الكابوس الإنساني في اليمن: (الجذور الحقيقة للصراع)
قبل 1 سنة, 7 يوم

بقلم:آشر أوركبي

ترجمة: الدكتور عبده البحش

من النص الانجليزي المنشور في مجلة الشؤون الخارجية الامريكية

 

في 20 فبراير / شباط 2015، عندما كان سكان صنعاء يتهيؤون لأداء صلاة المغرب، وضع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي على وجهه قناعا واتجه الى الباب الخلفي لمقر إقامته الرسمية، حيث كانت سيارة تنتظره لكي تنقله الى مكان امن. ومنذ شهر، كان المتمردون الحوثيون، الذين استولوا على صنعاء في أواخر عام 2014، يحتجزونه قيد الإقامة الجبرية. ومع مرور الوقت لاحظ الحراس أن الرئيس قد غادر المنزل، ليتبين فيما بعد ان هادي قد وصل بالسلامة الى مدينة عدن الجنوبية. وبعد شهر تقدمت القوات الحوثية جنوبا حتى وصلت مشارف عدن، مما اجبر الرئيس هادي على الهرب مرة أخرى، لكن هذه المرة إلى الرياض، حيث دعا المملكة العربية السعودية للتدخل في الحرب الأهلية اليمنية.

في غضون أيام، بدأ التحالف العربي بقيادة السعودية حملة من الضربات الجوية ضد الحوثيين، وفرض التحالف حصارا شاملا على اليمن لمنع وصول السلاح الى المتمردين، الذين حولوا اليمن، الى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. اذ يوجد سبعة ملايين يمني على حافة المجاعة، ويعاني ما يقرب من مليوني طفل من سوء التغذية الحاد، وتسبب تفشي الكوليرا في إصابة أكثر من 600،000 شخص.

وغالبا ما يوصف الصراع في اليمن بأنه منافسة بين الشيعة والسنة، بين إيران والسعودية، حيث أن إيران قد زودت الحوثيين بالأسلحة والمستشارين العسكريين. ولكن هذا فهم خاطئ لأصول أسباب الحرب وتدخل السعودية. فالحرب لا تتعلق بالمصالح الإقليمية؛ فهي استمرار للصراع الذي طال أمده بين الحكومة اليمنية والحركة الحوثية المهمشة التي تصاعدت بسبب التدهور التدريجي في شرعية وكفاءة الحكومة المركزية في صنعاء. وتدخلت المملكة العربية السعودية لتأمين حدودها الجنوبية ضد التهديد الحوثي. ونتيجة لذلك، فإن التسوية السياسية اليمنية الداخلية هي وحدها التي يمكنها إنهاء الحرب، على الرغم من أن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية يمكنها أن تفعل الكثير لتحسين الوضع في هذه الأثناء.

 

ظل من الماضي

ولدت دولة اليمن الحديثة في عام 1962، عندما كان الثوريون، الذين تشرب الكثير منهم الأفكار المعاصرة للقومية في الجامعات الأجنبية، واطاحوا بالأمام المخلوع محمد البدر، وانشأوا الجمهورية العربية اليمنية، في شمال اليمن. على مدى السنوات الأربعين التي تلت الثورة، احتلت النخبة المتعلمة في الجامعات الأجنبية، التي أججت الثورة أهم المناصب في الجمهورية الجديدة، حيث شغلت مناصب الرؤساء ورؤساء الوزراء ووزراء الحكومة وكبار المسؤولين التنفيذيين. واستندوا إلى شرعيتهم على الأدوار التي قاموا بها خلال الثورة وما بعدها، مما حقق وضعا أسطوريا في الخيال الوطني. كما أحدثت الثورة تحولا كبيرا في المجتمع اليمني، حيث مكنت سكان اليمن المتنامين في المناطق الحضرية، وانتهت هيمنة تلك العوائل، التي تدعي نسبها إلى النبي محمد. فيما بقيت القبائل التي ناصرت الامام محمد البدر تعاني من المشاكل والحرمان ونقص الخدمات وشحة التمويل الحكومي.

بعد توحيد اليمن الشمالي والجنوبي في عام 1990، سمحت الظروف للأسر الامامية بالتحرك والنشاط في أوساط القبائل الشمالية المهمشة بقيادة عائلة الحوثي، وهي واحدة من أبرز السلالات الامامية في شمال اليمن. وفي عام 2004، خلال الاشتباكات المبكرة بين القبائل الحوثيين والحكومة، قتل الجيش اليمني حسين بدر الدين الحوثي، أحد قادة الحركة. وقد مثلت وفاته بداية التمرد المسلح للقوى الامامية العائدة وأعطت المتمردين اسمهم الجديد (الحوثيين). وعلى مدى السنوات السبع التالية، استمر القتال المتقطع، ولم يحصل أي من الجانبين على ميزة ذات مغزى.

وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تقاتل الحوثيين في الشمال، كانت سلطتها في بقية البلاد تتلاشى. التحدي الأكبر لدولة ثورية هو الحفاظ على شرعيتها بعد أن توفي المؤسسون، وبعد نصف قرن من الثورة، لم يبق سوى عدد قليل من قادة اليمن الأصليين. في عام 2011، أصيب عبد العزيز عبد الغني، أحد آخر شخصيات جيل الثورة، بجروح قاتلة في محاولة اغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، خلال الاحتجاجات الشعبية التي أصابت صنعاء بالشلل.

إن رحيل الجیل الثوري في الیمن لم یخلق أزمة ?ویة وطنیة فحسب، بل خلق أیضا أزمة في الحكم. فيما مضى كان الطلاب اليمنيين الذين حصلوا على درجات في الخارج يفخرون بالعودة إلى ديارهم كقادة في المستقبل. ولكن على مدى السنوات العشر الماضية، غادر الكثير من النخبة المتعلمة البلاد، مشيرين إلى تفاقم الفساد الحكومي وعدم الكفاءة وغياب فرص العمل المحلية. حيث التعيينات السياسية الآن قائمة على أساس العضوية القبلية بدلا من التدريب أو الخبرة، مما أدى الى افساح المجال للمستفيدين من المحسوبية والمحاباة.

ومع تراجع شرعية الحكومة المركزية، واتساع الفراغ السياسي. ظهرت جماعات متطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، لسد هذه الفجوة. لكن الحركة الحوثية الشمالية، التي نشطت مسبقا في معارضة الحكومة المركزية، كانت في وضع أفضل يمكنها من تحقيق أقصى استفادة من الجمهورية المتهاوية.

الثورات

وجاءت فرصة الحوثيين في أوائل عام 2011، عندما ألهمت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس الاحتجاجات الجماهيرية ضد الحكومة الفاسدة الاستبدادية في صنعاء. وفي شباط / فبراير، أعلن عبد الملك الحوثي، زعيم المتمردين الحوثيين، دعمه للمظاهرات المناهضة للحكومة، وأرسل آلاف من أتباعه للانضمام إلى الساحات في العاصمة. بعض من أقوى صور الانتفاضة كانت من رجال القبائل في الازياء التقليدية التي تظهر جنبا إلى جنب مع أعضاء حركة الشباب في المناطق الحضرية. قبل خمسين عاما، كانت هاتان المجموعتان قد خاضتا حربا ضد بعضهما البعض للسيطرة على اليمن؛ وفي عام 2011، ساروا معا ضد عدو مشترك هو الرئيس صالح.

وبحلول نهاية العام، حققت الانتفاضة هدفها الرئيسي: وافق صالح على الاستقالة والاستعاضة عنه بنائبه هادي. وفي مطلع عام 2013، بدأت الحكومة وجماعات المعارضة مؤتمر حوار وطني توج في عام 2014 بخطة مدعومة من هادي لكتابة دستور جديد وتقسيم اليمن إلى ست مقاطعات. في ذلك الوقت، توقع جمال بن عمر، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لليمن أن يؤدي الاتفاق إلى "حكم ديمقراطي قائم على سيادة القانون وحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية".

لكن المعارضة الحوثية رفضت مخرجات الحوار الوطني، لأنها كانت ستحول دون سيطرتهم على اليمن. وطوال عام 2014، استمرت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الغضب، بقيادة الحوثيين. وفي سبتمبر 2014م، استولت القوات الحوثية على صنعاء، ثم في أوائل 2015، حلوا البرلمان، وأجبروا هادي على الاستقالة، وأنشأوا لجنة ثورية لتحل محل الحكومة اليمنية.

التقدم الحوثي اثار اعصاب الرياض. ومنذ تأسيس السعودية في عام 1932، قلق قادتها من أمن الحدود الجنوبية للبلاد مع اليمن. في عام 1934، خاضت المملكة العربية السعودية حربها الأولى ضد مملكة اليمن لتأمين تلك الحدود. وبموجب المعاهدة التي انهت الحرب، ضمت السعودية ثلاث محافظات يمنية حدودية احتلتها خلال القتال. ومنذ ذلك الحين، كانت السياسة الخارجية السعودية تجاه اليمن مدفوعة بالحاجة إلى الحفاظ على حكومة مركزية ضعيفة في صنعاء لا تهدد الأمن السعودي. في كل مرة عندما تظهر حركة شعبية أو سلطة مركزية قوية في اليمن، ترد الحكومة السعودية بعمل عسكري ودعم مالي للمجموعات الموالية لها.

أدرك القادة السعوديين ان صعود الحوثيين هو تحقيق المخاوف الأسوأ. في عامي 2009 و2010، تسببت المناوشات عبر الحدود بين مقاتلي الحوثيين والقوات السعودية في وقوع أول خسائر سعودية على طول الحدود السعودية اليمنية منذ الستينيات. بعد الاستيلاء على صنعاء في عام 2014، دعت القيادة الحوثية علنا ​​إلى الحرب مع المملكة العربية السعودية، وذلك باستخدام مطالب بعودة المحافظات الحدودية الثلاث (نجران، عسير، جيزان).

 خطوات المملكة العربية السعودية

 عندما طلب الرئيس هادي المساعدة السعودية، كانت الرياض سعيدة جدا بالالتزام لذلك الطلب، حيث أطلقت المملكة العربية السعودية وتحالف الدول العربية من مجلس التعاون الخليجي حملة عسكرية في مارس 2015 لردع الحوثيين واستعادة الحكومة. قدمت المملكة العربية السعودية التدخل كرد على التهديد بالتوسع الإيراني، بحجة أن الحوثيين كانوا بالفعل قوة إيرانية بالوكالة. وقد حظي ذلك بدعم الدول العربية الأخرى والولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الخطاب السعودي قد أدان بشكل واضح دور إيران في الصراع. خصوصا ان بعض الأسلحة والمال قد تدفق من إيران إلى الحوثيين. ومع ذلك فان القبائل اليمنية المتحالفة مع الحوثيين لا تشارك رغبة إيران في تحدي إسرائيل والولايات المتحدة، وبدأوا في وضع أنفسهم كبديل للحكومة المركزية في اليمن قبل وقت طويل من تلقي أي مساعدة إيرانية.

وقد تحول التدخل الذي بدأ كسلسلة من الغارات الجوية ضد أهداف الحوثيين العسكرية إلى محاولة لتدمير البنية التحتية الاقتصادية في اليمن من أجل تحويل الرأي العام بعيدا عن الحركة الحوثية وموقفها المعادي للسعودية. حيث هدمت كل من المستشفيات والمصانع ومحطات المياه ومرافق الصرف الصحي والجسور والطرق في غارات بالقنابل. وقد حاصر التحالف السعودي بمساعدة من الولايات المتحدة موانئ اليمن، مما جعل من الصعب على الطائرات المدنية التحليق في سماء البلاد، مما تعذر على وكالات المعونة أو الشركات جلب البضائع إلى مطار صنعاء، ونقل الجرحى اليمنيين للذهاب إلى الخارج علاج او المعاملة.

وانهار الاقتصاد اليمني الضعيف بالفعل تحت الضغط. بالنسبة للعديد من اليمنيين، أصبح شراء الطعام أو الدواء صعبا أو مستحيلا. ووفقا للأمم المتحدة، فإن ثلثي سكان اليمن البالغ عددهم 28 مليون نسمة يواجهون نقصا في الأغذية ولا يحصلون على المياه النظيفة. سبعة ملايين منهم على وشك المجاعة وما يقرب من مليوني طفل يمني يعانون من سوء التغذية الحاد. وبدون العمل في الخدمات العامة، تكدس القمامة والصرف الصحي في الشوارع وتتسرب في آبار المياه المخصصة للشرب. ومنذ ابريل، اصابت الكوليرا التى تنتشر فى المياه الملوثة حوالي 600 ألف شخص، مما أسفر عن مصرع أكثر من ألفي شخص.

وكانت الاستجابة العملية للأزمة من جانب منظمات المعونة الدولية غير فعالة. وفي يوليو / تموز، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها اوقفت برنامجها الخاص بالتطعيم ضد الكوليرا في اليمن إلى ما لا نهاية. واستشهدت بالصعوبات التي تواجه إيصال الأدوية، والحقيقة أن حملة التلقيح كان لها تأثير محدود لأن المرض قد أصاب بالفعل أكثر من 000 300 شخص. ولكن المنظمات الدولية الأخرى فقدت الفرص للمساعدة في حل الصراع الأوسع نطاقا.

لأن المجتمع الدولي يعترف رسميا فقط بالحكومة اليمنية في المنفى وينظرا الى حكومة الحوثي بقليل من الاهتمام الدبلوماسي، فان المنظمات الإنسانية المحايدة هي من بين المجموعات القليلة التي يمكن أن تتوسط في الصراع دون قيود سياسية. هذا هو الدور الذي لعبوه في اليمن من قبل في الستينيات، حيث خاضت حكومة الجمهورية العربية اليمنية الجديدة حربا أهلية استمرت ست سنوات مع القبائل الشمالية الموالية للإمام المخلوع محمد البدر. في ذلك الوقت، كما هو الحال اليوم، لم تعترف الحكومات الأجنبية رسميا بالقبائل الشمالية، وبالتالي فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة كانت المجموعات الوحيدة التي تصل إليها. حيث فتحت الأمم المتحدة خط اتصال مباشر مع قادتها، وشجعتهم على المشاركة في مؤتمر وطني للسلام. وسهل الصليب الأحمر العديد من عمليات تبادل الأسرى بين الجانبين.

خلال الحرب الحالية، يمكن للصليب الأحمر والأمم المتحدة تكرار تلك الاستراتيجية. وعليهم أن يتصدوا للأزمة الإنسانية وأن يزودوا القبائل الحوثية بمنصة دولية يمكن من خلالها التفاوض مع الحكومة في المنفى. كما يمكن للأمم المتحدة ارسال قوات حفظ سلام لتأمين الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، مما يخفف احدى الدوافع الرئيسية للنزاع. وقد عمل هذا التكتيك في الفترة من 1963 إلى 1964 عندما قام أفراد من الأمم المتحدة بدوريات في منطقة منزوعة السلاح بين السعودية واليمن وتوسطوا في نزاعات عبر الحدود. ومن شأن وجود مماثل لحفظ السلام اليوم أن يعطي الرياض الثقة الكافية في أمن الحدود لوقف حملتها الجوية ورفع حصارها البحري، وإنهاء الأزمة الإنسانية الفورية.

دور واشنطن

 على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست متورطة في القتال في اليمن، إلا أنها دعمت التحالف بقيادة السعودية بعدة طرق. ويدرب الجيش الأمريكي القوات السعودية ويقدم قواعده للطائرات الحربية السعودية للتزود بالوقود. وكانت الولايات المتحدة قد باعت المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات من الاسلحة، وكثير منها استخدم في اليمن. وهذا يعني أن الولايات المتحدة في وضع جيد يمكنها من تحسين الحالة على أرض الواقع. يجب على واشنطن أن تهدد بسحب دعمها العسكري من أجل الضغط على السعودية لإنهاء الأعمال القتالية وقبول قوة حفظ سلام دولية على طول الحدود السعودية اليمنية. وقد تكون المملكة العربية السعودية أكثر استعدادا للسماح لليمنيين باعتماد حل سياسي خاص بهم، حتى إذا كانت القيادة الحوثية تؤدي دورا هاما في الحكومة المقبلة.

ان أي مفاوضات بين الحكومة الامريكية والحوثيين ستواجه معارضة شديدة في الولايات المتحدة. حيث ان الحوثيين يهتفون في كل تجمع لهم "الله أكبر! الموت لأمريكا! الموت لإسرائيل! اللعنة على اليهود! النصر للإسلام ". وقد أشار المسؤولون الأمريكيون إلى هذا الشعار دليل على موقف الحركة الحوثية المناهض للولايات المتحدة، وبما أن التعبير يستند إلى عبارة ثورية إيرانية، فهو دليل على التعاون الحوثي الإيراني. وقد قدم هادي التماسا رسميا إلى الأمم المتحدة لتسمية الحوثيين منظمة إرهابية.

لكن الحوثيين يستخدمون الشعار للمزايدة السياسية. فالحوثيون هم من المجموعات القليلة في الشرق الأوسط التي ليس لديها النية أو القدرة على مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل. وبعيدا عن أن تتماشى حركة الحوثيين مع المتطرفين، فقد اشتبكت مع تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضا باسم داعش) والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، والمملكة العربية السعودية التي طالما دعمت الجماعات الإسلامية السنية في اليمن. وعلاوة على ذلك، فإن الحوثيين في اليمن على استعداد لقبول المساعدات الأجنبية بغض النظر عمن يعطيها. خلال الستينيات، تلقى الملكيين مساعدات عسكرية سرية من إسرائيل في حربهم الأهلية ضد الجمهورية الجديدة.

بيد أن عبد الملك الحوثي وبقية قيادات الحركة يحتاجان إلى دورة تحثهم على الدبلوماسية الحديثة. وقد رفض أفراد عائلة الحوثي شعار الجماعة المناهضة للولايات المتحدة ككلمات فقط، بحجة أنها لا تعكس السياسة الفعلية. ولكن الكلمات يمكن أن تكون خطيرة. وتحتاج القيادة الحوثية إلى تجاوز الصراع اليمني من الانقسامات التي تميز بقية المنطقة. وينبغي أن تبدأ باعتماد شعار جديد.

مسار من أجل السلام

 يجب على الولايات المتحدة والمنظمات الدولية أن تدرك أن التركيز على التوترات بين إيران والمملكة العربية السعودية لن يتلاشى إلا عن طريق إيجاد تسوية سياسية محلية لإنهاء القتال. كل الأسباب الرئيسية للحرب الأهلية في اليمن هي داخلية: حكومة جمهورية غير شرعية وحركة الحوثيين التي ليس لديها نية للتراجع إلى الغموض السياسي لمعقلها الشمالي. وحتى الآن، ضاعت محادثات السلام بقيادة إسماعيل ولد الشيخ أحمد، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لليمن، وضاعت كل من تلك النقاط التي حاولت حل الأزمة بمطالبة الانسحاب الحوثي وإعادة الحكومة الجمهورية من المنفى.

يجب أن يتغير مسار مفاوضات السلام، فاليمن لم يكن موجودا قبل عام 1990، كبلد واحد. إن الحل السلمي يحتاج إلى الاعتراف بالانقسامات الداخلية لليمن. والتي تتكون من ثلاث مناطق رئيسية. الأولى في الشمال، معقل الحركة الحوثية، حيث الغالبية من السكان الشيعة وتسيطر عليها تحالفات قبلية قوية. والثانية جنوب البلاد، وهي مستعمرة بريطانية من 1839 إلى 1967، وبعد ذلك دولة عربية شيوعية حتى التوحيد اليمني، وهي في المقام الأول تحتوي السكان السنة، مع بنية قبلية ضعيفة، حيث تآكلت على مدى قرن من الهيمنة الإمبريالية ثم عقود من أيديولوجية الشيوعية العلمانية، وأخيرا، فإن المنطقة الشرقية في اليمن، المعروفة باسم حضرموت، يسكنها عدد قليل من السكان الحضرميين الذين يتمتعون تقليديا باستقلال كبير ويتوقون الى إدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم.

ولا يمكن لأي من هذه المناطق أو ينبغي لها أن تمارس سيطرة كاملة على المنطقتين الأخريين. ان تقسيم اليمن إلى ثلاث دول منفصلة لن يحل المشكلة، ومن شأن إيجاد حل أفضل أن ينطوي على نظام اتحادي يحافظ على درجة من الاستقلال الذاتي لكل منطقة ويضع حكومة اتحادية ضعيفة للتوسط في المنازعات على الأراضي أو الموارد وتوجيه السياسة الخارجية. فضلا عن الحفاظ على السلام داخل اليمن، لان غياب دولة مركزية قوية من شأنه أن يخفف المخاوف السعودية بشأن الاستقرار الإقليمي.

ومع ذلك، فإن أكبر خطر يهدد مستقبل اليمن ليس السعودية أو إيران أو حتى حربا أهلية متجددة، بل هو نقص متزايد في المياه الذي يهدد المدن الكبرى في البلاد. حيث توقعت الأمم المتحدة أن المياه في المناطق الحضرية الرئيسية في اليمن سوف تنفد في غضون خمس سنوات، نتيجة لعدم كفاءة الري وتزايد عدد السكان. وقد وعدت السعودية منذ فترة طويلة بتقديم أموال لإصلاح البنية التحتية المتضررة في اليمن بعد الحرب. وينبغي استخدام هذه الأموال لنقل السكان الحضريين الرئيسيين إلى المناطق التي بها المزيد من المياه والاستثمار في مشاريع تحلية ضخمة. ولا ينبغي أن تكون هذه الصفقة صفقة أحادية الجانب، إذ أن اليمن المستقر يمكن أن يسمح للسعودية بتصدير النفط من آبارها إلى مصافي ومرافق الشحن في عدن، مما يعطي الحكومة السعودية طريق تصدير جديد يتجاوز مضيق هرمز، ويتجنب خطر الحصار الإيراني. إذا كانت الحكومات الأجنبية والعمل غير المباشر قريبا لتقليل معاناة اليمن وقبول أن الحرب الأهلية تحتاج إلى حل محلي، فإن اليمن لا يزال بإمكانه أن يتعافى، بل قد يضيف قدرا من الاستقرار إلى منطقة متقلبة.

ترجمة: الدكتور عبده البحش

من النص الانجليزي المنشور في مجلة الشؤون الخارجية الامريكية

....

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet