الامامة السلالية عند الحركة الحوثية
قبل 2 سنة, 7 شهر

الحركة الحوثية كغيرها من الحركات الشيعية عبر التاريخ، تعتقد بنظرية الحق الإلهي لأهل البيت في امامة المسلمين ورئاستهم وقيادتهم في مختلف النواحي السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والتربوية، واهل البيت هم النبي محمد وفاطمة بنت محمد وزوجها علي بن ابي طالب وابنيهما الحسن والحسين، وهذا الحق الإلهي محصور عند عموم الشيعة بذرية الحسن والحسين كما هو عند الزيدية وفي ذرية الحسين فقط كما هو الحال عند الاثني عشرية، وبصرف النظر عن الفروقات الفرعية بين الجماعات الشيعية، فهي جميعها تتفق على حصر الامامة والولاية في علي بن ابي طالب وذريته من فاطمة بنت النبي محمد دون غيرهم من سائر المسلمين، فالإمامة عند الحوثيين حق واصطفاء الهي لأهل البيت، ونلحظ هذه العقيدة من خلال اقوال مؤسس الحركة الحوثية حسين بدر الدين الحوثي، فهو يركز في محاضراته على احقية الامام علي بن ابي طالب وذريته من فاطمة في تولي أمور المسلمين على أساس سلالي . (نايف بن سعيد الدوسري: 2011م، 37).

وبناء على اطروحات حسين بدر الدين الحوثي لا بد ان تكون امامة اليمنيين ورئاستهم وقيادتهم وتولي امورهم وشؤونهم من حق العوائل التي تزعم انتمائها الى اهل البيت والتي تتلقب بلقب السيد او الشريف او غيرها من الألقاب العنصرية الاستعلائية التي ما انزل الله بها من سلطان، فها هو حسين بدر الدين الحوثي يبني نظرته على ان اهل البيت هم الاطهار وان غيرهم من سائر المسلمين ملطخون بالعار حيث يقول " الم نقول في مقام اخر ان الفخر لنا ان قدوتنا من اهل البيت ليسوا من أولئك الملطخين بعار المخالفة لرسول الله لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، الملطخين بالأخطاء والمساوئ والمواقف السيئة ". (نايف بن سعيد الدوسري: 2011م، 37).

ان قضية الإمامة في فكر حسين بد الدين الحوثي تندرج في سياق حرصه على إثبات مشروعية حركته في الانقضاض على الحكومة في اليمن واجتثاثها «لإعادة الحق إلى نصابه والسيف إلى جرابه»، ذلك الحق الذي كان لذرية علي في اليمن لفترات تاريخية تمتد إلى أكثر من ألف عام في تاريخ اليمن الإسلامي، اذ يقول لأتباعه " إن الإمام علي وان كان قد مات منذ 1400 سنة فإن واقعنا مرتبط به ومازال الحال مرتبطاً بولايته. وإذا كان يقدم لكم في الساحة أطراف أخرى لتتولوها بدلاً عن علي، فالإشكالية لا تزال قائمة والحل مازال ضائعاً. ونحن الشيعة من يجب أن نعي ونفهم قبل غيرنا ويجب ألا نسمح لقلوبنا أن يدخل إليها ذرة من ولاء للذين هدموا صرح هذه الأمة ". (هدى المالكي: 2010م، 13).

وفي الوثيقة الفكرية والثقافية التي حررها الحوثيين بتاريخ 10/02/2012م، جاء فيها ما يؤكد احقية الامامة والرئاسة في ذرية علي بن ابي طالب من الحسن والحسين وحصرها في هذه العائلة على أساس سلالي، وقد نصت الوثيقة على " أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أخوه ووصيه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم الأئمة من أولادهما كالإمام زيد والإمام القاسم بن إبراهيم والإمام الهادي والإمام القاسم العياني والإمام القاسم بن محمد ومن نهج نهجهم من الأئمة الهادين. وأن نهج الهداية والنجاة والأمان من الضلال هو التمسك بالثقلين، كتاب الله مصدر الهداية والنور، والثقل الأصغر عترة رسول الله وهداة الأمة وقرناء الكتاب إلى يوم التناد (إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهم حجج الله في أرضه. وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الظالمين والوقوف في وجه المستكبرين هو من أعظم الواجبات الدينية المفروضة على الناس أجمعين وأن الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله –حسب ما شرعه الله-وعلى رأسهم أئمة الكفر المتمثلين في زماننا هذا في أمريكا وإسرائيل ومن أعانهم ووالاهم ووقف في صفهم في عداوتهم للإسلام والمسلمين " (عبد الملك بدر الدين الحوثي: 24/03/2012م).

نلاحظ من خلال ما ورد في هذه الوثيقة ان الحركة الحوثية تتبنى منهج الامامة السلالية صراحة وبشكل معلن ورسمي، وهذا يعني ان الحركة الحوثية تعلن صراحة الانقلاب على النظام الجمهوري في اليمن، وعلى الدستور اليمني، وعلى التجربة الديمقراطية الفتية في اليمن، والتي تتيح لكل افراد الشعب اليمني بمختلف شرائحه الاجتماعية ودون تمييز المنافسة على منصب رئيس الجمهورية وتمكن الأحزاب السياسية من الوصول الى الحكم عبر الانتخابات الشعبية الحرة المباشرة، وهذه الوثيقة تعكس بجلاء الموقف الموحد بخصوص الالتزام بالإمامة من الحوثيين والزيديين، وهي تدل على تقارب كبير بينهما في الأفكار والرؤى الأساسية، حيث وقع هذه الوثيقة التي كتبها عبد الملك بدر الدين الحوثي مجموعة من فقهاء المذهب الزيدي، وهم حسين يحيى الحوثي، عبد الرحمن شايم، حسين مجد الدين المؤيدي، علي علي مسعود الرابضي، محمد محمد المنصور، حمود بن عباس المؤيدي، وعبد الملك بدر الدين الحوثي كاتبا وموقعا. وتعتبر هذه الوثيقة رسالة واضحة الى الأطراف السياسية اليمنية الأخرى، مفادها وحدة الصف الشيعي في مواجهة اعدائهم التاريخيين السنة والقبائل اليمنية التي ترفض الحكم الامامي.

ويبدو ان فكرة الامامة متجذرة ومتأصلة في ثقافة العائلة الحوثية، اذ يذكر الدكتور قاسم سلام الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي القومي، ان بدر الدين الحوثي ادعى الامامة في زمن مبكر ابان عهد الامام يحي بن حميد الدين، لكن الامام يحيى اعتقله ووضعه في السجن حتى توقف عن ذلك الادعاء، وبعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م، ادعى بدر الدين الحوثي الامامة من جديد وشن حربا شعواء على الجمهورية في محافظة صعدة، لكن الجمهورية انتصرت على النظام الامامي واتباعه آنذاك، الامر الذي اجبر الحوثي على التخلي عن فكرة الامامة في تلك المرحلة. (قاسم سلام: 2011م). لكن تلك الاحداث كشفت بوضوح نزوع هذه العائلة الى امامة اليمنيين على الطريقة الشيعية بقوة السلاح وانتهاج العنف كطريقة مثلى لتحقيق الطموحات السياسية للعائلة الحوثية، التي تفاعلت مع فكرة الامامة وواكبت تطوراتها الحديثة التي تمثلت بنظرية ولاية الفقيه التي بلورها الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية.

وفي خطابات عبد الملك بدر الدين الحوثي القائد الحالي للحركة، نجد ملامح الامامة و الولاية ساطعة كالشمس في كبد السماء، حيث ان الولاية تعني الامامة والامامة تعني الولاية، فالكلمتان مرادفتان لبعضهما البعض، وتؤديان في النهاية الى معنى واحد هو الحق الإلهي للعائلة الحوثية بإمامة اليمنيين ورئاستهم وقيادتهم وتوجيههم في مختلف شؤون الحياة، لذا نجد خطابات عبد الملك الحوثي مليئة بعبارات التأكيد على الامامة باعتبارها مبدأ إلهي ومن هذه العبارات قوله " إن مبدأ الولاية هو مبدأٌ من أهم المبادئ في الإسلام، والنص القرآني الذي تضمن هذا المبدأ، وقدم له المفهوم الواضح والبيّن - قدّمه بما يدلل على أهميته القصوى.  الإمام علي (عليه السلام) قُدّم في نص "الغدير" وفي كثير من النصوص -قُدّم لهذه الأمة كتلميذ للرسول يجسّد في واقعه الحياتي، والعملي، والأخلاقي، والقيمي، والمعرفي النموذج الأكمل والأرقى، وحلقة الوصل الآمن والأوثق، والرابط العظيم الذي ترتبط به الأمة إلى نبيها (صلوات الله عليه وعلى آله) في "مدرسة الإسلام الكبرى والعظيمة " مدرسة الإسلام في منهجها، وفي رموزها، وفي مقدساتها، وفي قيمها، وفي أخلاقها. الإمام علي (عليه السلام) في نصوص كثيرة يقدمه الرسول لهذه الأمة بما هو عليه من مؤهلات إيمانية عالية -باعتباره هو الأكمل إيماناً والأرقى، والذي يمكن أن يقوم بهذا الدور المهم في أوساط الأمة بعد رحيل الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) رجلاً عظيماً في مستوى المسؤولية الكبيرة. فعليٌ جسّد الكمال الإيماني في أمة محمد على كل المستويات، على مستوى المبادئ، والأخلاق، والقيم، والعلم، والمعرفة، على مستوى المؤهلات اللازمة لطبيعة المسئولية الكبيرة ". (عبد الملك بدر الدين الحوثي: 13/10/2013م).

نلاحظ ان عبد الملك الحوثي تحدث عن امامة علي بن ابي طالب كركيزة أساسية لصلاح امة الإسلام واستقامتها وهدايتها بل والسير في الطريق المستقيم، وبخلاف ذلك يجزم الحوثي بضلال هذه الامة وانحرافها عن النهج الصحيح والطريق المستقيم، وهي عقيدة مفادها ان على المسلمين ان أرادوا الارتباط بالله والنبي محمد، ان يختاروا الحكام والقادة من سلالة علي المؤهلة لقيادة الامة، أي اختيار الحوثيين في اليمن قادة وحكام وأئمة كونهم من أبناء علي بن ابي طالب وقد تهيؤوا لهذا الدور وهذه المهمة وما على اليمنيين الا التسليم للحوثي والسمع والطاعة، لأن الحوثي يعتبر هذا حق الهي ومبدأ إسلامي من اهم المبادئ التي نص عليها القران والنبي محمد حسب زعم الحوثي في خطابه.

ان الامامة والولاية التي يراها الحوثي واجبة على الناس له هي تحكم وسيطرة مطلقة، تتناقض تماما مع مبادئ العدالة والحرية وحقوق الانسان والمواطنة المتساوية، كما انها تتناقض مع الدستور اليمني ونظام الحكم في اليمن ومع القوانين والأنظمة النافذة، وتتناقض مع الخيارات الديمقراطية والتعددية السياسية والانتخابات والشراكة الوطنية لمختلف القوى السياسية اليمنية، وهذا يعني ان الحوثيين مهما تاجروا بقضايا العدالة والحرية والدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الانسان فانهم ما يلبثوا ان ينقبلوا على هذه الشعارات ويمارسوا الديكتاتورية والشمولية والظلم والاستبداد بدعاوي الحق الإلهي والولاية والوصيا والامامة وغيرها من الأوهام اللاهوتية، التي تجاوزها العقل البشري منذ مئات السنين.

وبناء على ما ورد انفا نستطيع القول ان العائلة الحوثية عائلة امامية بامتياز وان اخفى الحوثيين هذه العقيدة لاعتبارات سياسية مرحلية لا اقل ولا اكثر، فالواضح ان بدر الدين الحوثي هو الامام الأول في هذه العائلة، وان الامام الثاني هو حسين بدر الدين الحوثي، الذي أسس حركة الحوثيين، وقد قتل في حرب التمرد الأولى ضد الحكومة عام 2004م، والامام الثالث هو عبد الملك بدر الدين الحوثي القائد الحالي للحوثيين، وهؤلاء الأئمة وفقا للعقيدة الحوثية يتمتعون بصلاحيات واسعة ولهم من الصلاحيات والاختصاصات ما للإمام المعصوم وما للنبي محمد غير انهم لا يعدون معصومين حسب رأي الخميني في صياغته لنظرية ولاية الفقيه، التي يسير الحوثيين على أساسها في مفهومهم للإمامة، وذلك باعتبارهم نواب للإمام الغائب محمد بن الحسن الملقب بالمهدي المنتظر.

باحث وكاتب

albahesh2[email protected]

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet