الحرب.. والمساحيق
قبل 8 شهر, 26 يوم

يتراقص الملاين من الناس عند انتهاء الحرب في كل ساحاتها انتصاراً وفرحاً، إلا الذين ذاقوا ويلاتها وتكبدوّا مراراتها وفقدوا أعز ما يملكون فيها، فيخيم عليهم الحزن ويلف جنبات حياتهم السواد، صامتين وجلين ومترقبين! هذا إذا ما حطت الحرب رحالها وانتهت وتحمَّل المقاتلين أوزارها وتخضبت بالدماء وجوههم ونحورهم واكتست أجسادهم غبار الأرض وتعلقت بجوانبهم فروع الشجر.

ظروف الحرب ومجرياتها تختلف كلية عن حالات السلم على كل الصعد والمستويات الاجتماعية، وتؤثر على الجميع من كافة المستويات وبدرجات متفاوته بداية بالمزارع البسيط في مزرعته وانتهاءً برئيس الدولة وأعوانه، ولا تنجز الحرب أهدافها وتحقق آمال شعوبها إذا لم يكن ذلك حالها ومآلها.

ذلك تمهيداً للفكرة التي ظلت تؤرقني وتقض مضجعي وهي المفارقة العجيبة التي اراها في سلوك ومظهر معظم المسؤولين اليمنيين، والذي لا يوحي بأدنى شعور بالمسؤولية تجاه من شدَّ الأنظار إليهم والتف حولهم.

يرى المراقب وجوه يملأها النظاره واللمعان ويشع منها بريق الراحة والخلود والنشوة، وكأنا في معرض شركات دولية للعرض والترفيه، ولسنا في حالة حرب ضروس تأكل الاخضر واليابس وتوزع البؤس على كل شبر من أراضي الوطن. يتصرفون و كأن الامر لا يعنيهم و لا يتعلق بوطنهم و شعبهم  او كأنهم لن يعودوا يوما إلى أرض الوطن.

اين ديناميكية التفاعل بين القيادة السياسية والعسكرية والشعب في حالات الحرب؟ ولم لا تكون كل المرافق والمكاتب والوزارات والدوائر المالية والإعلامية والمعنوية ساحات لدعم الحرب والتقشف والصبر، كلاً في وزارته ومكتبه وقناته وصحيفته، وموقعه الاخباري واذاعته ومنبر مسجده؟ ولم تقتصر الحرب على الساحات اليابسة والسهول الصعبة والجبال الشاهقة، ويدفع المواطن فقط الثمن من دمه وماله وولده؟ لم لا يشارك المسؤل شعبه البائس معاناته ويحس بما يحسون ويشعر بما يعانون ولا يستفزهم بمظاهر الرفاه والترف التي يجنيها من ثمن دمائهم؟ اليس علينا جميعاً ارتداء عدة الحرب التي فُرضت علينا، وألبستها هيئة ومظهراً وجوهر..!

لم لا يرتدي الوزراء "الميري" ويخرجوا من قصورهم لتلفح وجوههم حرارة الشمس وغبار الصحراء؟ كي يحُسُّوا بمعانات المقاتلين من جانب ومن جانب آخر ليكونون عوناً وسنداً معنوياً لحاملي السلاح، رجال المعارك والحروب.

لماذا لا تؤجل طقوس الراحة والمجاملة في اختيار المسؤولين إلى ما بعد الحرب؟ واختيار رجال المرحلة الجديرين بإدارة دفتها وتنفيذ خططها بكل صبر واقتدار ونزاهة، لماذا العيش في عالم خيالي بعيداً عن الواقع الذي تعيشه اليمن واقعاً حقيقياً مؤلماً تكسوه الجراح وتملأ شوارعه الأشلاء والمعاقين والفقراء من كل اتجاه.

اليمن تعيش حالة حرب استثنائية ومختلفة عن كل حالات الحروب الأهلية والدولية! اليمن باتت ساحة حرب داخلية يخوضها الشعب ضد مجاميع تحارب بالوكالة عن قوى خارجية (إقليمية ودولية) جعلت من اليمن ساح لتصفية حساباتها. دولاً تتحارب على أراض اليمن بعيداً عن شعوبها هي وبناها التحتية، والاقتصادية، دفاعاً عن أمنها ومكتسباتها السياسية والاقتصادية، ومشاريعها التوسعية.

إن حالة هذا الصراع تسلزم الكتابة عنها بصدق وتوصيفها بما تستحق حتى تكتمل الرؤية لكل المراقبين في الداخل والخارج، فالمساحيق التي يتم إضافتها على بعض المواقف والشخوص في جهاز الشرعية الوزاري والاداري لن ترفع المعاناة التي يتجرعها المواطن اليمني في الداخل والخارج سواءً كانوا في مدنه الواقعة تحت السطوة الحوثية، والتي صارت سجوناً واسعة لا يخرج منها أو يدخل إليها المواطن إلا بإذن أمني مسبق أو بنظر المخابرات، أو المناطق المحررة التي ينقصها الكثير من الرعاية والدعم، كثير من المنظويين تحت جناح الشرعية لا يحملون الهم وما همهم شيء سوى المصالح وكأنهم لا يعلمون أن الشعب يراهم ويرقب فعلهم.

"كل الآدميين في الحياة متساوون وفي الحرب يظهر العظماء" جورج برنارد شو

 

...

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet