ألغام الغباري.... وعناد الغفوري
قبل 4 شهر, 1 يوم

ليس بمقدور أحدٍ اليوم أن يقف عائقاً أمام تفكير وخيالات أحد في زمن فَرضَتْ التكنولوجيا نفسها وصارت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كالأنهار الحرة التي تجري في تدفقها قبل تحديد مسار الجريان، وقبل تدخل اليد البشرية لتتحكم في المنبع أو تحديد المصب.

فقَصُرت المسافات الزمنية وكُسِرت الحدود الدولية ولم يعد باستطاعة أحد أن يقف عائقاً أو عقبةً أمام من يحب أو يكره من الكُتَّاب وأصحاب الفكرة والرأي، أو أن يضبط بوصلة تفكيرهم ورأيهم.

 إلا البعض ممن رضي بأن يكون مجرد آلة تصوير أو صدىً لصالح أحد من الناس قل شأنه أو كثُر وتلك سجية فُطِرَ الناس عليها "وولدوا أحراراً  كما ولدتهم أمهاتهم من قبل ومن بعد" فإما أن تكون حراً طليقاً فيما تعتقد وتفكر، أو أسيراً للهوى والمصلحة أو لرواسب ومعتقدات جهوية أو فلسقية مذهبية أو مناطقيه لازمة.

 تلك حالة في اعتقادي يعيشها الكاتب والصحفي الرائع سام الغباري الذي أقراء مقالاته وأعيد وكأني أقف أمام قصيدة ملهِمةً أو آية تتلى، وقرأت كتابه اليمن بلدي أنا ولم أكمله لأن صديقي احتكر الاصل بحجة ملكية صاحبه، وايا كان الشكل الفني أو المنهجي للكتاب فهو مقبول ، طالما وهو يعمل كآلة حادة في تشريح الهاشمية السياسية وإبراز عفنها وقبحها  فأنا ارفع قبعتي وأحني له هامتي إجلالاً واحتراماً، لسببن الأول -أنه من محافظة ذمار كرسي الزيدية كما يُقال، والمتمرد على الهاشمية منها فله أجران، والثاني -أنه امتلك الشجاعة في التمرد وكتابة مالم يكتبه الكثير من حملة الأقلام والصحف في ذلك الشأن.

غير أني أعتب عليه في بعض ما أورده في آخر مقال له بعنوان "من الغباري إلى الغفوري.. لماذا نكرههم ؟" من عبارات خرجت عن سياق النقد للغفوري ودفاعه عن الفنان الأضرعي وانا لست مع الغفوري فيما يكتب ضد فنانينا المبدعين أيا كانت قدراتهم وأخطائهم وقد أوردت ذلك في مقال سابق اسديت فيه نصحي للغفوري.

 وأبنتَ فيه يا صديقي مكنونات نفسك الوجدانية المهشمة التي تغص بمآسي الماضي الأليم والتي يشتكي منها الكثير ممن يقاتلون في صفوف الشرعية من أقرانهم وقادتهم من الجبل حد تعبيرك في جبهات القتال. ما كان عليك إبدائها والتفوه بها وتقسيم اليمن إلى جغرافيات متعددة منها ما هو مع الهاشمية "الجبل" ومنها ما هو رافض لها ومحارب "الساحل والسهل"، وتكرارك لمسمى الجبل أي بمعنى "الهضبة"  بدليل ما كتبته في مقالك " الذين يرون الحوثي مشكلة جغرافية تنحصر خطورتها مع أول منحدر لجبل سمارة جنوبًا ، وفي تلك الجغرافيا ظهر صالح وعلي محسن وحميد الأحمر واليدومي والآنسي والزنداني أيضًا " أي أنه لا يزال " الخطيب الخطيب والجمعه الجمعه" ما علينا الأسماء التي وردت من الجبل تستحق الاحترام والتقدير وما يميز الناس هو تاريخهم الوطني ولهم حق الميل أو التورط أو الانحياز  إلى قيم العدل والمساوة بين كل اليمنيين.

 المعركة يا أستاذ سام تاريخية وليست بين الجبل والسهل وإنما كما ذكرت بين الشعب اليمني وأسر أجنبية دخيله قتلت نصف اليمن بنصفه الآخر ولولا أفاعي وأكتاف الجبل الذين ضاقت بهم اللحود في سبيل الشيطان آخرهم عفاش، لما ظلم السهل وصيرته الهاشمية أدوات انتاج وأيادي تعطي ولا تأخذ مع استهجان مناطقي عصبوي مقيت حتى اللحظة.

المعركة تتطلب من كل اليمنيين التطهر من أثام الماضي والتخلص من المصطلحات والمعتقدات الخرافية التي بان كدبها، ومن مصطلح هذا قنديل حق له أن يحكم بزيف إلهي وهذا "زنبيل" عليه إعطاء الزبيب والعسل ودفع الخُمُس وعليه الإذعان لهم وطاعتهم  في المنشط والمكره.

 والتطهر من مفهوم هذا قبيلي جبلي شيخ زيدي يحق له أن يرث قمائم حكم الإمامة كونه زيدي ويحكم بعقلية الشيخ رئيس العصابة وما تبقى من مفاهيم الهادوية التي تحلل المال العام لأعضائها، "خذ ما يكفيك من المال العام ولا تعدُ" وهذا رعوي بطبيعته محكوم، فَفُتِحت جهنم النفوس الجائعة بعد ثورة 26سبتمبر ولم يشبعها شيء من ثروات الأرض الظاهرة والباطنة، حتى وصلوا إلى عظام المواطن وبواقي دمه وسحقوا حتى معنى الدولة. الأمر الذي جعل بواقي أنصار الهاشمية يحنون إلى عهدها والتغني بعدلها وتثبيت مقولة أحد مرضى الهاشمية، انتقل الحكم من يد العلماء يقصد الهاشميين إلى أيدي اللصوص يعني المشايخ وعصاباتهم القبلية الرثة والتي لازالت تقاتل في صفوفهم حتى اليوم.

ما أقصده يا أستاذ سام اننا لن ننتصر طالما والفكر مشوه والمعتقد فاسد والهدف غير أصيل. سننتصر فقط عندما نلتقي ونقف بشكلٍ متساوٍ على أرض واحده بمعتقد واحد أنها ملك الجميع والكل متساوي في الحقوق والواجبات فيها، لا شيخ فيها ولا رعوي ولا هاشمي ولاقبيلي ولا جبلي ولا من السهل الساحلي.

 سنتتصر يا استاذ سام عندما نتجرد عن المصلحة الشخصية أو الجهوية ونغلب اليمن والمصلحة العامة. سننتصر فقط عندما نؤمن بالتخصص الاداري والقدرة والكفاءة والنزاهة في أحقية تولي الوظيفة العامة وأن الوظيفة ليست مصدراً للنهب والهيمنة وتثبيت النفوذ. وأنها في مفهومها العام وظيفة شراكة محكومة بعقد اجتماعي بين الموظف والمواطن يقوم بمقتضاه الموظف بخدمة المواطن واحترام حقه وحقوقه بمقابل راتب ومستحقات يتقاضاها نهاية كل شهر. ويحق له عزلة متى ما شاء واستبداله بمن يشاء بدءاً بعسكري المرور وانتهاءً برئيس الدولة وفقاً للمعاير السابقة.

وفكفكة شراك الالغام النفسية المفاهيمية من قبل جميع الأطراف هي الكفيلة يا استاذ سام وصديقك الغفوري أن تشق الطريق وتمهده وتسحق كل العوائق الطبيعية والبشرية للتحرر والانعتاق من العدو التاريخي لليمن واليمنيين. ومعالجة جراحاتنا والطعنات التي أدمت أجسادنا وتطهيرها بالكحول والكي ان استدعى الأمر وصعب على الطبيب التداوي.