قراءة في ثلاثية : المكونات السياسية والانتهازية والراتب
قبل 4 شهر, 10 يوم

كثرت وتعددت ، وتنوعت وعودهم  الخُلَّبية ، ليس بصرف الراتب في زمن لن يأتي في تقديري - إلا بالمقاومة - بل ويصرخون  من  أن الآتي هو الأجمل، فقط الصبر  على المكاره التراجيدية التي نعيشها اليوم ، وبعدها سندخل الى جنة الوعود المنتظرة ، التي تقول جميع المؤشرات السياسية ، والاقتصادية ، والمالية ، والحقائق العسكرية  الجارية أن القادم على المدى المنظور هو الأسوأ ، على المستويات كافة ، في واقع غياب الرؤية السياسية وعدم وضوح الأهداف ، ولذلك فإن كل ما يقولونه ليس اكثر من تهريج، و بيع للوهم والزيف في رصيف شارع الكلام الفارغ من المعنى ، لشعورهم، بل وادراكهم  أن زمن الفعل ، وإرادة الفعل لدينا ما تزال في حالة سبات ، وكمون ، وتواكل ، وانتظار، للذي يأتي، ولن يأتي .

ما يزال تاريخ الاستلاب ، لإرادة الفعل لدينا وفينا،  يفعل  فعله في استمرار اغترابنا  عن الفعل ، وعن الدفاع عن الحق . نحن حتى اللحظة لم ندخل دائرة الدفاع عن (الحق) والحقوق عامة ، حقنا  بالقول والكلمة  والخطاب ، بما فيه حقنا  في الراتب المغيب ، وهي القضايا الأولية المصادرة ، فكيف بنا والفعل ، أو الدور  السياسي / الممارسي الغائب ، بعد أن خذلنا ثورة الشباب(القوة الحية والفاعلة في المجتمع )  ولأكثر من ثلاث  وأربع سنوات ، نسير على ومع تاريخ ما راكموه وقاموا به من تضحيات بالقطع ، وعدم التواصل والاتصال . كان خذلاننا لهم عظيما ، مع تثبيطنا لعزائمهم ، وعدم دعمنا  السياسي لهم ووقوفنا مع تحركاتهم الفعلية ، من بداية رفضهم  السياسي  و العملي للانقلاب وإصرارهم في كل ساعة وحين للنزول للشارع ، وعدم تأييدنا مبادراتهم الثورية الجماهيرية الحية ،  بل  وتقاعسنا عن الدفاع  عن تحركاتهم السياسية  حين كانوا يتعرضون للضرب والاعتقال ، حتى ببيان سياسي ، و هو ما  كان من الممكن ان يؤسس في حينه لفعل (ما) . لن نبكي اليوم على اللبن المسكوب ، ولكن علينا أن نرى نصف الكأس المملوء ، ونشتغل على ما هو حاصل من اختمارات ، واعتمالات ، وتململات ، وتحركات تحت الرماد .. "إن مستعظم النار من مستصغر الشرر" .. وكما اعلنها قديماً الشاعر ، الأمير  الأموي / نصر بن  سيار : أرى  بين  الرماد وميض  جمر/فاحرص أن يكون لها ضرام /فإن  النار بالعودين تذكي / وأن الحرب أولها الكلام .

 ونحن حتى الآن لانفعل ، ولانتكلم بما يوازي الفعل ويسد عجزنا فيه ، بل إننا لم نقل شيئاً حقيقياً  يترجم موقفنا السياسي من الكارثة الوطنية التي صنعها وأنتجها فعلياً تحالف الانقلاب  والحرب (الإمامة/والجملكية) في صورة ثورة مضادة شاملة ، ما يزال البعض يسميها  "بصراع  الأطراف المتحاربة" ، وذلك حقهم وخيارهم المقدر من لدينا كموقف سياسي لهم ، مع اختلافنا الجذري معه، ويبقى في حدود الاختلاف في الرأي ، وفي الموقف السياسي ، الذي لن يفسد ما بين الناس من مودة ، ويجب ألا يحمل الاختلاف في الرأي اكثر مما يحتمل  .

 

من يتصدر المشهد السياسي ، ويرتقي منصة القيادة (الفعل) في عملية سياسية ثورية  عليه أن يدفع ثمن خياره ، إن لم يكن فعلاً ملموساً ، فعلى الأقل قولاً موازياً للفعل، ومكملاً له ، وهذا أضعف الإيمان ، عملا بحديث رسولنا العظيم "ص".

 

فالمواقع ، والمراكز  القيادية ، في الأحزاب  السياسية الثورية  ، ليست للمنجهة ، ولا للنجومية الإعلامية ، ولاهي مراكز تشريفية ،  إنما هي تكليف صعب ، والقبول بها تحدٍّ للدخول إلى الأصعب ، ومن لديهم غالباً حساسية  /اخلاقية ، وإحساس عالٍ  بالمسؤولية ، هم من يرفضون هذه المواقع ليس خوفاً من تبعاتها ، ولكنهم يتهيبون من عدم القدرة على الإنجاز  فيها كما يجب ، خاصة في الاحزاب التي تزعم أنها تنتمي إلى صف المعارضة ، لأنه يدرك أن المطلوب منه  قيمة إضافية ، أخلاقية  قبل السياسية ، موقع ومركز للإنتاج المثمر الخلاق له تبعاته  خاصة وأنه يضعك في مواجهة مع المستبدين  والفاسدين  والطغاة . ولا أعتقد أن اليمن  واليمنيين  شهدوا في كل تاريخهم القديم  والوسيط ، وحتى المعاصر ، ما هو أبشع وأسوأ مما يحيون فيه هذه الأيام .. لقد بلغ جنون الطغيان  أقسى درجات العنف ، والوحشية  والعبث بكل شيء، لم تختطف فيه الدولة ، ومؤسساتها ، وتنهب أموال الشعب  قطرة ، قطرة ، بل وتغتصب فيه أرواحهم ، وما تبقى من قوت يومهم  (رواتبهم) ، دون ذرة إحساس ولسان حالهم يقول:- لا نبالي-ومن هنا أهمية ، وقيمة الموقع في الحزب الثوري ، وما نقوله ليس دعوة للمواجهة الانتحارية ،  ولا هو تحريض للقفز على حقائق الواقع على الأرض ، بل هو التأكيد على  روح المسؤولية  بما يستدعيه ويتطلبه الموقف ، وليس هروباً  من المهام السياسية المباشرة ، وتثبيطاً للعزائم .

ما تزال لدينا قدرة استنهاض إرادة الفعل للإصلاح  والتغيير ، والواقع  يشي ويدلل بأكثر من مؤشر على ما يشير ويؤكد على هذا المعنى .

فقط نستنهض قوانا جميعاً ، ونتحرك باتجاه وحدتنا ، ووحدة إرادة الفعل فينا جميعاً ، بعيداً عن المكايدات الصغيرة  واللعب الكلامية الصبيانية ( ردات الفعل  التي تعكس عدم رغبة كامنة للفعل) وسيكون  لدينا من إرادة الفعل الكثير للتغيير .. يكفي أن نتحسس مكامن القوة فينا ، بوحدتنا مع قوانا الحية الشابة  في جميع منظمات أحزابنا ، ومنظمات المجتمع المدني الحية ، وجميع أصحاب المصلحة في الإصلاح   والتغيير ، بعد إهمالنا للقضية التنظيمية طويلاً  (خاصة في حزبنا الاشتراكي ) وهو ما يجب علينا استنهاضه في داخلنا ، وفي أحزابنا ، لتعود الحياة  الحزبية ، والسياسية ، إلى طبيعتها السوية  .

فقط لنبدأ التفكير بخطوات عملية بهذا الاتجاه معاً ، وجميعاً (مكونات  سياسية ونقابات واتحادات ومنظمات مجتمع مدني وشباب ثورة) لأن ما نشهده هو تشتت ، وارتباك  العامل الذاتي فينا ، وتضخم الأنا ، والذاتية المريضة ، آفة الانتلجنسيا  في طور انحدارها ، وليس في قمة صعودها العظيم .. وهذه واحدة من أمراضنا المزمنة  التي لم نساعد أنفسنا على تجاوزها والتخلص منها ، لأن البعض منا  ما يزال متحوصلاً ومتشرنقاً  حول ملكوت اسمه ، وذاته ، وتلكم هي واحدة من مشاكلنا الذاتية المستعصية ، إلى جانب ظاهرة الانتهازية السياسية والوصولية الرخيصة كمظهر ونموذج للانهيارات الاخلاقية الكبرى ، التي تتضخم أكثر في المراحل الانتقالية ، والاستثنائية والتي تجعل من الانتهازية والوصولية ملمحاً بارزاً في الحياة السياسية والحزبية : خطوة مع الحزب ، وعشرة  إلى المصرف المالي ، عبر السلطة الفاسدة أياً كان مسماها ، ثيوقراطية أو أوتوقراطية "سنية /شيعة" على طريق تعمير بنيان الذات السياسية الانتهازية  .

وفي تقديري أننا لن نتمكن من مواجهة المستبدين ، والطغاة الفاسدين ، ونحن محشورون ، ومدججون ، بالإنتهازية ، والانتهازيين  والوصوليين ، مرتزقة السياسة ، للقفز للأعلى ، الذين تدربوا  وتربوا عليها نفسياً ، وسلوكياً ، عبر تنقلاتهم بين المراتب  الوصولية و في مواخير السياسة  العفنة  العديدة . فالفساد  والفاسدون ، لن يواجهوا سوى بقيم مضادة :  قيم النزاهة ، والأخلاق الرفيعة ،  والتضحية ، دون مقابل  والترفع على الصغائر .. ما لم ، فسيبقى الفارق  بيننا وبين احزاب ، وجماعات الفساد ، والفاشية الدينية فارقاً ،  في الدرجة ،  والشكل ، وليس في الطبيعة ، والجوهر .

في زمن الانحطاطات والانهيارت القيمية و الوطنية الكبرى ، زمن  السقوط للمبادئ والقيم ، ستجد صورة الانتهازي متربعة على عرش  "النجومية" الإعلامية والإعلانية ، في شكل "فهلوي" يغتال كل ما هو جميل من حوله ، وحيثما يكون الفساد  والجريمة والقتل يكون الانتهازي . إن الاستبداد والفساد والطغيان جميعهم تلاميذ صغار للانتهازية السياسية ، ومنتجات عملية لها في واقع الممارسة ، فالانتهازي هو المنتج الأعظم للشرور المدمرة للسياسة ، وللأخلاق ، والأحزاب ، والدول .

فالسلطان الطاغية دائماً وأبداً يحتاج للقلم الانتهازي ، وللسيف ليقتل به شعبه تنفيذاً لوصايا الانتهازي ، وأحياناً قد يستخدم  الطاغية السوط ليؤدب الانتهازي حين تقصر وصاياه عن تحقيق المراد . فالقبيلة في حالة وهنها وضعفها تحتاج للانتهازي من داخلها ومن خارجها ، والقضاء لا تفسده سوى وسوسه انتهازية القاضي ، فغاية العمران ، والحضارة هو الازدهار  ، والنماء والترف  "الرفاهية الانسانية" ولا يفسدها ويقودها للفوضى والانهيار سوى العقل السياسي الانتهازي ، فالانتهازية هي المعادل الموضوعي لخراب النفوس ودمار الاحزاب ، خراب العمران والدول والحضارات .

 

إن بداية سقوط الأحزاب ، والدول تقف خلفها ثلة من المرتزقة والوصوليين الانتهازيين ، ولا تزدهر وتنتعش الانتهازية إلا في مراحل ضعف الضمير الاخلاقي في المعمار الانساني ، فالانتهازي بطبعه عدو للنظام وللقانون ولفكرة العدل والحق ، ولذلك يتناقض حضوره مع وجود القضاء العادل . فالانتهازي مهزوم أخلاقياً وإنسانياً من الداخل ، وبحضوره الكثيف في أي مكان يكون تدهور الثقافة والقيم والحضارة .. فهل قرأت أو سمعت عن انتهازي يدافع عن قضية الأخلاق أو الراتب ويقف ضد الفساد والاستبداد ؟ في تقديري أن "لا" هي الاجابة الوحيدة التي تقدمها لنا الخبرة  السياسية والتاريخية والإنسانية .

ويختصر ويلخص كل ذلك عالم الاجتماع العربي إبن خلدون في متن كتابه المشهور بـــ"المقدمة" من أن العمران والدول والحضارات تنهار بموت الضمير السياسي والثقافي وحينها يكثر الأفاقون ، والأفاكون  والمنجمون (...) ، وتعم الاشاعة وتطول المناظرات وتقصر البصيرة ويتشوش الفكر" .

إن الانتهازية اليوم تجملها وتستغرقها عبارة الامبراطور الروماني قبل مقتله بيد رفيق عمره  القائلة : " حتى أنت يابروتس" ، فالانتهازي موطنه هي مصلحته وحيث تكون يكون .

والانتهازية حالة وظاهرة عابرة للسياسة والافكار والأحزاب  والدول . وهي موجود  في قلب خراب المكونات السياسية وفي شرعنة الأمر الواقع ، وهي لا تجرؤ على قول كلمة سياسية نقدية واحدة حول قضية الراتب ، فما بالكم بما يقع فوق سقف الراتب من كلام يجب أن يقال.

نحن إذاً اليوم أمام ثلاثية قاتلة قد يبدو أن لا جامع بينها ، على أن فترات الانحطاط الاستثنائية التي نعيشها كاشفة وفاضحة لما يوحد ويجمع فيما بينها  سلباً ، وبما لا يخدم وحدة وقوة المكونات الحزبية، وتماسك بنيان الدولة  والمجتمع ، وبالنتيجة شرعنة أو على الأقل الصمت على مصادرة حق حصول ملايين الناس على رواتبهم ، حصولهم على حقهم في الحياة .إنها الانتهازية حين تطوقنا وتحاصرنا وتخترق حياتنا من جميع جهات الروح.

حين ندرك ونعي كل ذلك  بعقل نقدي تاريخي مفتوح على المستقبل ، لن نحصل على بسيط ما تبقى من  الراتب  الذي لا يقيم الأود ،  بل سيتحول الراتب إلى قضية سياسية ، وبوابة وطنية تقودنا للتغيير ولاستعادتنا للشرط السياسي الغائب  والمصادر في جب سلطة العصبية والتغلب بالشوكة والجند "المجاهدين " متجاوزين حالة  خوفنا وشلل قدرتنا على مواجهة العفن السائد ، باسمه ، وصفاته ، كعنوان للكارثة  السياسية  والوطنية التي نعيشها بعيداً عن خلط أوراق  الذاتي  بالموضوعي ، ومكر المكايدات الذاتية الصغيرة ، بالارتفاع إلى قمة هرم المسؤوليات الوطنية الكبرى الملقاة على عاتقنا جميعاً ، من قمة هرم المسؤولية ، إلى أدنى مستوياتها . وحين أتحدث عن العفن السائد ، فإنني أقصد وأعني الحالة السياسية اليمنية القائمة ، في الشمال والجنوب ، كليهما تعبير عن أزمة وطنية شاملة تعيشها  البلاد ، بدرجات ومستويات مختلفة .. ومن هنا البداية بتخليص وتنظيف  المكونات  السياسية من الظاهرة الانتهازية الملتصقة بها ، كشرط للفعل نحو التغيير برؤية سياسية ،وبرنامجيه واضحة للمستقبل  .