محطات في ذكرى وفاة البردوني
قبل 1 سنة, 2 شهر

هل للنهر أن يسبق البحر وهل للبحر أن يسبق فضاءات المحيط وهل لمقلٍ مثلنا أن يصف من وصفه الجواهري يوماً بكتلة ابداعيه لها نفسٌ وطنية وروح شاعر وقلب أديب لا يضاهى إنه البردوني فيلسوف الشعر والأدب والفن في كل اتجاه، حَملَ اليمن على كتفه وطاف بها الدُّنا يغنيها شعراً ويبرزها معلماً من معالم التاريخ والإنسانية إنه اليمن واليمن هو إنه المبدع عبدالله صالح حسن البردوني المولود عام 1929م في قرية البردون بمحافظة ذمار، حيث نشأ يتيماً وأصيب بالعمى وهو في الخامسة من عمره ، تزوج ولم ينجب الأولاد إلا أنه انتج أدباً وشعراً وتاريخاً وثقافة ستُخلد إلى قيام الساعة.

 انتمى ذلك العملاق إلى كوكبةٍ من الشعراءِ الذين مثلت رؤاهم الجمالية حبل خلاص متين ليس لشعوبهم فقط بل لأمتهم وللإنسانية جمعاء، وبدأبِ المثقف الأصيل الذي ربط مصيره الشخصي بمستقبل الوطن فأحب وطنه بطريقته الخاصة رافضا أن يعلمه أحد كيف يحب، وكان في حياته محطات شعرية وأدبية وتاريخية لا تُعد، اخترنا للقارئ بعضاً منها:

الأولى : البردوني الثائر.. في سجون الامامة المظلمة

عاش بطل رحلتنا في عهد الإمامة المظلم ، فتجرع الويلات ظلماً وقهراً وفقراً جراحاً وعمى ولم تشفع له إعاقته وعماه عند الطغاة ، فألقيَ في السجن وضربت على أقدامه القيود لأنه كان برغم عماه شجاعاً في نقده وشعره معرياً لفساد الحكم وكهنوته يطلق قصائده شهباً في وجوه الطغاة ، فكان للسجن في شعره صولات يئن فيها من قيده وجراحه فقال:

هدني السجن وأدمى القيد ساقي*** فتعاييت بجرحي ووثاقي

وأضعت الخطو في شوك الدجى*** والعمى والقيد والجرح رفاقي

ومللت الجرح حتى ملني***جرحيَّ الدامي ومكثي وانطلاقي

وتلاشيت فلم يبقى سوى***ذكريات الدمع في وهم المآقي

في سبيل الفجر ما لاقيت***في رحلة التيه وما سوف ألاقي

سوف يفنى كل قيد وقوى كل***سجان وعطر الجرح باقي

الثانية: معالم الهوية اليمنية في شعر البردوني

كان للبردوني فلسفة وطنية من نوعٍ خاص، إذ كان يُعتبر أن الشاعر عديم الهوية إذا لم يبرز تاريخه وأهم المعالم الجغرافية لوطنه في شاعريته، وإبداعاته وهذا ما برز من خلال قصيدة غريبان.. وكانا هما البلد التي يقول فيها:

من ذلك الوجه يبدو أنه جندي***لا بل يريمي سأدعو جد مبتعد

أضنه مكرد القاضي كقامته***لا بل مثنى اليريمي مرشد الصيد

لعله دبعيٌ أصل والده من*** يا فعٍ أمه من سورة المسد

عرفته يمنياً في تلفته خوفٌ***وعيناه تاريخٌ من الرمد

من خضرة القات في عينيه أسئلةٌ*** صفر تبرح كعود نصف متقد

رأيت نخل المكلا في ملامحه***شميت عنب الحشا في جيده الغيد

من أين يا ابني ولا يرنو وأسئله***أدنو قليلاً: صباح الخير يا ولدي

ضميته ملء صدري إنه وطني***يبقى اشتياقي وذوبي الآن يا كبدي

يسعد صباحك يا عمي أتعرفني***فيك اعتنقت أنا قبلت منك يدي

لاقيت فيك تعزاً حاشداً عدناً***ماكنت أحلم أن القى هنا بلدي

رأيت فيك بلادي كلها اجتمعت***كيف التقى التسعة المليون في جسد؟

الثالثة: وطنية الشاعر وحبه لليمن:

كان للتاريخ في هذه المحطة عبقه وأريجه ، كيف لا وأم الشاعر الملكة بلقيس مؤسسة مبدأ الشورى وكل النظم الادارية في الحكم قبل التاريخ، وأبوه سبأ بن حمير باني الدولة السبئية التي أخضعت الجزيرة جيوشها حتى وصلت إلى شمال أفريقيا غرباً وأسيا الوسطى شرقاً فأبدع التغني بموطنهم الأول في قصيدته من أرض بلقيس التي يقول فيها:

من أرض بلقيس هذا اللحن والوتر*** مـن جـوها هـذه الأنسام والسحر

مـن صدرها هذه الآهات، من فمها*** هـذي الـلحون. ومن تاريخها الذكر

مـن «السعيدة» هذي الأغنيات ومن*** ظـلالها هـذه الأطـياف والـصور

أطـيافها حول مسرى خاطري زمرٌ*** مـن الـترانيم تـشدو حـولها زمرُ

من خاطر «اليمن» الخضرا ومهجتها*** هـذي الأغاريد والأصداء والفكر

هــذا الـقصيد أغـانيها ودمـعتها*** وسـحرها وصـباها الأغيد النضر

يـكاد مـن طـول ما غنى خمائلها*** يـرف مـن وجنتيها الورد والزهر

يـكاد مـن كـثر ما ضمته أغصنها*** يـفوح مـن كل حرف جوها العطر

يـا أمـي الـيمن الخضرا وفاتنتي*** مـنك الـفتون ومني العشق والسهر

هـا أنـت في كل ذراتي وملء دمي*** شـعراً «تـعنقده» الذكرى وتعتصر

الرابعة: مع النبي محمد "صلى الله عليه وسلم"

لكل مبدع مهما شرد بعيداً ، وجنَّح به خياله ، وتاهت به عن واقعه معتقداته وأبعاده، إلا أنه حتماً يعود في ساعة صفاء مع الروح وتجلٍ ومكاشفة الذاكرة صادقة مع الله سبحانه وتعالى، فينثر كل ما تفيض به روحه وجداناً وجوارحه في قالبٍ شعريٍ يصوغه من القلب حتى أطراف الذاكرة، فتبرق سحائب شعره وتمطر سيلاً يرتمي من شواهق الجبال إلى بطون الأودية خواطراً وقوافي، حتى إذا ما قرأها المتلقي هزت كيانه وكانت لمن بعده موقف مع الله ومحطة.

 قصيدة بشرى النبوءة التي مدح فيها للرسول صلى الله عليه وسلم  فكانت قصيدة إبداعية رائعة حتى قال عنها الدكتور عايض القرني أنها من أعظم مدائح الرسول ص في العصر الحديث:

بشرى من الغيب ألقت في فم الغار*** وحيا وأفضت إلى الدنيا بأسرار

بشرى النبوة طافت كالشذا سحرا*** وأعلنت في الربا ميلاد أنوار

تدافع الفجر في الدنيا يزف إلى*** تاريخها فجر أجيال وأدهار

واستقبل الفتح طفلا في تبسمه*** آيات بشرى وإيماءات إنذار

وشب طفل الهدى المنشود متزرا*** بالحق متشحا بالنور والنار

في كفه شعلة تهدي وفي فمه*** بشرى وفي عينيه إصرار أقدار

وفي ملامحه وعد وفي دمه***بطولة تتحدى كل جبار

وفاض بالنور فاغتم الطغاة به واللص***يخشى سطوع الكوكب الساري

والوعي كالنور يخزى الظالمين كما*** يخزي لصوص الدجى إشراق أقمار

الخامسة: والأخيرة قراءة الشاعر للمستقبل وتنبؤاته

الشاعر الذي فقد البصر لم يفقد على إثره البصيرة الثاقبة القارئة للمستقبل من خلال سبره العميق لأغوار الواقع الذي كان يعيش فيه والظروف التي كانت تحيط به، قبل خمسين عاماً من اليوم ، فكتب قصيدة تحاكي ما يجري على الساحة اليوم وكأنه كتبها في العام 2014م غداة السقوط:

والتي يقول فيها:

يا وارثاً عن ((فأر مأرب)) خطّة الهدم اللّعينه

حتى المساجد، رُوعتَ فيها الطّهر، أقلقت السّكينه

يا سارق اللّقمات من أفواه أطفال الحزينة

يا ناهب الغفوات ، من أجفان ((صنعاء)) السّجينه

من ذا يكفّ يديك، عن عصر الجراحات الثخينه

من ذا يلبّي، لو دعت هذي المناحات الدّفينة؟

من ذا يلقّن طفرة الإعصار، أخلاقا رزينة؟

نأت الشواطىء ، يا رياح فأين من ينجي السّفينة ؟

رحم الله الشاعر العلم اليمني الوطني الخالد.. وقد تعاهدَ اليمنيون بأنهم قادرين على إرساء السفينة على شواطئ وطن حرٍ من أرجاس الزمان تلبية لثورة الشباب السلمية الخالدة ومخرجات الحوار الوطني وإقامة دولة اليمن الجمهوري الاتحادي الحر..

....

 لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet