يا ويلكم من الهرة!
قبل 2 سنة, 2 شهر

يقول المثل المصري "يا بخت من بات مظلوم و لا بات ظالم." بمعنى : ان تضع رأسك على مخدتك لتنام و انت مظلوم خير من ان تضع رأسك على مخدتك فلا يقاربك النوم ، و يتسلط عليك الأرق فيصبح ليلك عذاب لأنك ظالم. مع التسليم انه لا يهنأ الانسان نومه في الحالتين. فلا من ينام مظلوم ينام نوم هنيء ولذيذ و لا من ينام ظالما ينام نومايسير، مريح. أجمل الأوضاع على الاطلاق هو من ينام ، لا في سجله انه اذنب في حق أحد و لا ان احدا اذنب في حقه. ذلك حتما اجمل ، اروع و اعظم الأوضاع. الظلم كالقيد حول المعصمين، و كالأغلال حول القدمين و كالسلاسل تلتف حول الجسم كأنه أفعى. الظلم لا يستطيع ان يتحمله السويين من البشر لأن الله خلق الانسان جميل، خَير و ودود. الظلم فعلمخيف. ربما يكون الظالم قوي، متحكم ، جبار ،مهاب لكنه حتما لا حر و لا محبوب و لا حتى سعيد. مسكين الظالم في الماضي ايام العبودية، لأنه السيد لكنه التعس المعذب بظلمه بينما يطرب و يرقص من هم عنده العبيد.

نحن الشعب اليمني في الداخل نحاول قدر استطاعتنا ان نعيش حياة اقرب ما تكون للحياة الطبيعية. نستدرج حطام حياتنا المجبسة لكي تكون طبيعية. فإن كانت كسورها عصية دفعناها للحياة الطبيعية دفعا ، رفسا، ركلا ، جرا، نطحا لكي تقترب من الحياة الطبيعية. نحن نكافح في هذه الحياة حتى نظل اسوياء برغم الطائرات الحربية فوق رؤوسنا ، برغم الفقر ، الجوع و الخوف. في ذات الوقت - لأننا اعجاز الهي – نحن نبرهن اننا اقوياء. القوة صفة تنفي أي خوف او جوع او فقر. نحن نثبت في كل لحظة اننا جديرين بالحياة ،ما دمنا نحيا وننبت و نثمر بين اطلال الحياة ، فكيف عساه يكون ربيعنا لو تجددت لنا الحياة؟  في كل لحظة نثبت اننا نستحق ان تتوقف من اجلنا الحرب. نحن نثبت ذلك كحقيقة ساطعة. ببساطة : " مش احنا الذي يقصفونا ليل نهار." " مش احنا اللي نقضي حياتنا فجايع." " مش احنا الذي نحيا ذليلين داخل بلادنا." هكذا ببساطة " مش احنا!" " مش احنا الذي يحاصرونا فوق ارضنا و يمنعوا كل يمني خارج اليمن راغب في العودة لبلاده من العودة." حذاري: كل هذا ظلم! يحاصروننا و يظهر في التلفاز إمام الحرم صباح عيد الأضحى بكل سماجة و سخافة يروي الحديث الشريف :" ُعذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار، لا هي اطعمتها و لا سقتها إذ حبستها و لا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض." الإمام يروي للمتفرجين عليه قصة المرأة التي دخلت النار لأنها سجنت واجاعت حتى قتلت هرة. حبكت يعني يا إمام الحرم تذكر هذا الحديث؟ مرة ثانية كن استشير. احرجت نفسك و احرجت ملكك الزهايمري العتيد و المتفرجين عليك احرجتهم و المستمعين في يوم العيد. تركت كل الأحاديث الشريفة و لم تذكر الا الحديث الذي يجرمكم وُيدين؟ دخلت امرأة النار بسبب هرة. هرة يا ظالمين هرة. نحن شعب دم و لحم و عقل و نفس! عند الله نحن اعظم من الف مليون تريليون هرة! يا متشدقين بالهرة. ظلوا هكذا اقصفونا وحاصرونا نحن البشر جيرانكم وتباكوا على الهرة. حسبنا الله و نعم الوكيل لكن لا بأس فنحن اقوى من الجبل و اعتى من صخره!

نحن نثبت في كل لحظة اننا شعب قوي. نحن اقوياء عندما نذهب الى وظائفنا و الصواريخ تتساقط من السماء الى الأرض. شبابنا اقوياء حين يدرسون و يذهبون الى جامعاتهم برغم الصواريخ. صغارنا اقوياء حين يرفعون ايديهم للإجابة في مدارسهم ، لا يهزهم دوي الانفجار ، و لا الدخان. اقوياء حين نقيم الأعراس. نتمم على بركة الله مراسيم الخطوبة ، حفلات التخرج و حتى حين نفرح قلوب اطفالنا بحفلة عيد ميلاد. عظيم الطفل حين ينفخ الشمعتين و تتجاهل اذنه الرطبة انفجار فوق جبل النهدين. عظيم حين يبتسم للصورة. اقوياء اطفالنا حين يلعبون في الشارع ، الحدائق و المولات برغم الهدير. عظماء و اقوياء العاملين في المطاعم و اصحاب المطاعم و زبائن المطاعم. ترى المطاعم من الفحسة و السلتة و العصيد الى البيتزا و البروست و الهامبرجر و الأكل الهندي. الكوفي شوبات؟مزدحمة بالمثقفين ، بالشعراء و بالعشاق. خلوا الهرة تنفعكم! نتسوق في اسواقنا . نشتري، نتأنق، نتجمل، نلون و نطقم الحذاء مع الشنطة. اين الحرب؟ محلات الكوافير: هنا سشوار، هنا صبغة و هنا ميشو هنا نقش من اجمل ما يكون؟ يوجد في اليمن الحرب نعم...لكنها حيث نوجد نحن لا تكون! اقصفونا لا بأس ، و ترحموا على الهرة! نحن نزور بعضنا البعض ونتجمع. نأكل كيك، نشرب شاي في عصر يوم العيد. نسمع " اضحك مع الأيام" و لأننا اعجاز الهي نصفق و نزعرد و الأكثر من ذلك ، نرقص! مش وقت ياخي عيد. في كل لحظة يأتي مواليد. يبدئون حياتهم بواء واء.... مع دوي الانفجارات في عطان و النهدين و الرئاسة ، يهتز فراش الوليد. لا بأس لنا في الغد مستقبل جديد. قصفتم وتقصفون اليمن صحيح لكن يظل قلبه نابض و مبهج كثوب العيد.

لكن ما يحيرني وافكر فيه كثيرا هو : هلنحن فعلا شعب قوي؟ هل نحن شعب نؤمن بقضاء الله وقدره؟هل نحن شعب مختل عقليا لا يخاف الصواريخ؟ هل نحن شعب معتل نفسيا يتمسك بعشه تحت سماء كلها طائرات و هدير؟ هل نحن ملينا خوف و ضجرنا بقاء في البيوت؟ هل نحن شعب اقتنع اننا نستأهل عقاب الصواريخ لأننا سكتنا على حكامنا يظلمونا  منذ الأزل و هذا هو عقاب من يفرط في أمنه ويتجاهل العملاء و لم يزل! ما هو هذا الشعب ؟ اعلن عجزي عن الإجابة.  حتى انني لا استطيع ان اقول انه شعب صابر لا يملك الا الصبر ، لأن الصابر غالبا ما يكون منهار ويائس. لكنا صابرين ولا نمت لا للانهيار و لا لليأس بصلة. تعالوا يا يمنيين في الخارج ، تعالوا يا عرب و يا اوروبيين و يا امريكان ، تعالوا شوفونا صباح العيد. هذا شعب ُيقصف هذا؟ هذا بلاد لا تجد فيها ريال جديد؟ هذا بلد محاصر منذ سنتين؟ هذا بلد لا كهرباء فيه؟ هذا بلد كل الأسعار فيه مجنونة و الزبائن يشتروا متفاخرين انهم يسايرون الصعب ومعتزين بكونهم مجانين! شوفونا صباح العيد ، عيد مثل كل عيد في ماضينا القريب. في العصر ،يتوقف في السبعين خط السير. تزدحم الحديقة في يوم النساء بالنساء و البنات و البنين.  البنات بالقبعات والشنطة فيها عسب العيد. الأولاد بالنظارات الشمسية وجيوبهم تنتفخ بعسب العيد. الألوان ابيض ، احمر، وردي، اخضر، ازرق، بني ، اصفر،...كل الألوان معيدة معنا و الأسود هو اللون الغائب الوحيد. شعب اليمن ليس شعب صابر فحسب ، بل شعب مش حاسس بخطورة الصواريخ. شعب مش حاسس بدنو الصاروخ من اطراف اعمارنا - و قديمكن في مرة -  يصيب. تجتمع النساء في حديقة السبعين. يأكلين الكعك و البتفور ، و بعضهن يخزنين و يدخنين و كثير يلعبين بطة. اطفالهن بجانبهن يلعبون الكرة. كلام ، ضحك ، تنكيت ، تصوير... متى موعد الحرب ؟ لم نسجلها من ضمن قائمة المواعيد. يا حكومة سعود ، سيرد الله صواريخكم في نحوركم و سنحيا نحن – و سترون – عمر مديد! للأسف يحدث هذا كله و الطائرات فوق رؤوسنا و الصواريخ تسقط فوق جبالنا. اليس هذا في عرف البشرية حدث كبير و خطير ومخيف؟ فمالنا هكذا مستلقيين و جالسين؟ لكن بيني و بينكم اعتدنا هذا كله ، ما الجديد؟

نحن هنا في شارع المقالح في الأصبحي، الشارع مزدحم بالزبونات يصرفن ما  جمعن من عوادة العيد. الأطفال ايضا معهن. رجال كثيرون في الشارع. بائع متجول حافي يبيع اعلام و مسدسات ماء. يبكي طفل صغير جاذبا ابوه نحو البائع يريد مسدس ماء و علم. فجأة في قمة العيد نسمع كلنا في الشارع في سمانا هدير. يقول الأب لابنه :- " اصبر يا بني نشوف اين عينزل هذا الصاروخ ،الجني ."كل من في الشارع يتوقف ، كلنا نتسمر ،نرى بأم اعيننا الصاروخ و هو يسقط فوق جبل النهدين. نحبس الأنفاس وفي احشاء الكرامة غضب و وعيد. نسمع دوي انفجار عظيم ، شوية دخان ، رشة غبار و يواصل الكل ما كان فيه. يشتري الوالد لابنه العلم و مسدس الماء. تشتري المرأة التي كانت تراجل البائع على نقاب تشتريه. تشتم فتاة شاب كان يغازلها في الشارع. تستقل تلك السيدة تاكسي. يعود العمال على الرصيف يقلون في الزيت الفلافل و الخمير. خلق الله الحياة لتستمر ، و حصار الأضعف ظلم لا يجوز. الناس خارج اليمن يخافون الموت مرضا، غرقا، حادثة سيارة، تسمما، زلزالا، هذا خوف مبرر من الحتف. فما هو تفسير عدم خوف اليمني من ابشع طرق الموت وهو الموت قصفا؟

اختم كلامي هذا بما بدأت به. يا بخت من بات مظلوم و لا بات ظالم.

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet