سبتمبر 62م... ثورة وُلدت لتبقى
قبل 25 يوم, 14 ساعة

ظلت ثورة سبتمبر 1962م مثار جدل ومحل تجاذبات فيما إذا كانت ثورة شعبية حقيقية قابلة للاستمرار والبقاء أم حالة آنية محكوم بقاءها أو زوالها ببقاء أو زوال العامل الخارجي المتمثل بدعم مصر جمال عبدالناصر لها في شتى المجالات وبالأخص في الجانب العسكري.

هذا الدعم الذي لولاه ولولا السرعة الفائقة في بلورته إلى واقع على الأرض اليمنية لكانت الثورة ربما في خبر كان في ظل نجاح الإمام البدر في الإفلات من قبضة الثوار، والانتقال إلى المناطق الحاضنة لنظامه، ومن ثم إلى المملكة السعودية التي كانت ترى في هذا المُتغير السياسي والاجتماعي في خاصرتها الجنوبية تهديداً مباشراً لنظامها أكثر مما هو تهديد للأسرة الحاكمة في اليمن.

ظلت هذه الثورة وعلى امتداد خمس سنوات على هذا المنوال من الجدل ومن التشكيك في إمكانية صمودها لاسيما في حال ما قررت حكومة مصر سحب قواتها تاركةً الثورة والثوار لمصيرهما في مواجهة العقلية القبلية المتشبثة بتلابيب الإمامة وبما يُدر عليها من أموال وبمختلف العملات مقابل بقائها في الصف الملكي وزعزعة النظام الجمهوري الوليد.

عقب نكسة حزيران 1967م عُقدت القمة العربية في الخرطوم في أغسطس من نفس العام لمناقشة تداعيات هذه النكسة وعلى هامشها تم لقاء الزعيم/ جمال عبدالناصر مع الملك فيصل بن عبدالعزيز تمخض عنه الاتفاق على إحياء اتفاقية جدة التي أبرمت في 24 أغسطس 1965م بين الزعيم ناصر والملك فيصل والتي نصت على قيام مصر بسحب قواتها من اليمن في مقابل التزام السعودية بوقف دعمها للأسرة الملكية، وذلك إفساحاً للشعب اليمني في الاستفتاء على مستقبله السياسي.

من ناحيتها التزمت مصر بما تم الاتفاق عليه، إذ قامت بسحب جميع قواتها من اليمن في زمن قياسي في حين وجدت المملكة في هذا الانسحاب فرصة سانحة للانقضاض على العاصمة صنعاء ومن ثم عودة النظام الملكي إلى واجهة الحكم من جديد بتكلفةٍ ربما لا تذكر وبزمن لا يتعدى الأسابيع ولربما الأيام.

في مطلع ديسمبر من عام 1967م أحكمت القوى الملكية الخناق على العاصمة صنعاء من كل الاتجاهات في انتظار رفع الأعلام البيضاء من قبل قاطنيها والمرابطين في الجبال المطلة عليها إلا أن هذا الحلم الملكي لم يتحقق، إذ فوجئ الملكيون بمقاومة شرسة واستماتة غير مسبوقة في تاريخ الحروب أفضت بعد سبعين يوماً إلى تراجع القوى الملكية عن مواقعها وإلى تقهقرها وانفراط عقدها ليسجل التاريخ في 12 فبراير 1968م عند هذا المشهد أهم لحظة من لحظات انتصارات الثورة، وهي طي حلم الإمامة في العودة إلى سدة الحكم في مقابل مضي الثورة نحو الأهداف المرجوة تحقيقها.

ربما ما كانت تتطلبه قيادة المملكة – آنذاك- كي تسلم بعدالة هذه الثورة ومن ثم الاعتراف بها هو لملحمة بطولية ونضالية بحجم ملحمة السبعين يوماً... هذه الملحمة التي أثبتت للجوار أن ثورة سبتمبر هي ثورة يمنية خالصة، جاءت لتلبي تطلعات الشعب في الخلاص من أعتى حكم كهنوتي متخلف عبوراً نحو الحرية والإنعتاق وملاذات العيش الكريم.

ما أفرزته نتائج ملحمة السبعين هو ترسيخ الثورة في الذهنية الجمعية لبني البشر في مختلف بقاع الأرض، إذ تبين لكل العالم أن هذه الثورة هي ثورة الضرورة الملحة، إذ لم تكن في لحظة من اللحظات أو في يوم من الأيام مجرد ترف أو نزق ثوري وإنما مطلب شعبي في التغيير، وفي الإفلات من براثن الاستعلاء والاستعباد والخنوع والتركيع نحو التحليق في فضاءات من الحرية ومن العدل والمساواة ،إذ وبعد انقشاع غبار هذه الملحمة التاريخية لم يجد الأخوة في الجوار عند نتائجها غير التسليم بحقيقة الثورة وبأيقونتها وشرعيتها وشعبيتها الساحقة الممهورة بدماء كل الشرائح الاجتماعية.

لم يكن أمام الأخوة في الجوار أمام كل هذه الحقائق الدامغة من بدِ غير الاعتراف بالنظام الجمهوري عام 1970م. هذا التاريخ الذي طُويت عنده حرب السنوات الثمان ليبدأ عند ذلك التاريخ صراع من نوع آخر وبآليات آخرى مختلفة في نعومتها عما سبقها من آليات ظلت على هذا الطابع النعومي ذو التأثير على مجمل الأحداث اليمنية منذ ذلك التاريخ وحتى السادس والعشرون من مارس 2015م.

هذا التاريخ الذي دخلت فيه العلاقات بين الجارين منعطفاً جديداً من خلال الحرب الطاحنة بينهماً، ربما هو تاريخ لرسم علاقات جديدة ستفرضه الأحداث الجارية التي لن تُسقط من حساباتها ضرورة إعادة النظر في العلاقة المختلة بين الدولتين على امتداد 47 عاماً، هذه الاختلالات التي عملت على ترجيح كفة القبيلة على كفة الدولة مما نجم عنه سقوط الدولة - في أول اختبار لها منذ خمسة عقود ونيف- على يد القبيلة سواءً بزيها الرسمي أو القبلي الذي فوجئت به العاصمة في 21/9/2014م.

....

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet