الفيدرالية–الديمقراطية-بناء الدولة_ الاقتصاد_ والتنمية المستدامة
قبل 6 شهر, 20 يوم

إن المقال السابق قد ركز على ابراز الفوارق بين  الفيدرالية واللامركزية  فالفيدرالية تعتبر ذات طبيعة سياسية وليست إدارية ،والفيدرالية تسهم في تقاسم السطات؛ بمعنى تقليصها من المركز باتجاه الوحدات الاصغر.. وكذلك فانه ايضا تناول الفروق بين الكونفدرالية والفيدرالية ليكون القارئ على بينة من فخ التهويل ..؛ فالفيدرالية تفقد الولايات أو الاقليم المتحدة شخصيتها الدولية ، وتمنعها من الانفصال، وان الهيئة التي تعبر عن الاتحاد الفيدرالي البرلمان المكون من غرفتين  ،وتُنفذ القرارات عن طريق هيئاته التشريعية والقضائية والتنفيذية ،وللدولة الفيدرالية  جنسية واحدة ،واية منازعات تُعد في العرف الدولي بأنها داخلية ..وهكذا..

 في هذا المقال سنناقش معا الديمقراطية في الدولة الاتحادية .. إن الاتحاد الفيدرالي لا يتحقق الا في نظام ديمقراطي تعددي برلماني يراعي فيه حقوق الانسان،  فالتعايش الحر والتواصل الأخوي الاختياري لا يستقيم ولا يقام إلا إذ قام على أسس واضحة من المساواة التامة في الحقوق والواجبات وعلى الاختيار الحر والطوعي وفي أجواء ديمقراطية ((حقيقية)). والفيدرالية ضمانة لحقوق الأفراد ويضمن الاستقلال الذاتي للأقاليم (المناطق) المحلية. وبالتالي فالفيدرالية يمكن ان تكون تجسيداً للأسس الديمقراطية في الحكم والادارة والقانون..

 الديمقراطية في الدولة الاتحادية:. أن الديمقراطية كمفهوم، تكوّن من خلال التجارب الانسانية المتعددة، والمتعلقة بمصدر وشرعية السلطة السياسية. وهي فلسفة  سياسية للتعايش المشترك  في المجتمع بشكل سلمي. وتتلخص باستقلالية الفرد وحريته وبعقلانيته وسلوكه المتحضر مع باقي الافراد في المجتمع المنظم . الديمقراطية سلوك جماعي  يحتاج إلى ركيزة واسعة من المواطنين الواعين بأمورهم ،والذين يريدون العيش بحرية وبشكل علني دون خوف من سلطة تهددهم بشكل اعتباطي..  لذا من الضروري أن يقبل الجميع  بالديمقراطية كقاعدة أساسية لحل الصراعات بشكل سلمي بعيدا عن استخدام العنف وعن العصبية والسلطوية، عن طريق الحوار العقلاني المنفتح، ستحل كل  الخلافات الممكنة والطبيعية في عالمنا الانساني.. إن إحدى مؤشرات الحرية هي أن يكون الفرد وبالتناوب حاكم ومحكوم.. ؛ لكي لا يُحتكر الحكم من حزب واحد فقط، تبين لعديد من الشعوب أن الطريق الأفضل للوصول إلى حكم ديمقراطي هو في التعددية الحزبية.. و تبدو التعددية الحزبية ضرورة أساسية لتطبيق الديمقراطية بشكل أسلم ..!؛  فعندما يخضع القائد مثل المواطنين للقانون. لأن القانون عقلاني ..تكون هناك ديمقراطية..!؛ لا ديمقراطية دون مؤسسات شفافة تعمل تبعا لمبدأ المساءلة في عملها..!؛ المواطنة هي العمود الفقري للديمقراطية في العصر الحديث ، وعلى أساسها يمكن البدء بالعمل السياسي المفتوح على كل أفراد الشعب المقيمين في بلد معين..!؛

يقول : جان_ جاك روسّو  إن" القوة لا تؤسس الحق".. إن حق الانتخاب في الديمقراطية هو حجر الأساس فيها..؛ لأنه الوسيلة التي تمنح الشرعية السياسية للحاكم لإدارة الدولة لخدمة الشعب..؛ فاستعمال حق التصويت هو ذروة المساهمة الديمقراطية وأكثرها تأثيرا على مستقبل الحكم..!

ويقول : جان-جاك روسو 1712-1778  "العدالة الاجتماعية شرط الحرية ،وشرط انسجام الإرادة الخاصة مع الإرادة العامة" ..فالديمقراطية السياسية تبقى ناقصة بدون ديمقراطية اجتماعية. الأولى تهتم بمصدر السيادة والسلطة وحقوق المواطن السياسية ومساهمته في الانتخابات وتشكيل الأحزاب وإبداء الرأي ونشره... أما الثانية، والتي لها أولوية على الديمقراطية السياسية، فتهتم بتحسين أوضاع المواطن المادية، عن طريق مبدأ العدالة الاجتماعية من حيث توزيع خيرات البلد على كل المواطنين لأن للمواطن حق شرعي بنصيب عادل منها. فالمساواة بين الأفراد في المجتمعات المنظمة تستند بشكل أساسي على هذه العدالة الاجتماعية. فأفراد الشعب المنبوذين والفقراء وقليلي الثقافة، لا يمكن أن يساهموا بشكل جدي في الحياة السياسية التي تتطلب معرفة بأمور الدولة وتسييرها وأمور السلطة ومداخلاتها. أولويات هؤلاء الناس هي لقمة العيش وليست السياسة. " لا حرية بدون توفير لقمة العيش _ جمال عبد الناصر" ..؛فالحقوق الاجتماعية ضرورية لاعتبار الإنسان غاية في ذاته يجب احترامه ومساعدته على العيش الكريم. لأن هدف التنمية والتقدم في الدولة هو حرية المواطن ورفاهيته.. الديمقراطية الاجتماعية تسهل مشاركة المواطنين في العمل السياسي بشكل فعّال لأنها تسد حاجاتهم المادية وتعيد لهم اعتبارهم وكرامتهم وبهذا يصبح للديمقراطية بشطريها (بجناحيها) معناً واقعياً ومتكاملا. ولا يكفي التبجح بالحريات العامة والمساواة أمام القانون إن لم تترفق مع تحسين الاوضاع الاقتصادية للمواطنين ليصبح لهذه المساواة والحرية معنى واقعيا..! ؛ للإنسان كل الحق في تحكيم عقله دون خوف أو محاسبة عشوائية من الحاكم أو المجتمع.. إن حرية التفكير جوهر العمل الديمقراطية،  الحد منه يفرّغ الديمقراطية ويجعل منها شكل دون مضمون...!؛ النقد عملية عقلية للكشف عن حسنات وسيئات أمر ما. النقد يفتح بابا واسعا لرؤية الموضوع المطروح من كل أوجهه بشكل منهجي أي بشكل منظم وجدي يبدأ بالتحليل والربط بين الأمور دون إغفال.. ومما لاشك فيه يعد النظام الفيدرالي من بين اكثر الانظمة ديمقراطية فهو يعبر عن معنى الديمقراطية من خلال توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ؛ للمشاركة في الحكم وإدارة الدولة لذا فإن تناول موضوع الفيدرالية كان ولازال يشكل اهمية قانونية وسياسية على اساس معرفه المعنى الحقيقي للفيدرالية ..!؛ فالفيدرالية تكرِّس وتضمن الديمقراطية..؛ فالمبدأ الفيدرالي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ الديمقراطية وقِيمها. فكافة المستويات الحكومية في أي نظام فيدرالي تستمد سلطاتها من دستور لا يمكن تعديله عشوائياً ،وبطبيعة الحال فإن هذه المستويات تستمد شرعيتها من موافقة المستفيدين عليها، من خلال انتخابات حرة ونزيهة، إضافة إلى أن المبدأ يفترض أن المستويات الحكومية تحترم القانون والدستور..! ؛ إن الديمقراطية تُعد الخيار الأنسب للمشكلات والأزمات التي توجه الدول، فهي لا تقدم المعالجات والحلول الآنية لهذه المشكلات والأزمات فحسب، إنما تضع الأطر والسياقات لنمو النظام السياسي وتطوره وبناء هيكل دولة عصرية حديثة، وبمؤسسات تحظى بأهمية قصوى في اطار العملية الديمقراطية، لذا.. فإن غيابها يعمل على تشويه هذه العملية وتخريب الممارسة الديمقراطية ،ومن ثم إفشال عملية التحول الديمقراطي.. إن الأنظمة الفيدرالية تعزز حكم الأغلبية الديمقراطي بإعطاء الفرصة للمجموعات  التي تكوّن الفيدرالية التي تشكل أغلبية  في مناطقها لاتخاذ قرارات حول الأمور ذات الاهتمام الإقليمي بحكم الأغلبية.. من حيث السكان ومن حيث القضايا ذات الاهتمام المشترك في جميع انحاء الكيان المدني..؛ وعلى المستوى السياسي  ينبغي الاشارة إلى أن ثمةَ توافقاً بين قيم الفيدرالية والقيم الليبرالية الديمقراطية؛ فالأخيرة تؤكد على الدستورية وحكم القانون واحترام الأقليات وتوزيع السلطات السياسية، والأولى تعزز القيم الديمقراطية وتؤكدها عن طريق التأكيد على الشرعية الديمقراطية لكل الحكومات الفيدرالية، وحكومات الوحدات المكونة للفيدرالية، والتي انتخبها ناخبوها مباشرة ، وعن طريق كبح حكم الفرد بتوزيع السلطات الشرعية بين مراكز متعددة لصنع القرار بداخل الكيان المدني..

مبادئ النظام الفيدرالي تكرس حال الديمقراطية:  المبدأ الأول :_ مبدأ تمتع السلطات الفيدرالية بصلاحيات الوساطة ،وفق الدستور ،والتحكيم الدستوري، وسلطات الطوارئ في حال النزاعات بين الأقاليم وحالات تهديد أمن الدولة الفيدرالية ،وحماية الأقليات ،والحرص على تطبيق الحريات والحقوق للأفراد والمساواة بين سكان جميع الأقاليم.. وهذا المبدأ يبنى على أساس محاصرة جميع الاحتمالات التي تدفع إلى انفصال أي جزء من الدولة الفيدرالية..!؛

المبدأ الثاني :_ الخصوصية التشريعية والمؤسساتية للأنظمة الفيدرالية ،وذلك بحسب مميزات كل إقليم ،والطبيعة البشرية لأقوامها ولأراضيها.. ويعتمد هذا المبدأ على قواعد وأسس كقاعدة التوازن في بناء المؤسسات ،والتوازن بين مصالح الأقاليم والدولة، كما يعتمد على قاعدة التمثيل للأقليات في الحكومة المركزية والجيش ومؤسسة الخدمة المدنية ..؛ لأن هذه القاعدة تُرتب عملية  شد الأطراف نحو مركز الدولة والاندماج فيها ، للحفاظ عليها عند تطبيق توازن المصالح ..!؛

المبدأ الثالث: _  الدقة في التشريع وفي بناء المؤسسات لإحداث التوازن المطلوب بين السلطة  المركزية وبين سلطة الأقاليم، بما يحافظ على بقاء المنهج الديمقراطي واستمراره من خلال بقاء مضمونه المادي لمصالح الطرفين واستمراره. ويعتمد هذا المبدأ على قواعد اللامركزية ، وأهمها: _ اللامركزية التشريعية : وتعني وجود صلاحيات تشريعية موثقة بالدستور للوحدات  الفرعية والمركز. فالتخصص الدستوري للصلاحيات التشريعية هو أحد المؤشرات المهمة لوجود الديمقراطية في مظهر حرية الوحدات  في صناعة القوانين التي تنظم حياتهم العامة بعد الأخذ بالاعتبار درجة الاستقلالية المحلية في تشريع القوانين المحلية..؛ _ اللامركزية الادارية : تقوم على تخصيص المسؤوليات الادارية التي يحددها الدستور ، أو يتم تطويرها من خلال التفويض أو الاتفاقيات بين الحكومات ، وهي مؤشر ذو صلة بنطاق اللامركزية في الصلاحيات ، كما تعطي أحجاماً نسبية للخدمات في كل مستوى من مستويات الحكم..!؛ _  اللامركزية المالية : إن وجود نسبة مالية تُستقطع من صافي إيرادات الحكومة المالية ، ونسب مالية تُخصص للأقاليم  تشكل عملية تفاعل مالي بين الطرفين ، إضافة إلى توفير نوع من الاستقلال المالي  للأقاليم لسد نفقاتها بحرية وبشكل عملي وموضوعي ؛لأنها الجهة الأعرف بمتطلبات الاقليم المالية.. وثمّةَ حصص من العائدات الفيدرالية ،يتم توزيعها حسب معيار التخصصات والحاجات وعدد السكان والأرض..!؛

المبدأ الرابع : _ الوجود الفاعل لمؤسسات المجتمع المدني في جميع الاقليم في الدولة الفيدرالية  التي ثبتت أهميتها في بناء الدولة والمحافظة عليها . فهي تحمي الممتلكات العامة وتساعد في اندماج الاقاليم مع بعضها ، وتوظف سلطة القوانين والاعلام والصحافة والرأي العام للمحافظة على حقوق الانسان ..!؛

المبدأ الخامس:_  التداول السلمي للسلطة في جميع الأقاليم الفيدرالية بآليات قانونية معتمدة ومؤسسات تتيح للاتجاه السياسي الذي يحظى بتأييد الأغلبية أن يتولى السلطة لتنفيذ برامجه بعيدا عن عمليات التغيير العسكرية أو المليشاوية ، أو أية شرعية تدّعي الأحقية ووصلت للسلطة من خلال العنف وليس من خلال صناديق الاقتراع والمشاركة السياسية في الانتخابات.. اللهم أجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه ..رمضان كريم وصوم مقبول..!