاده وكفاءته العالية جدا.. وكسبه لثقة جمال عبدالناصر فأصبح قريبا من موقع القرار)).

-           لقد استمرت علاقته بجمال عبدالناصر 22 عاما بدأت بلقاء أثناء حصار –الفالوجا– بفلسطين عام 1948م ، وانتهت نهاية سبتمبر عام 1970م بموت الزعيم عبدالناصر وعبر وداع عاطفي غير مسبوق. لتنعكس هذه العلاقة بينهما على الاحداث المصرية والعربية والدولية خلال الخمسينيات والستينيات بكل مجرياتها ووقائعها الايجابية والسلبية معا.

-           واعتبره بعض الصحفيين المصرين بأنه كان محتكراً لعلاقته بعبد الناصر على حساب من قد يكونون أفضل منه قدرةً وعطاءً وأداءً .. وقد يكون ذلك صحيحاً .. لكنه لا ينفي فراسة عبد الناصر الذي ربما وجد فيه ما لم يجده بغيره .. حتى أنه قال عن هيكل :

-           " أنا رجل سياسي ومحتاج للصحافة ، لتعبر عن أفكاري ، وكان هيكل هو الذي يستطيع أن يوصل رسالتي للناس ، وبالتحديد فهو يسكن عقلي " ..

-           نقلاً بالنص من كتاب ( هيكل وعبد الناصر ) للصحفي فاروق فهمي .. ص(6) .

-           وحتى الرئيس المصري الأسبق ــ محمد حسني مبارك قال لهيكل حينما قابله بعد خروجه من السجن : ( على فكرة " نحن كنا نتصور أنك تجلس على حجر الرئيس ــ جمال ــ لكنه ظهر أن الرئيس جمال كان هو الذي يجلس على حجرك .. وأنني لم أكن أعرف أن العلاقة بينكما إلى هذا الحد .. حتى شرحها لي أنيس منصور " ــ من كتاب ( مبارك وزمانه ) ص 51 .

-           لكن هيكل غضب مما قاله مبارك .. ورجاه أن لا يكرر مثل هذا الكلام أمام أحد .. ولا حتى أمام نفسه..مضيفاً : ( لأن ذلك ليس صحيحاً .. ولأن مثل هذا الكلام يسيء إلى رجل .. كان وسوف يظل في اعتقادي واعتقاد كثيرين في مصر وفي الإقليم وفي العالم , قائداً ورمزاً لمرحلة مهمة في التاريخ العربي .. وقد أسعدني ولا يزال .. أنني كنت صديقاً لعبد الناصر ، وقريباً منه ومتابعاً لدوره ) ــ من كتاب ( مبارك وزمانه ) ص 52.

-           ولعل علاقته بعبد الناصر اكتسبت صفة الشخصية وربما نجاحه مع بداية عمله الصحفي في : ( الأجبشيان جازيت ) عام 1942 ــ مروراً بمجلة ( آخر ساعة ) .. وصحيفة ( أخبار اليوم ) ــ كان من أهم العوامل التي ساعدته من الاقتراب من عبد الناصر ومن موقع القرار السياسي منذ البداية ..

-           ولم يخف هيكل تأثيره وإعجابه بعبد الناصر .. إلى درجة تأثره بطريقة عبد الناصر بما يخص حياته العائلية وعدم خروج عائلته للأضواء كما هو حال بعض المصريين .. باعتباره ــ أعني هيكل ــ راجل صعيدي يرفض أن يرى أحد صورة زوجته وحتى أولاده .. واضعاً حداً فاصلاً بين حياته العامة وحياته الخاصة ــ كما ذكر ذلك في بعض كتبه ــ مع أن زوجته من أسرة أرستقراطية مشهورة وهي حاصلة على درجات أكاديمية بالفنون الإسلامية .

-           وعلاقته الاستثنائية بعبد الناصر كانت من أهم أسباب حرص معظم الزعماء العرب والعجم على اللقاء به ودعوته لزيارات بعضهم باعتباره بمثابة كنز معلومات لزعيم استثنائي في مرحلة تاريخية هامة من تاريخ منطقة الشرق الأوسط .. ليظل وفياً مخلصاً لعبد الناصر بعد وفاته كما كان قبلها .. ولمبادئ عبدالناصر التي قامت عليها تجربته وسلطته .. وليركز بمعظم كتبه على الأحداث التي عاصرها عبد الناصر كالعروبة ، وحركة عدم الانحياز ـ وقضية فلسطين وحركة التحرر العربي ــ وغيرها من التوجهات التي سادت أيام عبد الناصر .. حتى اعتبره البعض بمثابة لغز قائم لذاته مع عبد الناصر , مع أن هيكل لم يذكر تفاصيل علاقته بعبد الناصر أو لقاءاته ومناقشاته وأسراره معه إلا بعد وفاة عبد الناصر ــ حسب علمي . وحينما بدأت الهجمات والحملات الإعلامية ضد عبد الناصر خلال الفترة من عام 1974 ــ 1981 ..ظل هيكل يدافع عن مرحلة عبد الناصر ويفند كل ما قامت من حملات إعلامية مصرية وعربية ضده .. لتظهر دفاعاته تلك في بعض كتبه .. والتي منها : ( لمصر لا لعبد الناصر ) .. و ( بين الصحافة والسياسة) والذي أحسب أنه جاء بمثابة رد على ما كان الصحفي الراحل مصطفى أمين يقوم بنشره ضد مرحلة عبد الناصر، ولو بصورة غير مباشرة .. متناولاً بهذا الكتاب أستاذ التنوير الزعيم الراحل ــ أحمد محمد نعمان ــ رحمه الله ــ وهو يورد رسالة مصطفى أمين المرفوعة للرئيس عبد الناصر وهو بالسجن عام 1965م .. واصفاً النعمان " بأنه كان يريد أن يكون شيئاً كبيراً على حساب الجمهورية العربية وأن عبد الناصر كان يعتقد أن النعمان لسانه على مصر وقلبه مع فيصل " إضافة إلى ذكر بعض ما كان يدور من حوار هادئ حيناً وصاخباً حيناً آخر بين الزعمين عبد الناصر والنعمان ــ رحمهما الله ــ (بين الصحافة والسياسة). ص 158 .

-           بينما كانت علاقة هيكل بالسادات .. بين مدٍ وجزر, ومع معارضته لتوجهات وتصورات السادات بعد حرب أكتوبر ، والذي كتب التوجيه الاستراتيجي الصادر من السادات لوزير الحربيةالفريق أول ــ أحمد إسماعيل علي في الأول من أكتوبر عام 1973م هيكل نفسه.. بل وتحالف هيكل مع السادات ضد بعض أهم رجال عبد الناصر عام 1971م .. ليظهر الخلاف بمعارضة هيكل الشديدة لاتفاق فك الارتباط الذي أعقب حرب أكتوبر1973م .. ليصل إلى حد القطيعة وحتى أزاحته عن (مؤسسة الأهرام ) .. يوم 31 يناير 1974م .. فتعتبر صحف العالم الكبرى خروج هيكل من الأهرام ــ هو الخبر الرئيس والأبرز ــ كما ظهر ذلك على صدر الصفحة الأولى بـــ ( واشنطن بوست)الأمريكية  و (التيمس) البريطانية و (لوموند) الفرنسية وغيرها .. ورفض كل المناصب السياسية الرفيعة التي كان السادات قد عرضها على هيكل ــ وهو نفس رفضه للمناصب الوزارية التي كان عبد الناصر يعرضها عليه ــ ما عدا إجبار عبد الناصر له تولي وزارة الإعلام أو الإرشاد القومي عام 1970م بجانب رئاسته لتحرير الأهرام ــ ولظروف سياسية وعسكرية ومهمة معينة ليقدم استقالته منها بعد تولي السادات للسلطة عقب وفاة عبد الناصر .

-           مع أن هدف السادات ــ، كمال قال ذلك هيكل في بعض كتبه وغير هيكل ــ هو حرمانه من الأهرام ومن ممارسة الصحافة والكتابة معاً.. لكن هيكل قبل إبعاده عن الأهرام كان صحفياً وظل صحفياً حتى آخر عمره .. وهو نفس ما كان يقوله بعض السياسيين والصحفيين من أن شهرته وثقافته وقدراته الصحفية إنما يرجع الفضل في ذلك للزعيم الراحل جمال عبد الناصر وقربه منه .. وقد يكون بعض ذلك صحيحاً ــ خاصة ـ استفادته في مرحلة عبد الناصر ومن الفترة التي عاصرها معه ــ بما يمثل ذلك من معلومات ووثائق وتحولات عديدة .. إلخ , إلا أن ثقافته وقدراته وإبداعاته  برزت وأزدادت تألقاً وانتشرت مقالاته ومعظم كتبه بعد وفاة عبد الناصر .. بل إن معظم كتبه لم تظهر إلا بعد عام 1974م أي بعد خروجه من الأهرام.. ومع بداية تألقه الأكثر تميزاً بعد خروجه من الأهرام .. واستمرار انتقاده للسادات خاصة معارضته لإتفاقات كامب ديفيد .. وغيرها .. وجد نفسه بسجن (طُرَّه) في بداية سبتمبر عام 1981م ضمن عشرات الصحفيين والسياسيين ورجال القانون والفكر ورؤساء أحزاب ..مع أنه اختصر مشاكل مصر بين عهدي عبد الناصر والسادات بــ.. ( كون الأول ــ يقصد عبد الناصرــ كان يقرأ حتى بعض ما لا يستحق القراءة ــ بينما الثاني ــ يقصد السادات ــ كان لا يقرأ حتى ما لا بد له أن يقرأه ) .. نقلاً من كتاب ( بين الصحافة والسياسة ) ص 342 .

-           ومفهوم حرية الصحافة لدى هيكل قوله: " حرية الصحافة بالمعنى الحقيقي .. هي حرية ومناقشة صنع القرار.. العوامل المؤثرة عليه .. والمناخ المحيط به.. والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها"  كما جاء ذلك بالنص في كتابه ( عند مفترق الطرق ) ص 9 .. مع أن كلامه على حرية الصحافة جاء رداً على إتهام السادات له بأنه يريد أن يفرض آراؤه عليه !! ..

-           مفنداً هذه التهمة أيضاً ــ برده على مبارك حينما قال له بأن مآخذ السادات عليه بأنه كان يريد أن يفرض عليه رأيه ــ فقال لمبارك ( سيادة الرئيس .. كيف يمكن لصحفي أن يفرض رأيه على رئيس الدولة ؟! ) كما جاء ذلك في كتابه ( مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان ) ص 57 .. وقد وصف هيكل علاقته بمبارك في نفس الكتاب ــ ص 11 بكونها ( محدودة وفاترة , وفي كثير من الأحيان مشدودة ومتوترة ) ..

-           ورغم علاقة هيكل بعبد الناصر وحبه له وإعجابه به وبتوجهاته .. وما حدثت من نجاحات وانتكاسات لا بد أن يتحمل هيكل جزء من ذلك كله خاصة التجاوزات التي حدثت أيام الزعيم عبد الناصر ضد قيادات عديدة بتنظيم ( الإخوان المسلمين ) وغيرهم .

-           إلا أن هيكل رغم ذلك ينفي وجود ( الناصرية ) معتبراً أنها تمثل اليسار حينما قال ( وفيما يتعلق بأن الناصرية حركة يسار وطني فلا أظن أن هناك خلافاً على ذلك  ) كما جاء ذلك بالنص في كتابه ( وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي ) ص 252 .

-           ثم ينفي في موضعٍ آخر, وجود الناصرية كنظرية.. حينما قال ( أنني أبدي إعتراضي على حكاية الناصرية .. هناك ناصريون باليقين ولكن ليست هناك ناصرية بالتأكيد ) . نقلاً عن كتاب ( الناصرية محاولة للفهم ) لأحمد الجمال .

-           لقد ظل هيكل طيلة حياته وسيظل أبرز وأشهر الصحفيين العرب .. بل كانت شهرته دولياً لا تقل عما هي عربياً , وما ذلك إلا لكونه كان صحفياً وسياسياً ومفكراً ظهر تميزه وبراعته وحسن استغلاله للفرص بمواقف عديدة .. ومنها على سبيل المثال لا الحصر . عام 1978م حينما أحيل للتحقيق مع بعض الصحفيين المصريين ومنهم ــ أحمد حمروش ، ومحمد سيد أحمد وغيرهم .. بحجة الإساءة إلى مصر ــ لكن هيكل هو الوحيد الذي وثق هذاالتحقيق في كتابه الذي ظهر فيما بعد ( وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي ).. وهو ما ظهر أيضاً في اعتقالات يوم 3 سبتمبر عام 1981م ضمن قيادات سياسة ودينية وإعلامية وحزبية .. وليواجه بساحة الاستقبال بسجن (طرَّه) "أكبر تجمع سياسي كان يخطر على البال" حسب تعبيره ــ ومع ذلك لم يكتب عن وقائع القبض عليه وعلى بعض زملائه أحد ممن سجنوا معه ــ حسب علمي ــ كما كتب هيكل بجانب كيفية قضاء الفترة الزمنية بالسجن وغير ذلك من سرد الأحداث التي حدثت قبل وأثناء فترة البقاء بالسجن والتي لم تتعدى ثلاثة أشهر . مهما كانت هامشية ــ كما جاء ذلك في كتابه ( خريف الغضب ) إنها الفرادة والاستثناء !

-           ترأس مجلس إدارة مؤسسة ( الأهرام ) ورئاسة تحريرها عام 1957م وكان عدد الصحفيين بها لا يزيدون عن 300 وحينما خرج منها عام 1974م كان عدد الصحفيين والفنيين والعاملين بها لا يقلون عن 6000 ستة آلاف –حسب ما قرأت- بجانب أرباح سنوية بملايين الجنيهات وتجهيزات ومعدات حديثة وسمعة عربية ودولية حتى باتت ضمن أهم وأوسع وأشهر عشر صحف يومية على مستوى العالم.

-           وكان مقالة الأسبوعي فيها ــ بصراحة ــ حديث الخاص والعام .. وأنشأ مجموعة المراكز المتخصصة في الأهرام .. ثم وهو الأهم استقطب ألمع وأشهر كتاب وصحفيي ومفكري مصر بالكتابة بها بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية ..

-           كانت مقالاته وتوجهاته الليبرالية لا تعجب الاتحاد السوفيتي خاصة أيام (خراتشوف) الذي أتهم هيكل بأنه عميل للمخابرات الأمريكية .. لكنها ظلت مجرد تهمة صعب بل استحال على بعض مناوئيهالعثورعلى أي دليل يؤكدها .. مع أن علاقاته بالاتحاد السوفيتي بعد (خراتشوف) ظلت قوية تباعاً لعلاقة عبد الناصر به ..

-           بينما كانت مقالاته التي تعكس توجهاته الوطنية والعربية لا تعجب الولايات المتحدة .. إلخ ــ ويمكن تصنيف فكره ــ بكونه يأخذ جانب الاعتدال والتوسط بعيداً عن مغامرات اليسار المعروفة ، ومحافظة اليمين المعهودة .. فهو بين .. بين!! وإن صح التعبير .

-           وظل يركز في كتبه ومقالاته بجانب قضايا سياسية وثقافية بوجه عام على القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ــ خاصة بكتابه ( المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل ) ثلاثة أجزاء .

-           وكان يضع ملحق وثائقي لدعم آرائه بالذات ببعض كتبه ــ كما هو الحال بــ.. سلسلة حرب الثلاثين السنة وغيرها .. مثل :

-           ملفات السويس .

-           سنوات الغليان .

-           الإنفجار الخاص بحرب عام 1967م .

-           بين الصحافة والسياسة .. وغيرها .. إلخ .

-           كان متعاقداً مع كبار الناشرين بلندن ونيويورك لنشر كتبه التي يكتبها باللغة الإنجليزية ثم تترجم إلى بعض اللغات الحية .. حتى أن كتابه (عودة آية الله ) أو ( مدافع آية الله ) ترجم إلى 17 لغة وكتابه ( خريف الغضب ) ترجم إلى 9 لغات .. وحسب علمي فإن عشرة كتب وربما أكثر هي التي نشرت باللغة الإنجليزية وغيرها ــ بجانب 25 كتاب بالعربية وحدها . وظلت مقالاته تنشر في أشهر وأوسع الصحف الغربية والشرقية .. إلخ . بما فيها الكورية والصينية واليابانية .

-           كما أن بعض كتبه كانت تطبع مراراً ــ بل أن كتابه ( كلام في السياسة ) طبع خلال عام 2000م خمس طبعات .. رغم أنه كان قد نشر طوال سنة 1999م وبداية عام 2000م بمجلة ( وجهات نظر ) .. ولولا إعجاب القادة والمفكرين والقراء بمختلف توجهاتهم بكتب ومقالات هيكل لما كان يعاد طباعة كتبه غير مرة .

-           وكان يعتبر الكتاب المطبوع على الورق بأنه يظل له العمر الطويل من البقاء وأنه الحاضر على الدوام مهما أشتد من حوله الزحام حسب تعبيره مضيفاً : ( الكلمة المكتوبة على الورق باقية ، والكلمة المسموعة على الإذاعة والتلفزيون عابرة .. والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فواره وهي مثل كل فوران متلاشية ) .. من كتاب ( عند مفترق الطرق ) . وهو الكتاب الذي تضمن آخر مقالاته التي كتبها بالأهرام من 5 أكتوبر 1973م وحتى أول فبراير 1974م .

-           ولم أستغرب حينما قال للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في حوار معه حول مساحة البرامج الدينية على الإذاعة والتلفزيون واعتراضه على جوهر بعض البرامج والردود الدينية على بعض الاستفسارات من المستمعين كما جاء ذلك في كتابه ( مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان ) ص 73 .

-           أقول.. لم أستغرب حينما أكد هيكل لمبارك..(بأنه رجل من أسرة متدينة وأنه يعرف قيمة الدين باعتباره هداية وعصمة وأنه من أسرة كان من أول تقاليدها أن يحفظ أبناءها القرآن الكريم وأنه قد حفظ القرآن كاملاً ولا يزال) !! .

-           وما ذكر أيضاً في كتابه ( خريف الغضب ) من إيجابيات عظيمة عن الفتح الإسلامي لمصر وأن روح الإسلام التي تتمثل بــ ( الحرية .. الإخاء .. المساواة ) وصلت إلى مصر قبل وصول جيوش نابليون بونابرت إلى مصر بقرون .. إلخ ــ خريف الغضب ص 264 ــ 267 . وهو ما تكرر في بعض كتبه ومقالاته .

-           أقول.. لم استغرب ذلك وهو كان يتصدر بعض كتبه بكتابة آية قرآنية أوحديث نبوي أو مثل عربي خالد .. إلخ , مع أن ذكري لمثل هذه الجوانب ليس لهدف نفي بعض ما قيل عنه بما يخص تمسكه بالقيم والثوابت الإسلامية ولا إثباتها خاصة وأنه بات اليوم بين يدي ربه .. كذلك ليس نفياً لدوره ضد بعض الحركات الإسلامية وضد بعض قياداتها .. منذ أيام عبد الناصر وحتى تأييده للإنقلاب العسكري ببلاده ضد رئيس منتخب  ــ أعني محمد مرسي ــ وهو من بعض أوجه الاختلاف لدى كاتب هذه الأحرف معه رغم أنه في آخر أيامه .. أنتقد الرئيس المصري (السيسي) مراراً ــ خاصة حينما قال بالنص (مصر في طريقها لأن تصبح خارج التاريخ )  كما أكد ذلك فهمي هويدي في مقال له عن هيكل بعد وفاته . والأهم إختلافي مع هيكل .. في بعض ما كان يقوله حول ما يحدث في يمننا اليوم .. والذي استقى معلوماته عنها من صحف ومواقع إيرانية ولبنانية دون معرفة جوهر الحقيقة .. مع أن ما قد يشفع له عما كان يقوله مؤخراً خاصةً حول اليمن هو كبر سنه .. رغم أن كلامه عن ثورة الشباب عام 2011م التي أوجزها بقوله ( بأن ما يحدث في اليمن ليست ثورة بل قبيلة تحاول أن تتحول إلى دولة ) ألخ .. كان فيه الكثير من الفراسة وبعد النظر !! إلخ .

-           وفي نفس الوقت ــ فإن هيكل ــ رحمه الله ــ رغم حبه لليمن وإعجابه باليمنيين حسب ما كان يقول.. إلا أنه كان يتهرب من ذكر دوره أو ما يعرفه عن الحرب الأهلية في اليمن بين الملكيين والجمهوريين خاصة ما له علاقة بالتواجد المصري العسكري باليمن .. حسب علمي ــ خلال الفترة من 62 ــ 1967م وهو ما تكرر معي حينما زرته شخصياً لأول وآخر مرة عام 1984م بمكتبه المطل على النيل والذي يحتوي على إرشيف معلومات ضخمة ووثائق وتقارير وصور يحتفظ بها . وكان هدفي من هذه الزيارة التي تمت بصعوبة ولفترة لم تتعد العشرين دقيقة هو إجراء لقاء معه لأجل رسالة الماجستير التي حصلت عليها فيما بعد من الولايات المتحدة الأمريكية في الإعلام وتحديداً عن  (تغطية صحيفة نيويورك تايمز للحرب اليمنية خلال الفترة من عام 1962 ــ 1967م دراسة وتحليل) لتنتهي الزيارة دون الحصول على ما رغبت فيه .. ولا بجزءٍ منه.. مع أن هيكل كتب ببعض المقالات خاصة بالأهرام عن اليمن وأدلى بتصريحات وطرح رأيه بجوانب من الشئون اليمنية.. بينما الجانب الذي كان يخص التواجد المصري العسكري في اليمن خلال الخمس السنوات الأولى من عمر ثورة السادس والعشرين من سبتمبر كان يقتصر حديثه عنها على دور السادات مع ذكر بعض الشخصيات اليمنية والمصرية الفاعلة محاولاً بذلك التهرب من طرح معظم ماله علاقة بالدور المصري العسكري باليمن سلباً وإيجاباً .. رغم أني على ثقة أنه بحكم علاقته بعبد الناصر وما يتمتع به من تميز وأقتنائه لمعظم أن لم يكن لكل ما له صلة بعبد الناصر ودوره اليمني والعربي بوجه عام من وثائق وتقارير وقرارات كان يمكنه يكشف الكثير في هذا الجانب .. وهذا هو ما قصدته هنا تحديداً .. مع أني على ثقة أنه قد يأتي أوان نشر دور هيكل وما كان يعرفه ويتهرب من الإفصاح عنه حول الدور المصري في اليمن ودوره بالذات فقد يظهر بعد وفاته على المدى القريب أو البعيد ..

-           والغريب أن هيكل ــ حينما بلغ الثمانين من العمر وقرر اعتزال الكتابة عام 2003م عاد إلى الظهور بقناة ( الجزيرة ) لكن ما كان يقوله بعشرات الحلقات المتلفزة شفهياً لم يكن ممتعاً وشيقاً ومثيراً كالذي أقرأه بما كان يسطره في مقالاته الصحفية أوكتبه .. أو هكذا فهمي الخاص .

-           إن ما أود قوله هنا عن محمد حسنين هيكل –رحمه الله- وقد أفضى بما قدم وبات بين يدي خالقه واعترافي ببعض الاختلافات والتباينات مع بعض آرائه وتوجهاته .. إلا أنني اعترف كصحفي وكاتب أو هكذا يقال عني! .. بأنني تعلمت الكثير من كتب ومقالات وآراء الفقيد الراحل ــ هيكل ــ بما في ذلك كيفية معالجته للموضوع أي موضوع أو الحدث بلغة سلسة وسهلة يفهمها كل قارئ تقريباً .. إضافة إلى كيفية توثيقه للمعلومات وأرشفتها والعودة إليها عند الحاجة . رغم تواجدي وسط بيئة غير بيئته , وبين مجتمع غير مجتمعه وشتان بين ذلك؟! .. مقتنياً أكثر من عشرين كتاباً من مؤلفاته .. أربعة منها باللغة الإنجليزية .. وكانت محاضرة استاذي الأمريكي وما قال عن هيكل كما أشرت لذلك في بداية هذه (الدردشة) من أهم الدوافع لي باقتناء معظم كتبه وقرأتها .. بينما كانت قراءتي قبل ذلك شبه مقتصرة على بعض مقالاته !! .

-           فرحم الله هيكل ــ الذي بنى لنفسه عالم خاص به , وظل الكل يهتم بما كان يفكر فيه بعد ابتعاده عن القمة ــ كما قال وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية الأسبق ــ حسب ما جاء في تصدير هذه المقالة . ولعمري لقد أحسن الوصف وأجاد التوصيف .

-           ورغم أن وفاته .. وجنازته ــ جاءت شبه هادئة خاصة لشخصية بمكانه ومكانته .. وربما لأسباب قد يكون بعضها يرجع إلى عدم قبوله للأوسمة والجوائز في حياته وبصورة مطلقة كما أكد ذلك في بعض كتبه .

-           إلا أنه مع ذلك ــ يرحمه الله ــ كما كان في حياته بمثابة جدل مستمر ــ سيظل كذلك بعد مماته .. من خلال إرثه الصحفي والثقافي والفكري والمدون بكتبه وبغير كتبه .

-           كما سيظل حتماً بين من هو راضٍ عنه وساخط عليه .. وهذا هو هيكل ــ يرحمه الله .

’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’

[email protected]

كاتب يمني