الثورات لا تُختزل بتغيير يافطة النظام!
قبل 2 شهر, 11 يوم

لم تكن الثورة السبتمبرية عام 1962م ثورة موجهة ضد مسمى النظام الملكي، بقد ما كانت ضد سلوكيات المتعاقبين على كرسي الحكم ومن يدور في فلكهم، طالما كانوا يحكمون وفق توقيت زمني متأخر للغاية مقارنة بالزمن الذي كانت تعيشه البشرية آنذاك.

لو كانت الإمامة يومها تمارس حكمها الجبروتي والكهنوتي المتخلف في إطار مسماً جمهوري لكان مصيرها هو ذات المصير.... أي لكان انتفض عليها الشعب بنفس الزخم وبنفس الوتيرة وبنفس الطوفان البشري الذي اجتاح العاصمة وبقية المدن اليمنية في صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر 62م.

إذا ما رجعنا لقراءة التاريخ السياسي؛ كي نقف عند أهم محطاته الثورية.. في اعتقادي اننا لن نجد في ثنايا سطوره ما يُشير إلى أن هنالك ثورة جرت في مكان ما من كوكبنا، كان دافعها تغيير يافطة النظام والتخلص فقط من هكذا عنوان!. ما يعرفه قراء السياسة والمهتمون بالحالات الثورية، هو أن للثورات أسباب ودوافع وغايات تتعدى المسميات إلى أمور هي أكثر من جوهرية تتعلق بحرية الإنسان وبعيشه الكريم.

إذا ما دققنا في الخارطة السياسية في العالم سنجد أن البشرية في إطار هذه الخارطة، إما تُحكم من قبل أنظمة جمهورية أو من قبل أنظمة ملكية، الفرق بين هذه وتلك هو في عدد الدول المنضوية في إطار الانظمة الجمهورية أو الملكية، إذ ما هو ملاحظ وقوع أكثر الدول في خانة النظام الجمهوري بما يزيد عن 145 دولة معظمها تُحكم بآليات ديكتاتورية، فيما الدول الملكية لا تربو عن 35 دولة أغلبها في إطار دول الكومنولث التابعة للتاج البريطاني.

ما دفعني للكتابة في موضوع كهذا ليست المعلومة المتعلقة بفرز الأنظمة في العالم بقدر تسليط الضوء على العامل الذي دفع بكثير من الشعوب إلى التقدم والتطور، سواء كانت تحتكم لأنظمة ملكية أو لأنظمة جمهورية، فإذا ما حاولنا البحث عن السرّ الكامن وراء تقدم هذه الشعوب- رغم اختلاف أنظمتها- سنجد أن هنالك قاسماً مشتركاً بينها، هذا القاسم هو ما يعرف بالدساتير المحكمة البناء غير القابلة لأية اختراق فضلاً عن الآلية الديمقراطية الضابطة لإيقاع الحياة في هذه الدول. 

كل شعوب العالم كما أسلفت موزعة بين من يحتكم منها لأنظمة ملكية ومن يحتكم منها لأنظمة جمهورية، ما يُحدد منسوب نهوض هذه الشعوب وتقدمها أو تخلفها وتعثرها ليس اسم النظام وإنما الآلية السياسية التي يحتكم إليها الحاكم والمحكوم.

خمسة عقود ونصف العقد من الزمن هي المسافة الزمنية الواقعة بين مربع النظام الملكي الذي غادره اليمنيون في عام 1962م، ومربع النظام الجمهوري الذي التحقوا به في ذات التاريخ، إذا قورنت هذه المسافة الزمنية بالمسافة المتقاربة معها المتعلقة بالثورة الصينية 1949م والتي لا تتقدم ثورتنا سوى بـ12 عاماً سنجد أن هذا الفارق الزمني لا يمثل غير 20% بينما الفارق في التطور وفي النهوض الذي يفصلنا عن هذا الشعب الذي يمثل تعداده ربع سكان العالم يتعدى هذه النسبة وهذه المسافة الزمنية بعشرات المرات!

خمسة عقود ونصف العقد من الزمن ما حققناه خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة ربما لا يتعدى تغيير اسم النظام، بينما ابقينا على الأسباب التي اندلعت الثورة من أجل تصحيحها على ما هي عليه حتى اليوم، الأمر الذي يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن مشكلتنا تكمن في عدم اتباعنا لإحدى الآليتين التي أثبتت فاعليتها في أوروبا وأمريك واليابان وهي  الديمقراطية الحقيقية أو الآلية الديكتاتورية ذات التوجه الوطني التي اتبعتها الصين.

عند هذه الحقيقة المرة التي ألجأتنا لسياسة الصين ونهجها الديكتاتوري الوطني، ما يجدر بنا فعله هو أن نفتش عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الحال والتي من أخطرها عملية خلط الأوراق السياسية التي جرت في كثير من المحطات التي أعقبت الثورة السبتمبرية وحتى اللحظة.

هذا الخلط المصلحي الذي جرى في ثلاث محطات تاريخية هامة، هو من أودى بالبلد إلى السير في طريق معتم، دونما بوصلة يهتدي بها ودونما أفق يرتجيه من سيره هذا... لقد وُضع البلد وعلى امتداد عقود من الزمن في طريق لا هو الطريق الديمقراطي الحقيقي والشفاف الذي اختطته كثير من شعوب العالم التواقة للاستقرار وللأمن والعيش الكريم، ولا هو الطريق الديكتاتوري ذو التوجه الوطني الذي أوصل ربع سكان العالم إلى بر الأمان وإلى واحة من الاستقرار وتوفر لقمة العيش لهذا الكم الهائل من البشر.

ما يجدر بنا اليوم هو الإقرار بكل أخطائنا وبكل مفاهيمنا المغلوطة والتي من أشدها خطراً فهمنا المغلوط للثورات في كونها مجرد إنزال يافطة لمسمى النظام (أي نظام) مقابل إحلال يافطة آخرى محلها لمسمى نظام آخر على طريق اختزال الثورات في هكذا مسميات.

[email protected]          

  ....

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet