العاصمة/الدولة: صالح على خطى الأسد!
قبل 2 سنة, 3 شهر

تبدو الورقة الأخيرة لتحالف الحوثيين ونظام المخلوع هي محاولة الاستفادة من خرائب نظام الأسد للمنطقة التي تحولت إلى أنموذج (prototype (لتدمير مفهوم الدولة ومقدراتها٬ واختزالها في العاصمة بمركزية تتجاهل وطًنا ممتًدا بحدود وأقاليم وتنوع جهوي وعرقي وثقافي من المفترض أنه يسع الجميع.

اختزال الدولة في العاصمة مشروع بدأته تجربة البعث التي يمثل نظام المخلوع نسخة مشوهة منها مبكًرا منذ السبعينات٬ حيث كان حضور الجيش قوًيا في منطقة دمشق وقام النظام آنذاك ببناء قواعد عسكرية بشعار «حماية الجولان» من الاعتداء الصهيوني كما كان يقال٬ إلا أن الهدف الأهم بحسب فابريس بالونش مدير الأبحاث في جامعة ليون الذي كتب ورقة مهمة عن «السيطرة على العواصم»٬ أن الرئيس الراحل حافظ الأسد شّيد تلك المركزية ليصبح من يستولي على دمشق يسيطر على كامل التراب السوري٬ وهو ما يفسر ما حدث لاحًقا بعد ذلك بحسب الورقة في انقلاب عسكري في نوفمبر (تشرين الثاني) عام ٬1970 وهو تمركز عشرات الآلاف من القّوات٬ بالإضافة إلى مسؤولين علويين وعائلاتهم٬ في المدينة.

ومع تركيز القوى الدولية والعالم بمناطق التوتر في سوريا والعراق٬ فإن الوضع اليمني كان سيكون كارثًيا لولا «عاصفة الحزم» التي استنفدت صبرها على منطق الميليشيا ونظام المخلوع بعد الانقلاب على الانقلاب وتشكيل مجلس لإدارة البلاد٬ في خطوة تكرس «البلطجة السياسية» على مرأى ومسمع من الجميع٬ والأغرب أن تخرج بعض الأصوات لتحاول تشريع هذه الخطوة المتهورة على أنها «دستورية»٬ وهو ما يعكس أي منحدر مفاهيمي وأخلاقي وصلت إليه المنطقة التي ما عادت تستطيع التفكير بعقلانية وهي تستطبن ستة نزاعات كبيرة في اليمن سوريا والعراق وعلى الحدود التركية/حزب العمال وصولاً إلى ليبيا عدا جبهات قد تكون على وشك الانفجار بفعل الإهمال والاستغلال كل بحسبه من قبل الدول الكبرى والمؤسسات الدولية٬ التي باتت تنشغل بتبعيض ملف الإرهاب أو بحسب عبارة البرغوثي في رواية الضوء الأزرق «كل يحارب أشباحه الخاصة»٬ فالولايات المتحدة لا تزال تطارد قيادات «القاعدة» رغم الانشقاقات الكبيرة التي يعيشها التنظيم متجاهلة تعاظم حضور «داعش» في جنوب اليمن وما تفعله الميليشيات الشيعية «الحشد الشعبي» في العراق الذي تركته يغرق في فوضاه.

ورغم تذمر الكثير من الأصوات من السياقات المعقدة للأزمة في اليمن وتأجل الحسم٬ فإن عدم فهم مسببات ذلك هو الذي جّرنا إلى سماع الأصوات النشاز٬ فما يحدث اليوم في اليمن هو تحمل دول الخليج بشكل كامل لتبعات عقود من اختطاف الدولة في اليمن لصالح نظام المخلوع ولعبه بالمكونات الأساسية في البلد: القبيلة/الإسلام السياسي بشقيه/الأحزاب المترهلة٬ ويضاف إلى ذلك اليوم الدعم المباشر من إيران٬ بينما تقوم «عاصفة الحزم» والتحالف بخوض الحرب بمفردها ودون أي دعم أميركي أو غربي وفي ظل تحّيز من مؤسسات حقوقية تصغي السمع لأكاذيب الحوثيين والمخلوع دون أن تلتفت إلى حجم الدمار الذي لحق بباقي اليمن إذا ما استثنينا مناطق النزاع حول العاصمة٬ فالبلد يعيش على حافة الانهيار الكامل وتحاول دول الخليج عمل موازنة بين الإجراءات العسكرية والإنسانية والإغاثية (ربما تفتقد إلى الكثير من الرصد الإعلامي على عكس بروباغندا الحوثيين).

رسالة الحزم اليوم أبعد من حرب لا يريدها الجميع٬ إنها مسألة باتت وجودية٬ وهذا ما لم تِعه القوى الغربية بشكل جيد بسبب غموض الحالة اليمنية الشديد٬ حيث الشكلانية الديمقراطية التي تخفي تحتها ركاًما من التعقيد القبلي والمناطقي وعقودا من الاستقطاب ومخلفات الانفصال وطبيعة الشعب اليمني غير المكترثة بالسياسة في ظل صعوبة الحالة المعيشية وإفقار البلد ذي المقدرات الضخمة من كل شيء على مدى عقود.

طول الأزمة مزعج للجميع٬ لكن فهم هذا التأجيل للحسم يعود لأسباب إنسانية٬ فاستهداف العاصمة لم يكن مطروًحا من البداية لأنها ليست حرًبا تدميرية بقدر أنها انتصار لإرادة الشعب اليمني وللحفاظ على ترابه بأقل قدر من الخسائر ومحاولة إعادة الأمل إليه باعتباره جزًءا بنيوًيا من الخليج على مستوى الجيوسياسية والتداخل الثقافي والاجتماعي الذي يعرفه الجميع.

الإشكالية اليوم هي أن التلكؤ وتعطيل المفاوضات كل مرة هدفه إطالة الأزمة وإظهار الفشل العسكري ومحاولة استقطاب أكبر قدر من الأنصار داخل صنعاء وتجييشهم عبر الشارع وكل الأدوات الشعبوية التي تعمل عملها في بلد يعيش حالة اللادولة إلا أن مقدراته وطبيعة العلاقات بين مكوناته تخفف من انهيار وشيك٬ كما أن تأخير الوقت سيساهم في تمدد الجماعات المتطرفة وعلى رأسها «داعش» التي يبدو أنها ستحاول فتح جبهات في الجنوب في محاولة لتشتيت جهود «عاصفة الحزم» كما هو الحال في «داعش» سوريا مع النظام٬ ومع ذلك تتصدى عاصفة الحزم لتلك المحاولات للتمدد عبر ضرباتها لفلول «القاعدة».

يجب اليوم للعقلاء أن يدركوا أن أهداف الحرب تصحيحية٬ وقد حققت أهداًفا يعرفها اليمنيون جيًدا؛ تحرير عدن٬ وتعز٬ وعزل صنعاء دون استهدافها٬ وتليها أهداف لا تقل عنها أهمية تتمثل في الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون التي تعد شريان الحياة لهم.

«عاصفة الحزم» لم تعد خياًرا.. هذا ما يجب أن يفهم بشكل واضح٬ وهي تحاول جاهدة إذا ما قرأنا تحركاتها عسكرًيا٬ وهو الأمر الذي تؤكده تقارير غربية٬ إنها تعمل

بجهد ودأب على تقليل الخسائر قدر المستطاع لكي لا تطال المدنيين والأبرياء (بحسب تقرير «باري ماتش»)٬ والمزاعم حول استهداف المستشفيات أو المدنيين من قبل

قوات التحالف «ليست أكثر من هلوسات»٬ في حين يصّر أتباع الحوثي على تجنيد الأطفال وملاحقة المعارضين وخطفهم٬ وهو الفرق بين منطق الميليشيا وبين منطق

الدولة.

[email protected]

كاتب سعودي

"الشرق الاوسط"

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet