تحديات متجددة: «داعش» من بروكسل إلى اليمن
قبل 2 سنة, 5 شهر

لا تزال ردود الفعل تجاه تفجير بروكسل معنية بقراءة الحدث خارج سياقه الأوروبي على طريقة ترحيل الأزمات إلى الشرق الأوسط البائس٬ باعتباره مصدر الراديكالية والتطرف٬ لكن الحقيقة المحضة تؤكد أن تجربة صلاح عبد السلام كانت محلية بامتياز ودون تماس خارج الحدود٬ عدا تبني تنظيم داعش العمليات٬ واحتفاء صلاح ورفاقه باعتبارهم رواد «داعش» في أوروبا التي يتدفق منها كوادر إرهابية بشكل دوري تتجاوز في أقل التقارير تقديًرا خمسة آلاف مقاتل خرجوا من تجربة الاندماج الواعي في المجتمعات الأوروبية التي لا تتحقق فيها ذواتهم٬ فليجأون إلى هوية بديلة مثل التي يمنحها تنظيم داعش محولاً  إياهم إلى أبطال.

آيديولوجية «داعش» الآن تغزو كل أنحاء أوروبا٬ وبشعبية تتجاوز شعبيتها في البلدان الإسلامية٬ إذا ما أخذنا التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي مؤشًرا على ذلك٬ وهو ما يعني توجه التنظيم إلى بناء ولايات جديدة في دول غربية٬ بعد أن أفلح في خلق موطئ قدم له في قارة أفريقيا في نيجيريا وسيناء

وليبيا وإسطنبول٬ بعد أن كّون ما يشبه الكيان في كل من العراق وسوريا٬ والتنظيم يدرك أن أكثر مناطق الضعف التي يمكن أن ينفذ من خلالها هو مجتمعات الأقليات المسلمة في الغرب بحكم عدة عوامل٬ أهمها غياب المرجعيات الدينية الفاعلة٬ وضعف الفضاء الديني العام من حيث الخطاب والأدوات٬ بسبب أزمة الإسلاموفوبيا والهوة الكبيرة بين الحكومات الغربية والفاعلين في تلك المجتمعات الإسلامية التي تعيش «خارج المكان»٬ وتعاني من أزمات هوية عميقة جًدا.

إن الحقيقة التي بدأ يعيها المجتمع الأوروبي هي أن ثمة كتلة بشرية هائلة داخل حدوده تعاني من أزمة الهوية٬ حيث يوجد شباب مولودون في تلك البلدان الأوروبية قد تلقوا تعليمهم في مدارسها٬ ومارسوا حياتهم وفق سياقها المفاهيمي والقيمي٬ لكنهم في أوقات الأزمات وغياب البرامج البديلة لإدماجهم في المجتمع يتجهون مباشرة إلى آيديولوجيات التطرف باعتبارها الحاضنة الأكثر تمكيًنا لتسرب الأفكار المتطرفة بحكم وضعية الأقليات التي تعيش داخل «كانتونات» مغلقة مثل حي مولينبيك الذي يعد بؤرة تطرف مهملة في قلب بلجيكا عانى من الإهمال فترة طويلة على عكس البلدان الأوروبية التي تكافح في إيجاد برامج مبتكرة على مستوى إدماج الأقليات ومنها الدنمارك وهولندا.

الإحصاءات كلها تؤكد أن إمكانية نجاح «داعش» في استقطاب أنصار له في المجتمعات العربية والإسلامية باتت أقل مقارنة بحجم الاستقطاب في المجتمعات الأوروبية التي تعاني فراغا كبيرا في الفضاء الديني العام٬ وأيًضا فيما يخص برامج إدماج المهاجرين.

«جغرافيا الإرهاب» سياق مهم جًدا في فهم علاقة التطرف المسلح بأوضاع بلد ما٬ أو بمعنى آخر لماذا ينتشر التطرف في بلد دون آخر٬ رغم الظروف المتشابهة الأخرى اقتصاديا أو تركيبة اجتماعية أو تحديات سياسية؟ والحال أن فكرة الانخراط في مجموعات متطرفة تزداد قبولاً في المناطق التي تخلو من برامج حماية فكرية وتربوية. فغياب برامج من هذا النوع تترجم عادة إلى مواقف حدية منفعلة تنتظر لحظة الغليان التي يغيب معها أي حديث عن المنطق والعقل٬ لا سيما إذا صادف ذلك أجواء سياسية عصيبة مثل التي تمر بها المنطقة.

الخطورة التي يدركها الأوروبيون الآن عقب هجمات بروكسل أن معظم المتورطين في العمليات الإرهابية لا يملكون «بروفايل» واضًحا أو انتماءات هرمية للتنظيم الإرهابي٬ وهو ما يفتح ملف الخلايا النائمة غير المرتبطة تنظيمًيا بـ«داعش»٬ وبالتالي فإن تراجع التنظيم في مناطقه الأصلية بالعراق والشام٬ كما هي الحال الآن لا يعني توقف هذه الخلايا عن محاولة إعادة البريق لتنظيم داعش٬ باعتباره الحاضنة المعولمة الأولى الآن٬ ولا يمكن التوقف عند هزيمة

التنظيم في تدمر التي يحفها كثير من الغموض٬ باعتباره بداية النهاية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن التنظيم كان أقرب للانسحاب منها منه إلى الهزيمة٬ فيما يشبه التوافق الاستراتيجي بينه وبين أهداف نظام بشار الأسد التي تتكرر في كل حادثة.

اليوم تتم معالجة مشكلة الإرهاب الأوروبي بطريقة منقوصة عبر التركيز على أزمة المهاجرين الذين يعتقد أن نسبة غير قليلة منهم تضم عناصر «داعشية» متسللة من شأنها إنعاش الخلايا الداعشية في أوروبا٬ وبالتالي يتم ظلم باقي المهاجرين الفارين بحياتهم من نظام الأسد الذي لا يزال على قيد الحياة بفعل المخاوف الغربية من أي تحرك تجاهه من شأنه إنعاش الإرهاب المتجذر في الحالة السورية بأكثر من صيغة حتى بات من الصعب جًدا تصور نموذج توافقي سياسي يستبعد الكتل المحسوبة على المعارضة المسلحة.

التنظيم يخسر حتى الآن أكثر من 25 في المائة من المناطق التي كانت تابعة له في العراق وسوريا٬ إلا أن هذا الانكماش في مناطق التوتر التي يستوطنها التنظيم لا يعني انحساره في مناطق أخرى يفتتح ولايات جديدة له٬ كما هي الحال في ليبيا المآل الافتراضي لـ«داعش» في حال تشديد الحصار عليه في سوريا٬ وكما هي الحال في تفوق «داعش» على «القاعدة» في جنوب اليمن٬ واستغلاله حالة التمّرد الحوثي الذي كانت من كوارثه الكثيرة بعث تنظيمات الإرهاب في اليمن وإنعاشها.

[email protected]

الشرق الاوسط

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet