إذا ما قُدر لنا أن نرحل؟!
قبل 10 يوم, 15 ساعة

بعد محاولات عدة ممهورة بالدماء وبالتضحيات، أستطيع القول أن كل محاولات التغيير في هذا البلد وعلى امتداد أكثر من نصف قرن من الزمن لم تأخذ مداها بدءاً من ثورة سبتمبر 1962م مروراً بحركة يونيو 1974م وصولاً إلى ثورة فبراير 2011م.إذ في كل محطة من هذه المحطات كانت تقف عوامل داخلية وخارجية حجر عثرة أمام الرغبة الشعبية في اجتياز العوائق والموانع التي تحول دون التغيير، ودون العبور بالوطن إلى بر الأمان.

استماتة القوى المناوئة للتحديث بشقيها المحلي والخارجي أسهم كثيراً في رسم الصورة القاتمة والمحبطة التي بدا عليها الوطن والتي تبدت أيضاً في وجوه الناس وفي معيشتهم وفي سلوكهم اليومي كانعكاس لنفسياتهم المتعبة والمحبطة في آن. هذا المشهد المحبط العالق في الذاكرة الجمعية للناس هو من جعلني ألجأ لحلول من خلال بعض كتاباتي الساخرة حتى وإن كانت من شطحات الخيال طالما كانت الأقرب للتمني أكثر منها ملامسة للواقع، الذي كنت لا أجد في أفقه غير الانسداد.

أذكر مرة عندما استبد بي الضيق جراء ما يمر به الوطن من تراجع ومن انزلاقات نحو أكثر من مجهول وما يقابل كل هذه المخاطر من لا مبالاة وعدم اكتراث من قبل البعض، أذكر أني كتبت مقالاً ساخراً في صحيفة الأولى كان عنوانه (من يعرني قلب حمار)، كنت في هذا المقال أبحث عن مخرج لما أنا فيه من ضيق ومن إحباط ولو باستعارة قلب حمار طالما لا يأبه لكل ما يدور من حوله في تماهٍ عجيب مع كثير من بني البشر في هذا البلد.

لم أُوفق في استعارة هذا القلب كون كل من كان له قلب على هذا النحو متشبث به غير مستعد للتفريط به حتى ولو من باب الإعارة، لما يجد فيه من نعمة أنعم الله بها عليه في بلد كهذا وفي أوضاع ربما لا تخطر على بال بشر... لقد تكيفت مع الأوضاع شيئاً فشيئاً إلى أن خطرت لي فكرة بديلة عن تلك الاستعارة وهي في أن يحكمنا رئيساً من الجان.

شرعت في كتابة هذا المقال الذي نُشر في صحيفة الأولى أيضاً وعنونته "نحتاج لرئيس من الجن"... فكرة هذا المقال مردها أن مخلوق كهذا قادر على التخفي، كلما حيكت ضده مؤامرة تُفضي إلى الاغتيال، فضلاً عن استعانته بجيش من بني جلدته في مواجهة كثير من المؤامرات التي تحاك دائماً لهذا البلد وأهله. هذه المؤامرات التي عادةً ما تستهدف رأس السلطة.

لجوئي لطرح مثل هكذا حل يعود لقراءة التاريخ السياسي لهذا البلد المليء بالفضاعات وبالاغتيالات... من يقرأ تأريخ هذا البلد بتمعن سيجد أن معظم من حكموه وعلى مر التأريخ انتهى بهم المطاف إلى القتل ومن لم يُقتل منهم أهدر وقته في كيفية الإفلات من هذا المصير، بدلاً من تفرغه لبناء الدولة، لذلك كان يلجأ الكثير منهم إلى نهب مقدرات الدولة بكل ما أوتوا من حيل ومن سطوة في انتظار ما ستؤول إليه نهاياتهم.

بعد سنوات من كتابة هذا المقال المتعلق بحكم الجان لم يطرأ على أوضاع البلد أي تحسن، إذ ظلت في حالة تدحرج يومي نحو حافة الهاوية ونحو أكثر من مجهول فلا فكرة قلب الحمار نفعت ولا فكرة أن نُحكم من قبل مخلوق من الجان نفعت هي الأخرى/ المشكلة أكبر وأصعب من أن تُحل سواءً بتطبيق، هذه الفكرة أو تلك..... المشكلة تكمن في استعصاء الشعب على الحل طالما هو محصن ضد أي فكرة وضد إي مخرج يضمن له أمنه واستقراره وكرامته.

شعب ليس منقسم على نفسه حول ما ينفعه وما يضره فحسب وإنما متشظٍ إلى عدة أجزاء، جزء من شظاياه متناثرة في الشمال والأخرى متناثرة في الجنوب، لا لُحمة من في الجنوب متماسكة ولا لُحمة من في الشمال متماسكةُ هي الأخرى.

شعب لا يعرف حتى اللحظة سبب ما هو فيه من محن ومن أهوال، إذ نجد البعض يعزي هذا الوضع إلى زعطان والبعض الأخر يُحمله فلتان بينما الثالث يذهب إلى ما هو أبعد من هذا وذاك حيث يُرجع كل ذلك لابتعادنا عن الله دون أن يسأل نفسه ولو لمرة واحدة: من الأكثر بعداً عن الله نحن أم البوذيون الذين لا علاقة لهم بالأديان السماوية لا من قريب ولا من بعيد وبرغم هذا لا يشكون من أي صراع أو تناحر أو مجاعات؟!

إذا ما أردنا الوقوف على مشكلتنا الحقيقية سنجد أنها تكمن في سببين الأول: في تهربنا من الإفصاح عن دائنا إلى أن يستفحل وينتشر في كل جزئية من أجسادنا، عندها نستسلم لمشرط الجراح إنما.... بعد فوات الأوان. السبب الثاني: هو في عدم أحقيتنا لهذا الوطن، إذ ما كان مفترضاً هو أن يعيش الشعب الياباني التواق للحياة على هذه الأرض المهيأة للعيش الزاخرة بكل عطاءات السماء، مقابل أن نعيش نحن –الباحثون عن المتاعب الراكضون وراء الموت- على أرضهم، في مواجهة الكوارث الطبيعية التي تحدث هنالك بين الحين والآخر؛ طالما نعشق الكوارث ونخلقها من العدم.

ليعذرني القارئ إذا ما أفصحت عن المخرج لهذا البلد بعد أن طرقنا كثيراً من الأبواب علنا ننفذ منها إلى بر الأمان، هذا المخرج وهذا العلاج المتأخر...  يكمن في رحيلنا كشعب عن هذا البلد عله يجد من يستحقه ومن يُقدر موقعه وما في باطنه من ثروات ومن خيرات.

جربنا كثيراً من الحُكام ولم نفلح، وجربنا ترحيل رأس النظام ولم نفلح، ثم جربنا المعارضة الأكثر من هزيلة في أن تشارك في الحكم ولم تفلح... حل واحد ربما هو مخرجنا ومخرج هذا البلد الذي لا يستحق كل هذا العبث وكل هذا الدمار، هذا المخرج وكما أسلفت هو في رحيلنا عن هذا الوطن تطبيقاً للمقولة الشائعة (آخر الدواء الكي).

السؤال هنا: إذا ما قُُدر لنا كشعب أن نرحل عن هذا البلد: فإلى أين سيتم الرحيل؟ طالما لا أحد في هذا الكون الفسيح سيقبلنا بعد كل ما فعلناه بأنفسنا وبوطننا على حد سواء!.       

.....

 لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet