الارتباطات العقائدية بين الحوثية والخمينية
قبل 2 سنة, 6 شهر

 سببت وفاة الامام الحادي عشر عند الشيعة الاثني عشرية الحسن بن علي الهادي الملقب بالإمام العسكري، وكذلك اختفاء ابنه الامام الثاني عشر محمد بن الحسن الملقب بالإمام المهدي المنتظر، دخول الشيعة في نفق مظلم هو عصر الانتظار، او ما تسميه الشيعة عصر الغيبة، وينقسم الى قسمين الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى، اذ أعلن عثمان بن سعيد العمري انه هو (الباب للغائب) الذي غاب غيبوبته الصغرى من 260 هجرية الموافق 874 ميلادية الى 329 هجرية الموافق 941 ميلادية، بعدها اعلن الباب الرابع ان الامام سيغيب غيبته الكبرى، وانقطعت الصلات نهائيا بين الناس والامام الغائب المزعوم، وهذا الواقع أدى الى جمود وركود في الفكر الشيعي الاثني عشري، فتعطل الجهاد عندهم، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وعاش الشيعة قرون من الزمن على حلم ظهور الامام الغائب، واستمر هذا النمط من التفكير مسيطرا على عقول الشيعة حتى ظهرت فكرة ولاية الفقيه. (مجموعة باحثين: 2008م، 82-83).

تعريف ولاية الفقيه: هي ولاية وحاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجة، حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وإقامة حكم اللّه على الأرض. فالإمام الخميني يرى بأن الوليّ الفقيه له ما للوليّ المعصوم، اللهم إلا ما يستثني من ذلك. وقد قال الإمام إن الأصل هو أن الفقيه الجامع لشرائط الحاكمية ــ في عصر الغيبة ــ له ما للمعصوم من إمكانات واسعة، إلا أن يكون ثمة دليل خاص على اختصاص الوليّ المعصوم بأمرٍ ما ومن ذلك الجهاد الابتدائي الذي هو من اختصاصات الوليّ المعصوم كما هو المشهور بين الفقهاء. (ولاية الفقيه: 2010).

يعد روح الله الخميني اول من بلور فكرة ولاية الفقيه وحولها الى نظرية سياسية متكاملة في كتابه المعنون (الحكومة الإسلامية) اذ كان الخميني يلقي هذه النظرية على شكل محاضرات يقنع بها طلاب العلوم الدينية الشيعية ويعبئهم ويهيئهم للتحرك والنهوض من السبات العميق الذي هم فيه، فيقول " ان هذا التصور عن الإسلام الذي يلقى في اذهان الناس والشكل الناقص الذي يعرض فيه الإسلام في الحوزات العلمية هدفه سلب الخاصية الثورية والحياتية للإسلام ومنع المسلمين من السعي للقيام والتحرك والثورة، ومن ان يؤسسوا حكومة تؤمن سعادتهم ويصنعوا الحياة اللائقة بالإنسان ". (روح الله الخميني: 1999م، 44).

  ويصور الخميني الجهاد من اجل ولاية الفقيه جزءا من عقيدة الشيعي بالإمامة فيقول " ان الاعتقاد بضرورة تأسيس الحكومة وامامة السلطة التنفيذية جزء من الولاية، كما ان النضال والسعي لأجلها من الاعتقاد بالولاية – أيضا – قوموا أنتم ببيان الإسلام كما هو، وبينوا الولاية كما هي، واشرحوها كما هي، قولوا اننا نعتقد بالولاية وبأن الرسول الاكرم قد عين خليفة، وقد الجأه الله الى تعيين خليفة وولي امر المسلمين". (روح الله الخميني: 1999م، 57).

ويبذل الخميني اقصى ما لديه من جهد لاستنهاض الشيعة واثارة عواطفهم ليتحركوا باتجاه تغيير النظام السياسي في إيران، كما فعل الامام الحسين بن علي في كربلاء فخاطب الخميني جماهير الشيعة قائلا " الملكية والحكم الوراثي هو ذلك الطراز من الحكم المشؤم والباطل الذي ثار عليه الحسين واستشهد في كربلاء من اجل منع اقامته، فقد ثار الحسين ودعا جميع المسلمين الى الثورة لكي لا يخضعوا لولاية عهد يزيد ولا يعترفوا رسميا بسلطنته ". (روح الله الخميني: 1999م، 48).  

وجه الخميني جهده لإقامة حكومة إسلامية مرجعيتها الفقها، الذين باستطاعتهم تشكيلها باختيار أحدهم ولي الفقيه يكون له السمع والطاعة منهم، دون الحاجة الى وجود القائم من ال محمد، اذ يقول: الحوزات العلمية اليوم في قم ومشهد والأماكن الأخرى مكلفة بالعمل على بيان واقع الإسلام وشرح مبادئه. ان الناس لا يعرفون الإسلام، فعليكم ان تعرفوا الشعوب على أنفسكم وعلى اسلافكم، وعلى أئمتكم وحكومتكم الإسلامية، ويحث الخميني الشيعة على اسقاط (الحكومات الظالمة العميلة)، وإقامة الحكومة الإسلامية العادلة التي تكون في خدمة الناس، فالعقل والشرع يحكمان بأن لا نسمح باستمرار وضع الحكومة بهذه الصورة غير الإسلامية أو المعادية للإسلام، فكل نظام غير إسلامي هو نظام يحمل الشرك، لأن حاكمه الطاغوت ونحن مكلفون بتصفية اثار الشرك من مجتمعاتنا الإسلامية ومن حياتنا، وتأسيس الحكومة الإسلامية هو لأجل حفظ نظام وحدة المسلمين. (مجموعة باحثين: 2008م، 86).

على هذا الأساس انطلقت الثورة الإسلامية الخمينية الشيعية الإيرانية عام 1979م، وعلى هذه الرؤية تم التخطيط لهذه الثورة ان تصدر الى بلاد المسلمين السنة خاصة حيث توجد الأقليات الشيعية، بما فيها اليمن. فاليمن تحتل في الفكر الشيعي مكانة كبيرة، وقدر ورد في الاثار الشيعية الاثني عشرية ان هناك ثورة إسلامية شيعية في اليمن تحدث هذه الأيام وتكون ممهدة لظهور الامام الحجة المهدي المنتظر وفقا لعقيدة الشيعية، اذ تؤمن الفرق الشيعية جميعها بظهور الامام الغائب المهدي المنتظر، ولكن الشيعة الاثني عشرية هي الفرقة الأكثر تعلقا وترقبا لظهور الامام الغائب ويزعمون انه بظهوره يتحقق الوعد الإلهي وهو ظهور الإسلام على كافة الأديان الأخرى، اذ تزعم الشيعة انه سيخوض معركة مع عملاء أمريكا وإسرائيل في المدينة المنورة ويهزمهم ثم يخوض معركته الثانية في العراق فيهزم عملاء أمريكا وإسرائيل ثم يتوجه الى بلاد الشام وهاك يخوض معركة كبير وفاصلة مع عملاء أمريكا وإسرائيل وينتصر فيها ويدخل القدس ويطرد اليهود من فلسطين، ثم يتحرك بجيوشه نحو دول الغرب فيفتحها وينشر الإسلام فيها ويصبح الإسلام هو الدين الظاهر على كافة الأديان الأخرى. (علي الكوراني العاملي: 2006م، 21-22).

 لقد اعجب حسين بدر الدين الحوثي بمنهج الخميني الثوري، بل احبه حبا جم، وتأثر به تأثيرا بالغا الى حد انه اصبح حديثه اليومي ومادته المفضلة، التي حشد كل طاقته لنشرها بين طلابه ومريديه وأصدقائه واقاربه في صعدة وما حولها، وجعل من منهج الخميني منهجا تحريضا كما فعل الخميني في محاضراته لطلاب الحوزات العلمية الشيعية ولجماهير الشيعة في ايران، الا ان الفارق هو ان حسين بدر الدين الحوثي لم ينقل معنى ولاية الفقيه الى المذهب الزيدي الجارودي الذي يدين به، بنفس الوضوح والطريقة التي تحدث بها الخميني مع طلاب العلوم الدينية في الحوزات الشيعية، وهذا لا يعني ان حسين الحوثي لم يشير الى ولاية الفقيه في محاضراته، بل انه فعل ذلك ولكن بطريقة اقل وضوحا من الخميني، لان الحوثي كان يخشى من الجهر والوضوح بخصوص ولاية الفقيه، ربما لأنه توقع مسبقا ان تلاقي هذه الفكرة بعض المعارضة او الرفض ممن حوله من عموم الشيعة الزيدية الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه. (مجموعة باحثين: 2008م، 88).

من هنا بدأ الحوثي يهاجم بعض الأحاديث الموجودة في كتب السنة التي تحض على اطاعة الرئيس وان كان ظالما تجنبا للفتنة، وكان يتقمص دور الخميني وهو يتحرك ضد الشاه ملك إيران، اذ كان الحوثي يحرض على الرئيس ويعتبره عميلا لأمريكا وإسرائيل فهو يقول " عندما تنزل محاضرة من وزارة الثقافة، تثقف الناس حول طاعة الرئيس، تتضمن كل الأحاديث التي لا يقبلها حتى الأمريكيين، ولا يقبلها حتى الاوربيين، بوجوب طاعة الرئيس وان كان ظالما وان كان غشوما، وان كان لا يهتدي بهدي ولا يستن بسنة، وان اخذ أموال الناس، وان استبد بخيرات البلاد له ولأسرته. يجب ان تسمع وتطيع وتصبر وتسأل الله مالك وأد ما عليك، اد زكاتك واد ضريبتك ". (مجموعة باحثين: 2008م، 88-89).

 ويستمر الحوثي في التحريض على الرئيس اليمني والحكام العرب قاطبة والسنة منهم خاصة اذ يقول " هذا شيء مما يعد حربا للقرآن، وتمهيدا لأن يسيطر علينا عملاء أمريكا، وتمهيدا لأن يحكمنا حتى اليهود أنفسهم، بل ان تلك الملزمة الصادرة من وزارة الثقافة لم تكتف بمسألة ان تسمع وتطيع للحاكم الظالم، بل وحتى وان كان هناك كفر، فانت يمكن ان تعيش في ظله، عندما ترى نفسك ويرى الناس أنفسهم انهم لا يستطيعون ان يزيلوا هذا الكفر، إذا فليعيشوا وبس، فيكذبون على الناس كذبة رهيبة جدا ". (حسين بدر الدين الحوثي: 8/4/2002م، 17-18). ويمتدح الحوثي قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الامام الخميني ويصفه بأنه ابن علي بن ابي طالب فيقول " في الحج يوم بدأ المسلمون يهتفون بالبراءة من المشركين، يوم ان بدأوا يعملون على ان يعود الحج الى اصالته الإسلامية، يوم ان تحرك ابن علي عليه السلام – الامام الخميني – رضوان الله عليه – ليعيد الحج الى اصالته عزف أولئك الذين لا يريدون للعرب ان يتحركوا قيد انملة لإداء الواجب الملقى على عواتقهم، صدر المنع وحدث ما حدث للحيلولة دون ان يتردد ذلك الشعار ". (حسين بدر الدين الحوثي: 8/3/2002م، 6).

 

ويرى الحوثي ان الخميني كان حريصا على تخليص العرب مما هم فيه من المهانة فيقول " كان الامام الخميني – رحمه الله – يحرص جدا على ان يحرر العرب ويحرر المسلمين من هيمنة أمريكا ودول الغرب، ويتجه للقضاء على إسرائيل، لكن الجميع وقفوا في وجهه ... الامام الخميني كان اماما تقيا، والامام العادل لا ترد دعوته كما ورد في الحديث " (حسين بدر الدين الحوثي: 3/2/2002م، 3). ويثمن الحوثي للخميني تسميته أمريكا انها الشيطان الأكبر وأنها هي وراء كل شر يحدث في هذا العالم. (حسين بدر الدين الحوثي: 3/2/2002م، 2).

من المسلم به ان الحوثي بعد هذا الاعجاب الكبير بشخصية الخميني قد تبنى النهج الخميني الثوري الذي طرحه في (ولاية الفقيه) محرضا اتباعه على النهوض والتحرك ضد الظلم، فها هو يقول " الميدان هو ميدان صراع متكامل يجاهدون بالكلمة، ويجاهدون بالمال، يجاهدون بالقلم، يجاهدون بالسيف، يجاهدون بمختلف أنواع الأسلحة التي يمكن ان يحصلوا عليها، يجاهدون جهاد بناء للائمة، وجهادا يهدم أعداء الله في سبيل الله، لانهم يحبون الله والله يحبهم، فهم يبتغون بجهادهم رضاه، وما اعظم ان ينطلق الانسان في سبيل الله، وما اعظم أمة تنطلق للجهاد في سبيل الله حيث ستكون فيما بينها اقرب الى ان يتحقق على يديها النصر، أي انهم ليسوا من أولئك الذين ينطلقون اذا كان هذا او ذاك سيعطيهم بنادق، وفلوس واشياء من هذا. الم يكونوا أيام الثورة يوم ملكي ويوم جمهوري، يسير لبندق من عند الملكية، ويقول ملكي، ويذهب في اليوم الثاني الى الجمهورية على أساس انه جمهوري وصرفوا له بندق ومال، فهم متعيشون، ويسمونهم مرتزقة، مرة هنا وأخرى هناك. اما هؤلاء فهم يهمهم ان يجاهدوا في سبيل الله، وعندما ينطلقون في الجهاد في سبيل الله ينطلقون بأموالهم وأنفسهم، ولا يخافون لومة لائم، أي لومة كانت، واي لائم كان، ولأنهم قد أصبحوا على درجة انهم لا يخافون ممن يمكن ان يحذرهم من القتل، لأنهم مجاهدون، ولا يخافون مثلا من يهددهم بالقتل، او من قد يقول قد تتعرضون للقتل واشياء من هذا، لأنهم مجاهدون في سبيل الله يبحثون عن الشهادة". (مجموعة باحثين: 2008م، 92).

 

وينتقل الحوثي من العام الى التحريض الخاص، الذي يوجهه ضد من يعدهم خصومه وخصوم الإسلام، ففي محاضرته الصرخة في وجه المستكبرين قال " عندما نتحدث عن هذه القضية، وعن ضرورة ان يكون لنا موقف، هل نحس بخوف في أعماق نفوسنا؟ وخوف ممن؟ بالطبع قد يكون الكثير يحسون بخوف أن نجتمع لنتحدث عن أمريكا وعن إسرائيل وعن اليهود وعن النصارى. ولكن ممن نخاف؟ هل أحد منكم يخاف من أمريكا؟ لا، هل منكم أحد يخاف من إسرائيل؟ لا. ممن تشعر بأنك تخاف؟ من هو الذي تشعر بأنك تخاف منه؟ عندما تتحدث عن أمريكا، عندما تتحدث عن إسرائيل، عندما تلعن اليهود والنصارى، إذا شعرنا في أعماق أنفسنا اننا نخاف الحكومة فإننا نشهد في أعماق أنفسنا على ان هؤلاء هم ماذا؟ هم أولياء اليهود والنصارى... ان اعمال النفوس هي مكمن الحقائق، ففي اعمال النفوس تكون بذور الشخص وهناك تكون بذور الحرية. هناك بذور الصرخات التي تسمعونها في وجوه اوليائكم وفي وجوهكم ". (مجموعة باحثين: 2008م، 93).

نجد هنا ان الحوثي يحرض اتباعه على التحرك ضد الحكومة كونها حكومة عميلة لأمريكا وإسرائيل، توالي أمريكا وتوالي إسرائيل وتعادي الإسلام، وهذا الأسلوب التحريضي يتطابق مع أسلوب الخميني الذي حرض الإيرانيين على الثورة ضد الشاه كونه عميل لأمريكا وإسرائيل وعدو للإسلام، وهذا الانبهار بالخميني الثائر، وهذا التقليد لأفكاره يمثل استيرادا يمنيا او تصديرا إيرانيا للثورة الخمينية. وهذا الاتقان بين الإيرانيين والحوثيين يمثل لقاء على اهداف متطابقة أيديولوجيا في مسارها الحالي والنهائي. (مجموعة باحثين: 2008م، 93). فإيران تمثل مرجعية امامية تسير في مخطط واضح المعالم مرسوم الخطة، فهي تعمل من اجل السيطرة على الحكم في البلاد الإسلامية انطلاقا من فكرة ولاية الفقيه التي يجب ان تشمل جميع المسلمين، حيث تكون الولاية هنا لأهل البيت وهم أقارب النبي محمد من ذرية علي بن ابي طالب، ويبدو ان واجب الحوثيين او مهمة الحوثيين في هذا المخطط هو الاستيلاء على اليمن والجزيرة العربية وخاصة مكة والمدينة حيث الديار المقدسة لعموم المسلمين والذي ترى ايران والحوثيين انهما أولى بإدارة هذه الأماكن والسيطرة عليها بدلا من ال اسرة ال سعود، الذين هم في نظر الحوثيين والإيرانيين عملاء أمريكا وإسرائيل.

باحث وكاتب

[email protected]