الشعب الذي يتعجل انقضاء عمره!
قبل 1 شهر, 6 يوم

كثيرةٌ هي الشعوب التي تُدرك تمام الإدراك أنها خُلقت لتعيش مرة واحدة وعمراً واحداً وحياة لا تتكرر مرة آخرى على الأرض، هذا الإدراك هو من جعل من الإنسان في إطار تلك الشعوب يحرص أشد الحرص على استغلال وقته سواءً في إنجاز ما يمكنه إنجازهُ أو في التمتع بما هو متاح وفي متناول يديه، شيءٌ واحدٌ يعكر صفو حياة هذا الإنسان ويضعه في دائرة الخوف والقلق، ألا وهو الوقت الضائع والمُهدر في إطار تراكم سنوات العمر في اتجاه مغادرة الحياة نحو العالم الآخر.

في المجتمعات المتقدمة الأكثر استحقاقاً للحياة بمعناها الحُرّ والكريم لا غرابة في أن يتشبث الإنسان فيها بكل تلابيب الحياة طالما يرتشف من متعها كل ما هو عذب وكل ما هو مستساغ... لا غرابة في أن يحتفل هذا الإنسان في نهاية كل عام بإضافة عام في قائمة عمره طالما يستعرض خلال هذا اليوم كثيراً من الإنجازات وكثيراً من الذكريات العالقة في الذاكرة.

كلُ عامِ يمر في حياة المجتمعات التواقة للحياة بكل جمالياتها وسحرها ومفاتنها يضاف إلى سنوات العُمر الجميل في حين تُطوى السنوات والعقود من قبل إنسان المجتمعات المضطهدة والجائعة والمحبطة هرباً من تذكر مآسيها ومحطات بؤسها، إذ كل ما يحلم به هذا الإنسان البائس والمحبط هو بيوم مختلف عن سابقه يبشر ولو بحدٍ أدنى من الحرية والعيش الكريم.

في مجتمعنا اليمني على وجه التحديد ما ألحظه على كثير من الناس وعلى مختلف ثقافاتهم ووعيهم هو محاولة إفلاتهم من الوقت بقدر الإمكان... الكل يتعجل طي يومه هروباً نحو اليوم التالي الذي لا جديد فيه طالما لا يختلف عن سابقه غير بمزيد من الشقاء والإحباط.

كثيرون يهللون لتراكم سنوات أعمارهم لا لشيء إلا لكون أعمارهم قد وصلت إلى منسوب أعلى دون البحث في ركام هذا العمر عن إنجاز يُذكر أو عن محطة مُضيئة تختلف عن غيرها من المحطات المعتمة في حياة هؤلاء المهللون لبؤسهم الراكضون ركض السحب الداكنة نحو المجهول.

حقيقةً لا شيء يدعو للعتب أو اللوم على هؤلاء الذين يمثلون تعداد شعب يمتلك من القدرات ومن الإمكانيات ومن الثروات ما يجعله يستمتع بأيامه وسنوات عمره كما تستمتع بها المجتمعات المتقدمة... العتب أو اللوم على الزمن وبالتحديد على ركامه الهائل من السنوات ومن العقود ومن القرون التي لم يتسنى للإنسان اليمني خلالها رؤية الضوء ولو من كوات أكواخه المُهترئة أو من تشققات جدران أنفاقه المظلمة.

زمن طويل من الشقاء ومن البؤس ومن المظالم والسخرية موصول بزمن مملكة سبأ وبزمن هدهد النبي سليمان الذي شخص واقع الإنسان اليمني قبل آلاف السنين أدق تشخيص حين أخبر النبي سليمان بما رآه في مملكة بلقيس حين قال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ- إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} صدق الله العظيم

ما يجدر بنا التوقف عنده هو عند الجملة المقتضبة التي لا تزيد عن أربعة مفردات وهي (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) حيث لم يقل الهدهد أنه رأى ملكة تحكمهم وإنما قال امرأة تملكهم الأمر الذي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن وضع الإنسان اليمني وعلاقته بالحاكم على مرّ التأريخ قائمة على وصف الهدهد، (وهي علاقة المالك بالمملوك) هذه العلاقة التي لم تتغير أو تتبدل حتى اليوم مما يُفسر لنا سبب استعجال هذا الإنسان- ربما على مر تأريخه- في طي سنوات عمره قبل الأوان وفي الركض نحو الموت بشتى السبل على البقاء على قيد الحياة!  

 ...

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet