إذا ما أردنا التغني بثورة سبتمبر
قبل 2 شهر, 28 يوم

عادةً لا تُمجد الثورات بما راكمته من سنوات... أي بما قطعته من مسافات زمنية بين ميلادها وحاضرها وإنما بما حققته من إنجازات في ضوء الأهداف التي اندلعت الثورة من أجل تحقيقها.

عمر الثورات ما كانت في يوم من الأيام مجرد مناسبات أو شعارات مفرغة من أية ترجمة للأهداف على أرض الواقع.. إنها فعلٌ على الأرض يتبدى في نهضة الأوطان وفي انعكاس هذا النهوض على حياة الشعوب من خلال أمنهم واستقرارهم وعيشهم الكريم.

أكثر من نصف قرن من الزمن هي المسافة التي قطعتها ثورة سبتمبر 1962م بين الميلاد وبين الحاضر تخللتها محطات هي أكثر من مؤلمة وأكثر من محبطة سيما المحطات التآمرية التي أفرغت هذه الثورة من مضامينها ومن أهدافها لتحرف مساراتها نحو كوارث وانتكاسات أفرزت في الأخير ما نحن فيه اليوم من فوضى ومن تخبط ومن انعدام للرؤيا في ظل فقداننا لبوصلة الحياة ولطوق النجاة الناجم فقدانه عن التخلي عن الأهداف الستة للثورة والاكتفاء بالاتكاء على الشعار لثورة نُخرت عصاها في زمنٍ ليس بالقصير كما هي عصا النبي سليمان عليه السلام.

من يبحث عن العمر الحقيقي لثورة سبتمبر عليه فقط أن يقف عند الزمن الذي أضحت فيه أهدافها مجرد شعارات ومزايدات، إذ ما بين هذا الزمن وميلاد الثورة تقع السنوات ذات العلاقة بعمر الثورة الحقيقي.

أية ثورة تفقد بريقها وتُخمد جذواتها ويتلاشى وهجها، هو مؤشر لا لبس فيه عن خلل طرأ على هذه الثورة... هذه الحالة عادةً ما تعرف بانفصام الثورات عن أهدافها وعن أسباب وجودها، الأمر الذي ينجم عنه إختلالات وتصدعات في أساسات الدولة ناهيك عن التصدعات الاجتماعية وتمزق في النسيج الاجتماعي والانزلاق نحو متاهات في الغالب لا تحمد عقباها.

إذا ما أردنا الوقوف على أهمية بقاء جذوات الثورات متقدة على الدوام علينا فقط العودة بالذاكرة إلى العقد الأول من عمر الثورة السبتمبرية حين كانت أهداف هذه الثورة في أوج اتقادها ووهجها، إذ عند هذا التأريخ سنجد كم هي هذه الأهداف ذات تأثير على مجريات الأحداث آنذاك رغم الإمكانيات الشحيحة والمتواضعة التي كانت متوفرة لدى الدولة مقارنةً بإمكانيات المتآمرين في الداخل وفي الخارج على هذه الثورة وعلى أهدافها على وجه التحديد.

في مطلع ديسمبر 1967م ومن كل الاتجاهات، تعرضت صنعاء لحصار محكم من قبل القوى الحالمة بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء بقيادة محمد ابن الحسين وبدعم إقليمي غير محدود، هذا الحصار هو ما عُرف بحصار السبعين يوماً، إذ كل المؤشرات على الأرض كانت تُنبئ بسقوط العاصمة وبطي صفحة النظام الجمهوري إلى الأبد سيما في ضوء اختلال موازين القوى الذي أحدثه انسحاب القوات المصرية من اليمن وترك مصير البلد لأهله ولنواة الجيش الوطني الذي كان في طور الإنشاء والتكوين.

عشرة آلاف من سكان العاصمة وعلى مختلف انتماءاتهم المناطقية والأسرية والمذهبية والسياسية وبتلاحم مع وحدات من الجيش الذي لم يرتقي يومها إلى ألوية استطاعوا الصمود سبعون يوماً ومن ثم كسر الحصار والانتصار لأن ما كان يجمعهم حينها هي الأهداف الستة للثورة التي كانت بمثابة البوصلة التي يجدون فيها مخرجاً لحصارهم وطوقاً لنجاتهم ونجاة ثورتهم نحو البر الآمن.

ستة مشاعل متقدة في كل حواري صنعاء وفي قلوب وعقول وأفئدة أهلها متمثلة بأهداف الثورة الستة هي من أنارت لهم الطريق ومهدت لهم النصر المبين وسط ذهول العالم الذي لم يفطن لأسباب النصر غير بمعرفته المتأخرة بتلاحم كل أبناء العاصمة والتقاءهم على الأهداف التي مثلت لهم دافعاً على الصمود وعلى إحراز النصر في نهاية ماراثونهم النضالي والأسطوري الذي لم يوفيه التأريخ حقه حتى اليوم.

الثورات وكما علمنا التأريخ ليست شعارات أو أبواق بقدر ما هي أهداف واجبة التطبيق والترجمة الحرفية على أرض الواقع، ففي ذلك التأريخ كان التعليم في أوُجه وفي مساره الصحيح وكانت الخدمات الصحية في تنامٍ وفي اضطراد وكانت عقيدة الجيش موضع الـتأسيس وطنية وبامتياز وكان الوضع المعيشي في إطار الاقتصاد المتواضع آمن ومستقر ويضمن الحد المعقول من العيش الكريم بينما الوحدة الوطنية التي تضمنها الهدف الخامس للثورة كانت حلماً يراود كل أبناء الوطن في الشمال وفي الجنوب على السواء بما فيهم القائمون على السلطة ممن كانت نزعتهم إلى الوحدة نزعة وطنية خالصة لوجه الله وللوطن.

اليوم ونحن نقترب من الذكرى الـ 55 لهذه الثورة التاريخية، ما ألحظه هو حنين كل أبناء الوطن لمعانقة هذه الذكرى، إنه شعور وطني لا غبار عليه لكنه أي هذا الحنين باعث لسؤالٍ في ظل هذه الصحوة المتأخرة بعد غيبوبة دامت لأكثر من عقود وهو: ما هي الطريقة المثلى للإحتفاء بهذه الذكرى.. هل يُكتفى بالتغني بهيكل الثورة المنخور دون البحث عن أساساتها وأعمدتها ومداميكها الستة التي هي منطلق ارتكازها وباعث ديمومتها وبقاءها؟!

إذا ما أردنا التغني بهذه الثورة والاحتفاء بذكراها علينا أولاً البحث عن أساساتها وعن مرتكزاتها في ركام الزمن وفي جنباته وتحت أنقاضه فالتغني بأية ثورة لمجرد التغني فقط دون جرد حساب لما أنجزته وما لم تنجزه على امتداد نصف قرن من الزمن هو إصرار على المُضي في غياهب الوقت المهدر وإسهام في إخفاء المكان والزمان اللذان شهدا طمر أهداف هذه الثورة ودفنها على مسمع ومرأى من التأريخ كما تدفن النفايات المضرة بالحياة.

إذا ما أردنا التغني بهذه الثورة علينا أولاً البحث عن جوهرها وعن مضامينها وعن الأسباب التي وُلدت من أجل معالجتها.. علينا البحث عن الأهداف الضامنة لبقائها ولتألقها لا أن نكتفي بهيكلها غير المسنود القابل للانهيار في أية لحظة وأمام أبسط هزة لا سمح الله. 

......

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet